
التنوّع المناخي يمنح الجزائر أفضلية نادرة
أكد الخبير الهولندي في تربية النحل، ستيف كليفت للنصر أن العسل الجزائري يتميز بتنوع فريد يؤهله لاقتحام الأسواق الدولية كما أشاد بالمستوى المتقدم الذي بلغه مربو النحل الجزائريون، خاصة الجيل القديم الذي وصفه بـخزان خبرة حقيقي يمتد لقرون.
حاورته: لينة دلول
وأكد الخبير الذي حل مؤخرا ضيفا على الجزائر في إطار برنامج pum لدعم وتبادل الخبرات بين هولندا والجزائر، أن التنوع المناخي الذي تزخر به الجزائر يمنحها أفضلية نادرة، تتيح إنتاج أنواع متعددة من العسل عبر تقنية ترحيل الخلايا ما يفتح آفاقا واسعة لتطوير هذا النشاط اقتصاديا. داعيا في سياق متصل إلى اعتماد استراتيجيات واضحة، سواء في التوجه نحو العسل العضوي أو الإنتاج الموجه للتصدير بالجملة، بما يعزز مكانة الجزائر في هذا المجال الواعد.
النصر: مرحبا سيد كليفت هل يمكنك أن تعرفنا بنفسك وتخبرنا بالبرنامج الذي أتيت معه ولأجل ماذا؟
مرحبا قراء جريدة النصر الأوفياء، معكم الخبير في تربية النحل ستيف كليفت جئت إلى الجزائر ضمن بعثة مع منظمة هولندية نعمل من خلالها على تقديم الاستشارات والدعم لعدد من التعاونيات، كما نساهم في تعزيز علاقات العمل المرتبطة بالحكومة الهولندية، التي ترسل خبراء في مجالات وأنشطة متعددة إلى مختلف دول العالم.
تشمل هذه التخصصات مجالات متنوعة، مثل الجزارة، وزراعة المحاصيل، وتربية الحيوانات.
أما في حالتي فيتعلق الأمر بتربية النحل، وهو المجال الذي أكرس له خبرتي لقد زرت عدة دول في إفريقيا، حيث عملت على المساهمة في فهم أفضل لآليات عمل خلية النحل، وفي كل تجربة كنت أتعلم بدوري الكثير.
أسافر باستمرار وأسعى إلى مساعدة المهنيين على تطوير مهاراتهم وتعزيز فهمهم لمختلف الآليات المرتبطة بالاقتصاد المحلي، كما أمارس هذا العمل منذ نحو سبع سنوات، وآمل أن تتاح لي فرصة زيارة إندونيسيا مستقبلا.
تربية النحل بالنسبة لي شغف حقيقي فقد أمضيت في هذا المجال ما يقارب أربع عشرة سنة، وما زلت أعمل مع خلايا النحل إلى اليوم بشغف والتزام.
ما الذي دفعك لزيارة الجزائر والتعرف على تجربتها في إنتاج العسل؟
في البداية تتولى شركتي عملية اختيار الخبراء ثم يتم التواصل مع عدد من ذوي الخبرة لمعرفة مدى استعدادهم للمشاركة في مثل هذه المهام، عندما طرح علي الأمر، بادرت وعبرت عن رغبتي قائلا نعم، أود الذهاب.
مستوى المعرفة والخبرة في تربية النحل بالجزائر يمتد لقرون طويلة
لم يسبق لي أن زرت الجزائر من قبل، لذلك كنت سعيدا جدا بهذه الفرصة لاكتشاف هذا البلد لقد عشت في صغري في دول عربية، وهو ما جعلني أشعر بارتباط خاص بهذه التجربة، واعتبرتها فرصة مميزة للعودة إلى أجواء البلدان العربية التي أحبها.
ما شدّني أيضا هو التنوع المناخي الذي تتميز به الجزائر ووجود مناطق مختلفة تنتج أنواعا متعددة من العسل، وهو ما يجعل القدوم إلى هنا أمرا جذابا للغاية بالنسبة لي.
إلى جانب ذلك فإن مستوى المعرفة والخبرة في تربية النحل في هذا البلد يمتد لقرون طويلة، وهو ما يتيح لي فرصة التعلم أيضا وآمل في المقابل أن أتمكن من نقل خبرتي وأن يكون هذا التبادل مفيدا للجميع
ما هو انطباعك الأول عن قطاع تربية النحل في الجزائر؟
مربو النحل بالجزائر يتمتعون بخبرة ومعرفة عميقة بالمجال
إن تربية النحل في الجزائر تعد مجالا مثيرا للاهتمام نظرا لكونها نشاطا متجذرا تمارسه أجيال متعاقبة منذ زمن طويل، ما أكسب المربين خبرة ومعرفة عميقة.
وبصراحة، أجد أنه من الصعب أن أضيف لهم الكثير على المستوى التقني خاصة في ظل توفر الإنترنت والكتب ومصادر التعليم الحديثة، وهو ما جعل مستواهم اليوم مرتفعا جدا.
أما الجانب الذي يمكن أن نُحدث فيه فرقا، فيكمن أساسا في التنظيم، والتأطير، وتعزيز آليات نقل المعرفة خاصة نحو مربي النحل الشباب. وهنا تحديدا يمكننا تقديم قيمة مضافة حقيقية.
حاليا، أعمل مع تعاونية في سكيكدة ونستعد أيضا للتعاون مع تعاونية أخرى في قسنطينة، بهدف دعم وتطوير نظام التكوين لديها، بما يساهم في تأهيل جيل جديد من المربين بشكل أكثر تنظيما وفعالية.
كيف تنظر إلى واقع تربية النحل في الجزائر مقارنة بهولندا وأروبا؟
نحل الجزائر ينتج أنواعا متعددة من العسل
يتمثل الفرق بين الجزائر وهولندا، بل وأوروبا بشكل عام في مجال تربية النحل في أن الجزائر تتميز بتنوع مناخي كبير ما يتيح لمربي النحل إمكانية التنقل بين المناطق خلال الموسم وهي العملية المعروفة بترحيل خلايا النحل.
هذا التنوع يسمح بإنتاج أنواع متعددة من العسل وجني المحصول أكثر من مرة في السنة في المقابل، في بلدي، يكون ترحيل الخلايا أقل شيوعا لأنه أكثر صعوبة من الناحية العملية، كما أن الكثير من الناس يمارسون تربية النحل كهواية أكثر منها نشاطا احترافيا.
أما في دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فألاحظ وجود مستوى عال من الخبرة والتنظيم حيث يتم التركيز بشكل أكبر على الإنتاج الاحترافي والصناعي للعسل مع وجود هياكل ومنظمات كبيرة، واعتماد أوسع على الأتمتة خاصة في عمليات الجني.
وبطبيعة الحال، يظل هذا مجرد انطباع أولي مبني على ما اطلعت عليه حتى الآن، خاصة وأن زيارتي للجزائر ما تزال محدودة ولم أكتشف سوى جزء بسيط منها.
ما أبرز نقاط القوة التي لاحظتها في البيئة الجزائرية؟
أنا معجب فعلا بمستوى الاحترافية والمعرفة العميقة لدى الجيل الأكبر من مربي النحل إنهم ممارسون حقيقيون يمتلكون خبرة متراكمة، ويمكنهم نقل الكثير من المعارف.
هناك مستوى عال جدا في بلدكم ويمكن البناء عليه لتنظيم نظام تعليمي فعال يسهم في تكوين أجيال جديدة تواصل هذه المهنة، كما أن تربية النحل بشكل احترافي تعد مسألة بالغة الأهمية نظرا لدورها الأساسي في تلقيح مختلف المحاصيل الزراعية وهو ما يجعل وجود مربي النحل ضرورة حيوية للقطاع الفلاحي.
ما أهم النقائص أو التحديات التقنية التي ترى ضرورة تطويرها؟
يجب وضع آليات فعالة لنقل المعرفة والخبرة إلى الجيل القادم
أعتقد أن التحدي الأساسي لا يتعلق بالإمكانات أو بالنحل في حد ذاته، فأنتم في وضع جيد من هذه الناحية، بل يكمن في تنظيم عملية التعليم داخل التعاونيات، بما يساعد مربي النحل على إدارة نشاطهم بشكل أفضل.
الأهم هو وضع آليات فعالة لنقل المعرفة والخبرة إلى الجيل القادم لأن استمرارية هذا المجال تعتمد أساسا على ذلك.
هل يمكن أن تحدثنا عن أخطر الأمراض التي تهدد النحل عالميا في الوقت الراهن؟
طفيلي الفاروا من أخطر التهديدات لخلايا النحل
هناك عدة مخاطر لكن أبرزها طفيلي صغير يعرف بـ"الفاروا"، وهو من أخطر التهديدات لخلايا النحل هذا الطفيلي يضعف النحل ويتلف الخلايا، كما ينقل فيروسات وأمراضا مختلفة.
يمكن التحكم فيه إذا تم التعامل معه مبكرا لكن في حال إهماله قد يؤدي إلى انهيار الخلايا بعد فترة.
المشكلة الثانية تتمثل في استعمال المبيدات الزراعية فرغم أهميتها في حماية المحاصيل إلا أنها تضر بالنحل بشكل مباشر وغير مباشر، خاصة عندما تنتقل عبر المياه أو الأمطار إلى مصادر شرب النحل، مما يسبب آثارا فورية وأخرى طويلة المدى داخل الخلية.
ما تقييمك لجودة العسل الجزائري مقارنة بالعسل الهولندي؟
الجزائر لها تنوع كبير في النكهات
لقد تذوقت عدة أنواع من العسل في الجزائر سواء أحادي المصدر أو متعدد الأزهار ولاحظت أن لديكم تنوعا كبيرا في النكهات، بفضل التنوع البيئي والمناخي. هذا يمنح العسل الجزائري ميزة واضحة لأي شخص يبحث عن مذاق مميز.
في المقابل، في هولندا، التنوع أقل إذ يقتصر الإنتاج غالبا على نوعين أو ثلاثة من العسل أحادي المصدر إضافة إلى عسل متعدد الأزهار يجمع مرة واحدة في السنة.
حسب رأيك وبعد تذوق العسل المحلي هل يمكن لهذا الأخير أن يكون منافسا في الأسواق الدولية؟
العسل الجزائري بدأ فعلا في المنافسة الدولية
نعم، يمكن للعسل الجزائري أن ينافس في الأسواق الدولية وأعتقد أنه بدأ يفعل ذلك بالفعل.
يمكن في البداية التركيز على السوق المحلية ثم التوسع نحو الدول المجاورة، والدول العربية وصولا إلى أوروبا وأمريكا لكن لكل سوق متطلبات خاصة، لذلك من الضروري تحديد السوق المستهدفة والتكيف معها.
هناك أيضا سوق متخصصة في العسل العضوي، والتي تتطلب شروطا صارمة مثل الابتعاد عن المناطق التي تستخدم فيها المبيدات، وعدم استعمال مواد كيميائية داخل الخلايا.
في المقابل هناك سوق أخرى تعتمد على الإنتاج بكميات كبيرة للتصدير بالجملة، لكنها تقدم أسعارا أقل مقارنة بالعسل العضوي.
لذلك، من المهم اختيار إستراتيجية واضحة، وتحديد الهدف بدقة، والعمل وفق متطلبات السوق المختارة، خاصة وأن فرص تطوير هذا المجال كبيرة وواعدة.
ما الذي يمكن أن تفعله التقنيات الحديثة في تطوير تربية النحل ؟
هناك عدة جوانب مختلفة يجب أخذها بعين الاعتبار في هذا الموضوع أولا، يتعلق الأمر بمجال التحليل والفحص حيث يمكن باستخدام تقنيات حديثة ومتطورة جدا تحديد نوع الأزهار التي تم جمع الرحيق منها، وكذلك تحديد المنطقة الجغرافية التي ينتمي إليها العسل بل وحتى معرفة أي جزء من العالم أنتج فيه.
كما تمكن هذه التقنيات من كشف حالات الغش، مثل الادعاء بأن العسل جزائري في حين يتم خلطه بأنواع أخرى مستوردة أو منخفضة الجودة. هذا النوع من الخلط يمكن اكتشافه بسهولة بفضل التكنولوجيا المتقدمة في التحليل.
أما الجانب الثاني، فيتعلق بتكنولوجيا الإنتاج بما في ذلك الاستخراج، المعالجة، والتعبئة في هذا المجال حيث يمكن الاختيار بين طرق تقليدية بسيطة، أو الاعتماد على مصانع حديثة مؤتمتة بالكامل، مع وجود درجات مختلفة من التحديث بين هذين الخيارين.
في النهاية فإن علم إنتاج العسل يترك لمربي النحل حرية تحديد مستوى الأتمتة الذي يرغب في اعتماده وفقا لإمكاناته وأهدافه الإنتاجية. ل.د

مواجهة الحرائق الناجمة عن تغيرات المناخ
المجتمع المحلي والتكنولوجيا ركيزتان لحماية الغابات
في ظل تزايد حرائق الغابات وتفاقم آثار التغيرات المناخية، يبرز سؤال الوقاية كخيار حاسم يتجاوز منطق التدخل الآني نحو حماية استباقية للثروة الغابية. وفي هذا السياق، يسلط خالد فضيل، أستاذ باحث بجامعة قسنطينة، ورئيس مؤسس لجمعية "أكسيجون درقينة" الضوء على دور المجتمع المحلي، والعامل البشري، والتكنولوجيا الحديثة، باعتبارها ركائز أساسية لبناء منظومة فعالة للحد من حرائق الغابات وتقليص خسائرها البيئية والاقتصادية.

رضا حلاس
الفلاح خط الدفاع الأول 
شدد الأستاذ خالد فضيل، رئيس جمعية "أكسيجون" في حديثه "للنصر"، على الدور المحوري الذي يلعبه سكان القرى والفلاحون في الوقاية من حرائق الغابات، باعتبارهم أول من يواجه الخطر قبل وصول فرق التدخل، مؤكدا أن التجارب الميدانية أثبتت أهمية إشراكهم وتكوينهم ضمن منظومة الحماية.
وقال في هذا السياق، إن الدراسات العلمية وتقارير خبراء المناخ تشير إلى أن حوض البحر الأبيض المتوسط يعد من أكثر المناطق هشاشة أمام تغير المناخ عالميا، هذا الإقليم يتعرض لأحوال جوية أقسى مثل موجات حر أطول وأكثر حرارة، وجفاف متزايد وانخفاض في هطول الأمطار ما يزيد من قابلية الاشتعال في الغابات والنظم البيئية مقارنة بالماضي.
وأضاف فضيل، أنه وبحسب تقييم خبراء شبكةMedECCوتقرير التقييم المناخي، تعد المنطقة مهددة بارتفاع درجات الحرارة فوق المعدل العالمي، وانخفاض موارد المياه، وزيادة مخاطر الكوارث الطبيعية مثل الحرائق والجفاف والفيضانات المفاجئة.
وحسبه، فإن هذا يعني أن ما نشهده اليوم من تكرار وشدة أكبر للحرائق في شرق الجزائر لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للتغيرات المناخية التي تؤثر على المنطقة بأكملها. وهو ما يجعل الوقاية والاستعداد مجالات ذات أولوية قصوى.
ويشير رئيس جمعية "أكسيجون"، أن المعطيات الميدانية تؤكد أن العوامل البشرية تتحمل المسؤولية الأكبر في اندلاع حرائق الغابات، إذ تقدر نسبتها بأكثر من 85 إلى 90 ٪ من مجموع الحرائق في بلدان حوض المتوسط، ومنها الجزائر.
وأضاف المتحدث، أن من بين الأسباب المتزايدة في السنوات الأخيرة السياحة العشوائية في الجبال والغابات، أين يتم إشعال النار للطهي أو التخييم دون احترام شروط السلامة، إضافة إلى انتشار المفارغ العشوائية والعمومية التابعة لبعض البلديات داخل أو بمحاذاة الغابات، هذه المفارغ تحتوي حسبه على مواد سريعة الاشتعال، وتتحول كل صيف إلى بؤر خطيرة تتسبب في حرائق مهولة ومتكررة.
أما العوامل الطبيعية مثل الصواعق، فتبقى محدودة التأثير، لكنها تصبح أكثر خطورة في ظل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يضاعف سرعة انتشار النيران عند اندلاعها.
الوقاية الاستباقية والتقنية مقاربة عملية للحد من الحرائق
وفي حديثه عن الوقاية الحقيقية من هذه الحرائق، أكد فضيل أنها تبدأ بالإجراءات البسيطة إذا تم تطبيقها بصرامة، وهو ما تعمل عليه ميدانيا جمعية "أكسيجون درقينة" من خلال التحسيس وتنظيم استعمال الغابات خاصة خلال فترات الخطر المرتفع، والتدخل المباشر في الغابات عبر تنظيف الأعشاب الجافة ومخلفات الأشجار وفتح مسالك عازلة للحد من انتشار النار، إضافة إلى مراقبة المفارغ العشوائية ونقلها بعيدا عن المناطق الغابية.
كما أوضح المتحدث، أنه يجب العمل أيضا على ترسيخ المقاربة الاستباقية عبر الدعوة إلى تفعيل نشرات التحذير والإنذار المبكر وربطها بسلوك المواطن والسلطات المحلية، لأن الاستجابة المبكرة تقلل بشكل كبير احتمال اندلاع الحرائق أو توسعها.
ومن الجانب التقني، أصبح من الضروري حسبه، الاعتماد على المراقبة بالأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار (الدرون) لرصد النقاط الساخنة والتحركات الخطرة داخل الغابات، خصوصا مع دخول القمر الصناعي الجزائري Alsat-3 الخدمة، الذي يوفر معطيات دقيقة تسمح بالتدخل السريع واتخاذ القرار في الوقت المناسب، بالإضافة إلى دمج هذه الإجراءات الميدانية، التحسيسية، والاستباقية مع التقنيات الحديثة يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا في تقليص حرائق الغابات وحماية النظم البيئية.
كما أكد فضيل، ومن خلال التجربة في جمعية "أكسيجون" درقينة، أن الاستثمار في الوقاية الاستباقية ليس خيارا بل ضرورة، لأنه يقلل بشكل كبير من مساحة الحرائق وخسائر الغابات والممتلكات، ويخفف الضغط على فرق الإطفاء عند حدوث أي حريق.
كما أوضح، أن سلوك المواطن مهم، لكن الوقاية الحقيقية تعتمد على تكوين دائم وتوعية مستمرة لكل الفاعلين على الأرض، من الإداريين إلى فرق التدخل والمتطوعين.
ويجب العمل على تعزيز قدرات هؤلاء الفاعلين عبر تدريب ميداني وورشات تحسيسية، ودورات تقنية تركز على مراقبة الغابات، إدارة المخاطر، واستعمال التقنيات الحديثة مثل الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار.
يشير خالد فضيل رئيس جمعية "أكسيجون"، إلى أن معظم الجهود الحالية في الجزائر تميل أكثر إلى التدخل بعد اندلاع الحرائق، بدل الاستثمار الكافي في الوقاية المسبقة، والسبب يعود إلى أن التدخل بعد الحريق يبدو عاجلا وملموسا للجميع، بينما الوقاية تتطلب استثمارا طويل الأمد في التحسيس، تنظيف الغابات، مراقبة المفارغ العشوائية، وتنظيم السياحة بالإضافة إلى اعتماد التقنيات الحديثة مثل الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار.
ويؤكد المتحدث، أن الهدف هو مقاربة قطاعية متكاملة ومدمجة تجمع بين المواطن، الجمعيات، السلطات المحلية، وفرق الإطفاء، بحيث يصبح كل طرف يعرف دوره بدقة ويعمل بشكل منسق، ما يجعل الوقاية أكثر فعالية ويقلل الاعتماد على التدخل بعد اندلاع الحرائق.
وفي السياق ذاته، يبرز فضيل أن سكان القرى والفلاحون هم خط الدفاع الأول قبل وصول فرق التدخل، خصوصا لأنهم الأكثر تعرضا لتلف المحاصيل والأراضي الزراعية أثناء الحرائق، إشراكهم يتطلب تكوينا وتوعية مستمرة حول التعرف على النقاط الساخنة، طرق الإبلاغ السريع، واتباع إجراءات السلامة عند اقتراب الحريق.
ويستحضر رئيس الجمعية، تجربة حرائق تيزي وزو سنة 2021، التي أظهرت بوضوح حسبه، أن التدخل المبكر للسكان والفلاحين المكونين والمدربين يمكن أن يقلل بشكل كبير من مساحة الأضرار ويحمي المحاصيل والغابات، قبل وصول فرق الإطفاء، وهذه التجربة تؤكد أن المجتمع المحلي والشركاء المدنيون جزء أساسي من الوقاية الميدانية الناجحة.
خسائر بيئية صامتة وجدوى الوقاية من منظور الجمعية
يشير رئيس جمعية "أكسيجون"، إلى أن حرائق الغابات تترك أضرارا بيئية طويلة المدى، إذ تدمر الغطاء النباتي وتفقد التربة خصوبتها ما يرفع من مخاطر التعرية والانجراف، كما تؤثر على التنوع البيولوجي، حيث تختفي أنواع نباتية وحيوانية محلية، وتضعف قدرة الغابات على امتصاص الكربون، ما يفاقم آثار تغير المناخ في المنطقة، ويؤكد فضيل، أن كل هذه التأثيرات تجعل الغابات أقل قدرة على التعافي إذا لم ترافق جهود إعادة التأهيل مع خطة بيئية شاملة ومستدامة.
وفي هذا الإطار، يوضح المتحدث، أن إعادة التشجير وحدها غير كافية إذا لم تدمج في خطة بيئية واستراتيجية مستدامة، لافتا أن الحملات المليونية التي تنظم في يوم واحد دون متابعة أو مراقبة غالبا ما تؤدي إلى تلف آلاف الشجيرات المغروسة، وهو خسارة مالية وبيئية كبيرة. ولذلك، يشدد على ضرورة اعتماد مخطط وطني للتشجير على مدار السنة، يراعي اختيار الأصناف المناسبة، توقيت الزراعة، العناية بالمشتلات، والوقاية من الحرائق، بدل الحملات العشوائية التي غالبا ما تكون فلكلورية أكثر منها مدروسة.
ويستند المتحدث في دعوته إلى المعطيات الدولية، مبرزا أنه وفق تقارير الأمم المتحدة لإدارة مخاطر الكوارث(UNDRR)، تشير الدراسات إلى أن كل 1 دولار يستثمر في الحد من مخاطر الكوارث (الوقاية) يمكن أن يوفر حتى 15 دولارا في تكاليف الخسائر والتعافي بعد الكارثة، وذلك من خلال تقليل الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تنجم عن الأحداث المتطرفة مثل الحرائق والفيضانات والزلازل. ويؤكد فضيل، أن هذه النسبة تعكس الفائدة الاقتصادية الكبيرة للاستثمار في الوقاية مقارنة بالتكلفة العالية للإصلاح والتعافي بعد وقوع الكارثة، مما يجعل الوقاية خيارا استراتيجيا اقتصاديا وبيئيا وليس مجرد إنفاق تكميلي.