الخميس 16 أبريل 2026
Accueil Top Pub

لاستقبال الربيع بقرى تيزي وزو: «أمقار نتثفسوث».. موعد يرتمي فيه الأهالي في أحضان الطبيعة

يحرص سكان قرى تيزي وزو على إحياء تقليد عريق يُعرف بـ“أمقار نتثفسوث”، وهو موعد سنوي بارز يخرج فيه الأهالي إلى أحضان الطبيعة لاستقبال موسم الخصب والخيرات في أجواء مفعمة بالفرح والتفاؤل، تعكس عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وتجسد في الوقت ذاته قيما اجتماعية متوارثة تقوم على التآخي والتكافل وصلة الرحم.

تتجدد الحياة في قرى منطقة القبائل، مع حلول فصل الربيع من كل سنة، حيث تشهد قرية «آث لحسن» بمرتفعات بلدية آث يني ، تنظيم احتفالات بهيجة بمناسبة قدوم الربيع، تتوافد خلالها العائلات منذ الساعات الأولى من الصباح نحو ساحة القرية والحقول والبساتين، هروبا من برودة الشتاء واستبشارا بموسم تتفتح فيه الأزهار وتخضر الأرض، ويحرصون على تحويل هذا اليوم إلى محطة للالتقاء الجماعي، بعيدا عن صخب الحياة اليومية، في مشهد يختزل بساطة العيش وعمق الانتماء.
وحرصت الجمعيات المحلية المشاركة على إضفاء بعد ثقافي واقتصادي على المناسبة، من خلال تنظيم معارض متنوعة للمنتجات التقليدية في ساحة القرية، تضمنت عرض التين المجفف والزيتون ومشتقاته، إضافة إلى الكسكسي التقليدي بمختلف أنواعه، والخبز المصنوع بطرق تقليدية، فضلا عن النباتات الطبية والعطرية التي تشتهر بها جبال القبائل، كما شملت عرض الأواني الفخارية والألبسة التقليدية وما إلى ذلك.
مائدة تقليدية بنكهة الربيع
وتتميز هذه المناسبة بخروج جماعي نحو الطبيعة، حيث تفترش العائلات المساحات الخضراء وتشرع في إعداد أطباق تقليدية تعكس ثراء الموروث الغذائي المحلي، ومن بين أبرز ما يتم تحضيره، أنواع مختلفة من الخبز التقليدي المعطر بالأعشاب الربيعية التي تنمو في الجبال، إلى جانب الفطائر والكسكسي بالخضر الموسمية، الذي يظل الطبق الأبرز في مثل هذه المناسبات، ويتم تناول هذه الأطعمة في الهواء الطلق، وسط أجواء طبيعية ساحرة تمتزج فيها أصوات العصافير بخرير المياه المتدفقة من الينابيع والوديان والأنهار.
تيجان أغصان الزيتون دلالة على الأمل والتجدد
ولا تتوقف مظاهر الاحتفال على الأكل والنزهة، بل تمتد لتشمل طقوسا رمزية تعكس ارتباط الإنسان بالأرض، حيث تحرص الفتيات الصغيرات على ارتداء الأزياء التقليدية القبائلية المزينة بالحلي الفضية، ويضعن على رؤوسهن تيجانا من أغصان الزيتون والأزهار البرية، في دلالة على الأمل والتجدد، كما ينخرط الأطفال في أجواء اللعب والمرح، حيث يجوبون البساتين لقطف الأزهار مرددين أهازيج تقليدية خاصة بفصل الربيع، تعبر عن الفرح بالحياة والنمو.
وتتحول المناسبة إلى فضاء مفتوح للتواصل بين الأجيال، حيث يحرص الكبار على اصطحاب الأطفال إلى القرى القديمة والمنازل التقليدية التي هُجرت مع مرور الزمن، لتعريفهم بتاريخ الأجداد وحكايات الماضي، في محاولة للحفاظ على الذاكرة الجماعية من الاندثار، كما تشمل الجولة التوقف عند الينابيع الطبيعية للشرب من مياهها، وهو طقس رمزي يعكس نقاء الطبيعة واستمرارية الحياة.
يعود الاحتفال بـ“أمقار نتثفسوث” إلى قرون مضت، حيث ارتبط بفصل الربيع الذي يُعد في التصور الشعبي أفضل فصول السنة، لما يحمله من اعتدال في الطقس وتنوع في الغطاء النباتي، وقد حافظت العائلات القبائلية على هذا التقليد رغم التحولات الاجتماعية، معتبرة إياه جزءا من هويتها الثقافية وتراثها اللامادي الذي لا يمكن التفريط فيه.
ويكتسي هذا الاحتفال أيضا بعدا تربويا، حيث يُشكل فرصة لتعريف الأطفال بمختلف أنواع النباتات والأعشاب التي تزخر بها الطبيعة في هذا الفصل، ما يعزز لديهم الوعي البيئي ويغرس فيهم حب الأرض، كما يُسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية، حيث تُطوى خلاله صفحات الخلاف وتُفتح أبواب المصالحة، في مشهد يعكس روح التضامن التي تميز المجتمع القبائلي.
اختلاف التواريخ ووحدة المعنى
وبحسب ما يؤكده سكان المنطقة، فإن موعد الاحتفال يختلف من قرية إلى أخرى، حيث تنطلق الفعاليات في بعض المناطق نهاية شهر مارس وتستمر لأيام، بينما يربطها آخرون بالتقويم الأمازيغي الذي يحددها في أواخر فيفري، في حين تُقام في مناطق أخرى خلال شهر أفريل، ورغم هذا الاختلاف، يبقى الجوهر واحدا، وهو الاحتفاء بالحياة وتجددها.
وعن هذا التقليد، تسترجع إحدى الجدات ذكرياتها مع «أمقار نتثفسوث»، مؤكدة أن هذا الموعد كان ولا يزال يحظى بمكانة خاصة لدى الجميع، صغارا وكبارا، وتوضح أن العائلات كانت تستيقظ باكرا للتوجه نحو الطبيعة في شكل قوافل، حيث يقضون يوما كاملا في أجواء من الفرح، يتقاسمون فيه الطعام واللحظات الجميلة، ما يعزز روابط المحبة بينهم.
وتضيف أن من أبرز ما يميز هذه المناسبة هو روح التآخي التي تسودها، حيث تتبادل العائلات الأطباق التقليدية فيما بينها، ويتذوق كل فرد ما أعده الآخر، في صورة تعكس الكرم والتضامن، كما يُعد اللقاء فرصة لتجديد صلة الرحم ولمّ شمل العائلات التي فرقتها ظروف الحياة، وهو ما يمنح الاحتفال بعدا إنسانيا عميقا.
كما يؤكد أحد أعضاء لجنة قرية «آث لحسن « ، أن «الاحتفال بأمقار نتفسوث يتجاوز كونه مناسبة احتفالية، ليصبح فرصة حقيقية للمصالحة ولمّ الشمل، حيث يحرص السكان على استغلال هذا اليوم لتعزيز روح التضامن»، وأضاف أن «هذه التقاليد تلعب دورا مهما في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها المجتمع.
الحفاظ على «أمقار نتثفسوث» مسؤولية جماعية
ورغم مظاهر الحداثة التي مست مختلف جوانب الحياة، لا تزال قرى تيزي وزو متمسكة بهذا التقليد العريق، معتبرة إياه جزءا لا يتجزأ من هويتها الثقافية وهويتها الاجتماعية، ويؤكد السكان أن الحفاظ على «أمقار نتثفسوث» هو مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الجميع، خاصة في ظل التحديات التي تواجه التراث اللامادي، ويُشددون على أهمية نقل هذا الاحتفال إلى الأجيال القادمة بكل تفاصيله وطقوسه الرمزية، لضمان استمرارية الارتباط بين الإنسان والطبيعة، والحفاظ على روح الفرح والانتماء التي يضفيها هذا التقليد على المجتمع.
ولا تقتصر أهمية هذا الاحتفال على أبعاده الثقافية والاجتماعية، بل تمتد لتشمل أيضا الجوانب الصحية والنفسية، مما يجعل من يوم «أمقار نتثفسوث» مناسبة متعددة الأبعاد، ويرى مختصون في علم النفس العيادي أن قضاء الوقت في المساحات الخضراء، والتفاعل المباشر مع الطبيعة، لا يساهم فقط في تعزيز الروابط مع الأرض والبيئة، بل يساعد أيضا على التخفيف من التوتر والقلق، ويعزز الشعور بالراحة النفسية والصفاء الذهني، فالاختلاط بالألوان الطبيعية للأزهار والأشجار، والاستماع إلى أصوات الطيور، والمشي بين البساتين، جميعها عناصر تمنح الفرد إحساسا بالطمأنينة وتجدد النشاط الذهني والجسدي.
من جهة أخرى، تُضفي الأجواء الجماعية التي تطبع هذا الاحتفال طابعا فريدا على التجربة، فالتفاعل مع أفراد المجتمع من مختلف الأعمار يخلق شعورا بالانتماء والدعم الاجتماعي غير المباشر، الذي ينعكس إيجابا على الحالة المعنوية للأفراد ويقوي روابط التعاون والتضامن بين الأجيال، كما أن مشاركة الأطفال في اللعب وقطف الأزهار وترديد الأهازيج التقليدية يعزز لديهم تقدير التراث الثقافي ويغرس قيم الانتماء والفخر بالهوية المحلية منذ الصغر.
وبهذا، يصبح الاحتفال أكثر من مجرد مناسبة للفرح أو التجمع، فهو تجربة متكاملة تربط الإنسان بطبيعته وبمجتمعه، وتعيد إليه إحساسه بالسلام الداخلي والحيوية النفسية، كما تُذكّره بأن الثقافة والتقاليد ليست مجرد موروثات جامدة، بل أدوات حية تُغذّي الروح وتدعم الصحة النفسية، في تناغم فريد بين التراث والرفاهية الإنسانية.
سامية إخليف

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com