
قدّم مختصون في علم النفس، نصائح وتوجيهات تساعد الأولياء على استثمار العطلة الربيعية في تخليص الطفل من الضغط الدراسي واسترجاع التوازن النفسي والانفعالي بما يسمح بتجديد طاقته والدخول لاحقا إلى الفصل المقبل بحماس، ونصحوا بتقييم نتائج الفصلين السابقين لكشف مواطن الخلل، لكن وفق شروط.
تعد عطلة الربيع المدرسية حسب ما أكده أخصائيون نفسانيون للنصر، فترة حساسة من الناحية النفسية خاصة بالنسبة للتلاميذ الذين لم يحققوا المعدلات المرجوة ما يستدعي، حسبهم، مرافقة واعية من الأولياء لتجنب تحويل العطلة إلى مصدر إضافي للضغط، ويرون أن حسن استثمار هذه الفترة من خلال التوازن بين الترفيه والمراجعة، كفيل بمساعدة الطفل على استعادة ثقته بنفسه ومعالجة نقاط ضعفه والتهيؤ للعودة إلى الدراسة في الفصل الثالث بروح إيجابية.
* الأخصائية النفسانية وفاء معوش
يجب الموازنة بين الترفيه واستعادة النشاط الذهني
أكدت الأخصائية النفسانية وفاء معوش، أن العطلة المدرسية لا ينبغي اختزالها في كونها فترة فراغ زمني يملؤه الطفل كيفما اتفق ولا هي امتداد مباشر لنسق الدراسة الصارم، بل تمثل في جوهرها توازنا ذكيا بين الترفيه والراحة النفسية من جهة، واستعادة النشاط الذهني والاستعداد للتعلم من جهة أخرى.
فالعطلة، حسب قولها هي مساحة ضرورية لالتقاط الأنفاس بعد فترة من الضغط الدراسي واسترجاع التوازن النفسي والانفعالي بما يسمح للطفل بتجديد طاقته والدخول لاحقا إلى الفصل الدراسي المقبل بحماس ودافعية أكبر.
وترى المتحدثة، أن تحقيق هذا التوازن يتطلب وعيا من الأولياء بأهمية عدم تغليب جانب على آخر لأن الإفراط في الترفيه قد يؤدي إلى التراخي وفقدان الانضباط في حين أن الضغط المفرط على الطفل للمراجعة قد يحول العطلة إلى مصدر توتر وقلق، ويفقدها وظيفتها الأساسية كفترة راحة.
لذلك فإن المقاربة المثلى تقوم على دمج التعلم بشكل مرن وغير مباشر، بعيدا عن الضغوط بما يحافظ على متعة العطلة ويضمن في الوقت نفسه استمرارية التحصيل.
كما تعتبر الأخصائية أن العطلة تمثل فرصة ثمينة لمعالجة جوانب القصور التي ظهرت خلال الفصل الثاني، من خلال تشخيص الصعوبات الدراسية التي واجهها الطفل سواء كانت مرتبطة بمادة معينة أو بطريقة التعلم أو حتى بعوامل نفسية كفقدان الثقة بالنفس أو القلق من الفشل.
تدارك التأخر يتم بأساليب ذكية
ومن هذا المنطلق، يمكن استثمار هذه الفترة في تدارك التأخر بأساليب ذكية، تعتمد على التدرج والتبسيط دون إثقال كاهل الطفل أو إشعاره بالعجز، مشددة في هذا السياق، على أن حسن استثمار العطلة يرتكز أساسا على التنظيم والتخطيط المسبق وذلك عبر إشراك الطفل نفسه في وضع برنامجه اليومي أو الأسبوعي بما يعزز لديه الإحساس بالمسؤولية والاستقلالية.
ويتجسد هذا التنظيم في عدة خطوات عملية، حسب المتحدثة، من بينها التخطيط المشترك مع الطفل لتحديد الأهداف والأنشطة التي يرغب في القيام بها خلال العطلة، إعداد جدول زمني مرن يوازن بين أوقات الترفيه، كاللعب والخروج والأنشطة العائلية وأوقات التعلم الخفيفة مع تخصيص فترات قصيرة ومركزة لمراجعة المواد التي سجل فيها الطفل ضعفا، واعتماد طرق تعلم بديلة وأكثر جاذبية، مثل الألعاب التعليمية أو الوسائط الرقمية، بدل الاقتصار على الكتاب المدرسي. وأضافت معوش، أن العطلة تشكل أيضا فرصة مهمة للتلاميذ المقبلين على اجتياز امتحانات مصيرية، مثل شهادة التعليم المتوسط أو البكالوريا، من أجل مراجعة مكتسباتهم السابقة بشكل تدريجي، ما يساعدهم على تفادي الضغط الكبير مع اقتراب الامتحانات النهائية ويمنحهم شعورا بالتحكم والثقة.
ولم تغفل الأخصائية الجانب النفسي والاجتماعي، حيث أكدت على أهمية تشجيع الأطفال على ممارسة الهوايات والأنشطة الرياضية لما لها من دور في تفريغ الطاقة السلبية وتعزيز التوازن النفسي إلى جانب تنظيم زيارات عائلية ورحلات ترفيهية تساهم في تقوية الروابط الاجتماعية وتوفير بيئة داعمة للطفل.
الإشادة بالإنجازات السابقة من أهم عوامل التحفيز
كما شددت على ضرورة اعتماد الحوار الفعال مع الطفل خلال هذه الفترة والاستماع إليه وفهم مشاعره، مع العمل على تعزيز ثقته بنفسه من خلال تذكيره بإنجازاته السابقة والتقدم الذي أحرزه، بدل التركيز فقط على نقاط ضعفه.
فالدعم النفسي الإيجابي بحسبها، يعد من أهم العوامل التي تساعد الطفل على تجاوز الإخفاقات واستعادة دافعتيه نحو النجاح. وأكدت المتحدثة، على أن نجاح استثمار العطلة لا يتحقق بالصدفة بل هو نتيجة تخطيط واع وتحديد أهداف واقعية مع الحفاظ على التوازن بين الانضباط والمتعة.
* الأخصائي النفساني كمال بن عميرة
استثمار العطلة لصالح الطفل يتم وفق آليات مدروسة
من جهته أكد الأخصائي النفساني كمال بن عميرة أن استثمار العطلة لصالح الطفل يتم وفق آليات مدروسة، تسمح بمعالجة نقاط الضعف وتحويلها لنقاط قوة، وتمكن من ضبط منهجية مراجعة محكمة تناسب مستوى الطفل، وتوازن بين فترات المراجعة والترفيه وتساعده في تنظيم وقته، بما يتماشى وخصوصية الفصل الثالث.
قال محدثنا إن قصر العطلة المدرسية لا يلغي أهميتها بل يجعل من الضروري استثمارها بوعي، خاصة من قبل الأولياء من خلال القيام بعملية تقييم موضوعية لأداء أبنائهم بعد نهاية الفصل الثاني. وأوضح أن هذه العملية لا تعني إصدار أحكام أو توجيه اللوم، بل تهدف أساسا إلى فهم ما إذا كانت النتائج الدراسية قد تأثرت وتحديد الأسباب الحقيقية وراء ذلك سواء كانت معرفية، منهجية، أو حتى نفسية، بما يسمح بالعمل على معالجة نقاط الضعف واستثمارها بشكل إيجابي. وأشار إلى أن وضع برنامج مراجعة بسيط ومرن خلال العطلة يمكن أن يكون له أثر نفسي إيجابي على الطفل شريطة ألا يتحول إلى عبء إضافي يفقده متعة الراحة. فالتنظيم، بحسبه عنصر أساسي في حياة الطفل حتى خلال العطل، لأنه يمنحه إحساسا بالاستقرار ويجنبه الوقوع في الفوضى أو الإفراط في الترفيه. غير أن هذا البرنامج يجب أن يكون متوازنا يراعي خصوصية المرحلة العمرية للطفل ويجمع بين فترات قصيرة للمراجعة وأخرى للراحة واللعب.
وشدد الأخصائي على أهمية المرافقة الأولياء للأطفال خلال هذه الفترة، خاصة بالنسبة للذين لم يحققوا نتائج مرضية في الفصل الثاني حيث يكونون أكثر عرضة للشعور بالإحباط أو فقدان الثقة بالنفس.
وهنا، يبرز دور الأسرة في التخفيف عنهم واحتوائهم بدل ممارسة أي شكل من أشكال الضغط أو التوبيخ، لأن العطلة يفترض أن تكون فترة دعم نفسي، لا امتدادًا للعقاب أو التوتر.
تقييم النتائج مهم لكن بشروط
وفي السياق ذاته، أوضح بن عميرة أن تقييم النتائج الدراسية لا يعد عنفا في حد ذاته بل هو خطوة ضرورية لكشف مواطن الخلل والعمل على تطويرها غير أن الخطأ يكمن في الطريقة التي يقدم بها هذا التقييم، إذ أن الأسلوب القائم على القسوة أوالإهانة قد تكون له آثار خطيرة على نفسية الطفل.
ولفت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدا مقلقا في بعض السلوكيات السلبية لدى الأطفال والمراهقين، مثل الاكتئاب، ومحاولات الهروب من المنزل، بل وحتى التفكير في الانتحار نتيجة الضغوط الدراسية المفرطة وردود الفعل العنيفة من بعض الأولياء تجاه النتائج المتدنية.كما حذر من مقارنة الأطفال ببعضهم البعض، سواء داخل الأسرة أو مع زملائهم لما لذلك من تأثير مباشر على تقديرهم لذواتهم فالمقارنة، حسب قوله، تولد شعورا بالنقص والإحباط خاصة خلال العطلة التي يفترض أن تكون فترة استعادة للتوازن النفسي لذلك، ينصح بالتركيز على تقدم الطفل الفردي مهما كان بسيطا بدل وضعه في منافسة غير صحية مع الآخرين.
هذه علامات معاناة الطفل من قلق دراسي خلال العطلة
وفيما يتعلق بالمؤشرات النفسية بيّن الأخصائي أن هناك مجموعة من العلامات التي قد تدل على معاناة الطفل من قلق دراسي خلال العطلة، من بينها القلق المفرط، الانفعال الزائد، التذمر المستمر، التشتت الذهني، الشرود، العزلة، واضطرابات النوم كالأرق. وأكد أن ظهور هذه الأعراض يستدعي انتباه الأولياء، ويفرض عليهم التعامل معها بجدية، مشددا على ضرورة فتح قنوات الحوار مع الأبناء، والاستماع إليهم دون إصدار أحكام مسبقة، لأن التواصل الفعال هو المفتاح لفهم مشكلاتهم الحقيقية ومساعدتهم على تجاوزها.
لينة دلول