الخميس 16 أبريل 2026
Accueil Top Pub

بسبب موجة الأحذية الرياضية والخفيفة: الإسكـافي.. حرفــة في طريـــق الـزوال

تراجعت حرفة الإسكافي بشكل ملحوظ بقسنطينة، وتقلّص عدد ممارسوها وباتوا يعدون على الأصابع مقابل عزوف شباب عن تعلمها، حيث ظلت بعض المحلات صامدة في وجه التغيرات وتزايد الاعتماد على الأحذية الرياضية المصنوعة بمواد، وصفها إسكافيون بالرديئة ويصعب إصلاحها.

لم تكن حرفة الإسكافي في قسنطينة مجرد مهنة بسيطة، بل كانت علامة من علامات ازدهار الحرف التقليدية ومن بين الحرف الرائدة التي تميز النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة، إذ لم يكن يخلو حي من محل أو طاولة إسكافي، خصوصا في الفضاءات العريقة مثل رحبة الصوف، وسيدي بوعنابة، وباب القنطرة، أين صنع حرفيون مهرة أسماءهم بفضل إتقانهم ودقة عملهم، حيث لا يزال صدى مهاراتهم يتردد في ذاكرة سكان المدينة.
منتوجات الماضي تصلّح وتورث

ويرجع حرفيون سر ازدهار نشاطهم آنداك إلى جودة المنتجات الجلدية في الماضي، من أحذية وحقائب وملابس، والتي كانت تصنع من أجود أنواع الجلود وتتميز بالمتانة، ما يجعل إصلاحها خيارا أوليا بدل التخلص منها بل وتوريثها أحيانا عبر الأجيال.
أما اليوم فقد تغيرت المعادلة، حسب من تحدثنا إليهم، إذ طغت المنتجات الحديثة المصنوعة من مواد صناعية يصعب خياطتها أو إصلاحها، وغالبا ما يكون ثمن تصليحها قريبا من سعرها الأصلي ما يدفع المستهلك إلى استبدالها بدل إصلاحها.
ضعف العائد المادي سبب التخلي عن الحرفة
ورغم هذه التحولات، لم تغب تماما روح الحرفة حيث ساهم بعض الحرفيين في إدخال تقنيات جديدة في الخياطة والتصليح، ما ساعد على تطوير الممارسة وتسهيلها نسبيا. رغم دخول الآلات الحديثة، التي تختصر الوقت والجهد، فالكثير من الحرفيين التقليديين هجروا المهنة خاصة مع ضعف العائد المادي، إذ لا يتجاوز سعر إصلاح حذاء في بعض الحالات 200 دينار، مقابل ساعات طويلة من العمل اليدوي الشاق، ورغم هذا تمسك عدد من الحرفيين بهذه المهنة، بحسب ما لحظناه خلال جولة ميدانية بوسط المدينة، وبالضبط بمحلات اسكافيين، والذين أكدوا أنهم يمارسونها بدافع الحفاظ على حرفة تقليدية توارثوها عن الأجداد وكجزء من الهوية والذاكرة الاجتماعية، إلى جانب كونها نشاطا يوميا يضمن لهم الحد الأدنى من الدخل، في انتظار إلتفاتة حقيقية لإعادة الاعتبار لهذا النشاط الحرفي.
نصر الدين من القلائل المتمسكين بالحرفة

إلتقت النصر بالحرفي نصر الدين بن مبارك، الذي وجهنا إليه الساكنة بحكم أنه من القلائل الذين ما يزالون متمسكين بهذه المهنة، رغم تراجعها في السنوات الأخيرة والذي يقع نشاطه بحي الرصيف، وتحديدا بزنقة «دروج البزار»، و يزاول نشاطه على طاولة منذ نحو 15 سنة، حيث أوضح أنه دخل عالم الحرفة في سن مبكرة، مؤكدا أن مهنة الإسكافي باتت اليوم مهددة بالزوال في ظل غياب من يتعلمها من الشباب، إلى جانب نقص المواد الأولية.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الحرفة كانت في السابق مزدهرة وتستقطب عددا كبيرا من الشباب، لجودة الأحذية التي كانت تصنع من مواد قابلة للإصلاح والخياطة ما كان يشجع الزبائن على تصليحها بدل استبدالها، مضيفا أن الوضع تغير حاليا، حيث أصبحت أغلب الأحذية غير قابلة للتصليح، بسبب رداءة المواد المستعملة وتقص اللوازم الأساسية مثل المادة اللاصقة، المسامير، الخيوط المناسبة، إضافة إلى نقص أفرشة الأحذية في السوق.
وأوضح بن مبارك، أن عزوف الشباب عن هذه الحرفة يعود إلى عاملين أساسيين، يتمثل الأول في غياب التكوين وعدم وجود من يلقن أصول المهنة، فيما يرتبط الثاني بضعف المردود المالي مشيرا إلى أن توفر آلات حديثة لدى أصحاب محلات بيع الأحذية جعل الزبائن يفضلون التوجه إليها لإصلاح أحذيتهم في وقت أقل.
كما لفت إلى أن حتى الأحذية المستوردة، خاصة ذات الجودة الرديئة، تتطلب أحيانا يوما كاملا لإصلاحها، وعند مطالبة الزبون بمستحقات العمل يقول إن السعر مرتفع مقارنة بثمن الحذاء ما يدفعه إلى التراجع عن الإصلاح والتوجه نحو شراء منتج جديد بدل ذلك.
وبين المتحدث أن هناك نوعين من الإسكافيين، التقليدي والعصري، حيث يعتمد الأول على العمل اليدوي، في حين يستعين الثاني بآلات حديثة على غرار الضاغط و شريط التشطيب وآلات الخياطة وقوالب توسيع الأحذية، ما يسمح بتسريع وتيرة العمل. وأكد أن منطقة الرصيف كانت تشتهر منذ القرن الثامن بنشاط إسكافيين، حيث كانت تنتشر طاولاتهم ومحلاتهم، غير أن معظمها أغلق ولم يتبق سوى عدد قليل من الحرفيين المتمسكين بالمهنة، مشيرا إلى أن استمراره في ممارستها لا يرتبط بالعائد المادي، بقدر ما هو نابع من تعلقه بها وحرصه على الحفاظ على حرفة تقليدية توارثها عن الأجيال السابقة رغم التحديات التي تواجهها في الوقت الراهن.
* الحرفي عبد الله خرابة
الأحذية الكلاسيكية كانت المورد الرئيسي للإسكافيين

من جهته أوضح الحرفي عبد الله خرابة، الذي ينشط في المجال منذ سنة 2001 بحي باب القنطرة بمدينة قسنطينة، قائلا إنه إلتحق بهذه الحرفة صدفة، بعد احتكاكه بعدد من الحرفيين بوسط المدينة قبل أن يتعلق بها ويواصل العمل فيها لسنوات، معتبرا إياها مهنة حلال رغم الصعوبات التي تحيط بها.
وأكد المتحدث أن حرفة الإسكافي لم تعد كما كانت عليه في السابق، حيث تعرف اليوم تراجعا كبيرا يهددها بالاندثار، خاصة بعد تقلص عدد الحرفيين وغلق العديد من المحلات التي كانت تنشط في هذا المجال. وأرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها تغير أنماط الاستهلاك مشيرا إلى أن انتشار الأحذية الرياضية أثر بشكل مباشر على هذا النشاط في ظل تراجع الإقبال على الأحذية الكلاسيكية التي كانت تشكل المورد الرئيسي للإسكافيين.
وأضاف أن الأحذية الكلاسيكية أصبحت ترتدى في مناسبات محدودة فقط، وهو ما يجعلها تدوم لفترة أطول عكس الأحذية الرياضية التي تتعرض للتلف بسرعة، غير أن طبيعة المواد المصنوعة منها تجعل إصلاحها صعبا ما يدفع أصحابها إلى التخلص منها بدل استصلاحها.
وفي سياق متصل، أعرب خرابة عن طموحه في فتح ورشات لتعليم حرفة الإسكافي لفئة الشباب معتبرا أن نقل الخبرة والمعرفة يبقى السبيل الوحيد للحفاظ على هذه المهنة من الزوال خاصة في ظل غياب التكوين والتأطير في هذا المجال.
* الحرفي أحمد رضا فريوة
نقص المواد الأولية أثر على النشاط

من جهة أخرى أفاد الحرفي أحمد رضا فريوة الذي يمارس المهنة منذ تسعينيات القرن الماضي بحي الرصيف، أنه بدأ نشاطه على مستوى طاولة قبل أن يتمكن لاحقا من فتح محل خاص به، مؤكدا أن الحرفة شهدت تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث طبيعة العمل أو نوعية المواد المستعملة. وأوضح فريوة أن نشاط الإسكافي كان في السابق يقتصر أساسا على إصلاح الأحذية الجلدية التي كانت تتميز بالجودة وقابلية الصيانة، في حين أصبح اليوم يشمل مواد متعددة، غالبا ما يعاد تدويرها أو ذات نوعية رديئة، ما يصعب عملية إصلاحها ويقلل من فعاليتها.
وأشار المتحدث إلى أن بعض الأحذية خاصة تلك الموجهة لمناسبات مثل عيد الفطر، تتعرض للتلف بعد أيام قليلة من استعمالها، بسبب اعتماد مواد هشة في تصنيعها، تصل في بعض الحالات إلى الكرتون وهو ما يعقد مهمة الإسكافي ويقلل من جدوى الإصلاح. كما استحضر فريوة فترة ازدهار الحرفة، عندما كان الإسكافيون يصنعون أحذية نسوية تقليدية مزينة بـاللويز والجوهر، مؤكدا أنه تعلم أصول المهنة على يد حرفيين قدامى كانوا يتميزون بالدقة والإتقان. وأضاف أن العديد منهم، خاصة الذين كانوا ينشطون على مستوى الطاولات، اضطروا إلى توقيف نشاطهم سواء بسبب ضعف المردود المالي أو نقص المواد الأولية، ما ساهم في تراجع هذا النشاط الحرفي بشكل ملحوظ.
لينة دلول

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com