
برزت في الآونة الأخيرة في ظل تزايد وتيرة التفاعل اليومي بين الأفراد عبر وسائل التواصل الاجتماعي سلوكيات لغوية واجتماعية مقلقة تتمثل في استخدام مصطلحات مرتبطة باضطرابات نفسية كألقاب تنابزية للسخرية والشتم، وهو ما حذر منه مختصون نفسانيون للنصر مؤكدين بأن هذه الممارسات التي قد تبدو للبعض مجرد مزاح عابر إلا أنها تحمل في طياتها أبعادا خطيرة تمس بكرامة الإنسان وصحته النفسية.
ويلاحظ أن هذه الظاهرة تتفاقم بشكل لافت في الفضاء الرقمي، حيث تنتشر التعليقات الساخرة والتشبيهات الجارحة بسرعة كبيرة في ظل غياب الرقابة أحيانا وسهولة الاختباء خلف الشاشات، ولعل من أبرز الأوصاف المتداولة التي وقفنا عليها هي نرجسي، متوحد، أو تريزوميا في سياقات هزلية أو تهكمية دون وعي بحقيقتها العلمية أو بتأثيرها العميق على الأفراد الذين يعانون فعليا من هذه الحالات. ويؤكد مختصون أن هذا النوع من التنابز لا يقتصر ضرره على لحظة التلقي، بل يمتد ليفاقم معاناة المرضى ويعزز لديهم الشعور بالعزلة والوصم الاجتماعي، كما أن هذا المناخ السلبي قد يمنع الكثيرين من طلب المساعدة أو التوجه للعلاج، خوفا من أن ينظر إليهم بنفس النظرة التهكمية التي يرونها في محيطهم.
ولا تقتصر بحسب مختصين خطورة هذه الظاهرة على المصابين فقط، بل تمتد لتشمل فئات أخرى خاصة المراهقين الذين قد تراودهم شكوك حول حالتهم النفسية في مرحلة حساسة من بناء الهوية.
* الأخصائية النفسانية وفاء معوش
من أخطر الظواهر الاجتماعية والنفسية
تؤكد الأخصائية النفسية وفاء معوش أن ظاهرة التنابز بالألقاب المرتبطة بالاضطرابات النفسية سواء في أوساط الأطفال أو المراهقين، تعد من أخطر الظواهر الاجتماعية والنفسية التي باتت تتسلل إلى الحياة اليومية، خاصة داخل الفضاءات المدرسية ومحيط الأقران لما تحمله من آثار عميقة على البناء النفسي للفرد في مراحل حساسة من نموه.
وأوضحت الأخصائية، أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في الكلمات المتداولة بل في ما تحمله من دلالات ومعان ترسخ صورا مشوهة عن الذات وعن المرض النفسي في آن واحد.
و تشير المتحدثة إلى أن أولى هذه الانعكاسات تتمثل في ترسيخ الوصم الاجتماعي بحيث يتحول المرض النفسي في ذهن الطفل إلى عيب أو نقطة ضعف تستدعي السخرية والإقصاء بدل أن يفهم كحالة صحية تحتاج إلى تفهم ورعاية.
فعندما ينادى طفل بلقب مرتبط باضطراب معين على سبيل المزاح أو الاستهزاء، فإن الرسالة الضمنية التي يتلقاها هو وباقي الأطفال هي أن هذه الاضطرابات أمر مخجل، وهو ما يعمق ثقافة الصمت والخوف من طلب المساعدة مستقبلا .
وتضيف الأخصائية أن من أخطر التداعيات كذلك تدمير الثقة بالنفس، إذ إن التكرار المستمر لنفس اللقب أو الوصف يجعل الطفل يستبطن هذه الصورة السلبية عن ذاته، ويبدأ تدريجيا في تصديقها خاصة في ظل غياب تصحيح من المحيط. ومع مرور الوقت، قد يشعر بأنه يعاني من «خلل» حقيقي لا يمكن إصلاحه ما يدفعه إلى الانسحاب من التفاعل الاجتماعي، وفقدان الرغبة في المشاركة أو التعبير عن ذاته، وهو ما يعيق نموه النفسي والاجتماعي.
وفي السياق ذاته، حذرت معوش من أن هذه السلوكيات تحول البيئة المدرسية من فضاء للتعلم والأمان إلى بيئة طاردة ومهددة.
فالطفل الذي يتعرض للتنابز أو التنمر قد يشعر بعدم الأمان، ويتجنب التحدث مع المعلم أو طلب الدعم خاصة إذا كان يعاني فعلا من صعوبات نفسية أو احتياجات خاصة، خوفا من تأكيد الصورة النمطية التي أُلصقت به وهذا ما يزيد من معاناته ويعمق عزلته.
كما تلفت إلى أن الاستمرار في هذا النمط من التفاعل بين الأطفال يؤدي إلى فقدان التعاطف وتنمية القسوة العاطفية، حيث يعتاد الطفل على السخرية من الآخر دون إدراك لخطورة ما يقوم به، ما يضعف لديه القيم الإنسانية الأساسية مثل الرحمة والتفهم.
وتؤكد أن هذه السلوكيات، إذا لم يتم التصدي لها مبكرا قد تتحول إلى أنماط شخصية دائمة في مرحلة الرشد.
أما في مرحلة المراهقة، التي تعد فترة حاسمة في تشكيل الهوية، فإن تداول المصطلحات النفسية بشكل عشوائي وخاطئ يزيد من حالة الارتباك الداخلي التي يعيشها المراهق.
وتوضح الأخصائية أن هذه المرحلة تتسم أصلا بتقلبات مزاجية وضغوط نفسية كالحزن والقلق والانفعال، وهي حالات طبيعية لكن عندما تفسر هذه المشاعر من خلال مصطلحات مرضية متداولة بشكل سطحي فقد يقتنع المراهق فعلا بأنه يعاني من اضطراب نفسي، ما يؤدي إلى تضليل هويته وتبني صورة مرضية عن ذاته.
وشددت معوش على ضرورة تدخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام لتصحيح هذه المفاهيم، من خلال نشر ثقافة نفسية سليمة قائمة على الوعي والاحترام وتعليم الأطفال كيفية التعبير عن مشاعرهم دون إيذاء الآخرين وتعزيز قيم التعاطف والتقبل.
* الأخصائية النفسانية نسيمة صحراوي
المتضرر الأكبر من هذا السلوك هم المرضى
وأكدت الأخصائية النفسانية نسيمة صحراوي، أن ظاهرة استعمال المصطلحات المرتبطة بالاضطرابات حولت مفاهيم طبية وعلمية دقيقة إلى أدوات للإهانة و السخرية، و أوضحت أن المتضرر الأكبر من هذا السلوك هم المرضى الذين يعانون فعليا من هذه الاضطرابات إذ يجدون أنفسهم موضع استهزاء بسبب حالات صحية لا دخل لهم فيها.
وأضافت صحراوي، أن هذه الظاهرة لا تعكس أي مستوى من الوعي، لا النفسي ولا الاجتماعي ولا العلمي بل تكشف عن جهل بطبيعة الأمراض النفسية وخطورة التعامل معها باستخفاف، في حين تستعمل هذه المصطلحات بشكل ساخر فإنها تدفع المرضى إلى الشعور بالخجل من حالتهم، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إخفائها أو إنكارها، بل ورفض التوجه للعلاج الأمر الذي قد تترتب عنه عواقب خطيرة تمس صحتهم النفسية.
وشددت المتحدثة على أن هذا التقليد اللغوي لدى بعض المتنمرين لا يدل إطلاقا على ثقافة أو معرفة، كما يعتقد البعض بل على العكس يعكس سطحية في الفهم وغيابا للإدراك بحجم الضرر الذي قد يكون كارثيا على المرضى الحقيقيين.
وسائل التواصل ساهمت في انتشار السلوك
كما أشارت صحراوي، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في انتشار هذه السلوكيات، باعتبارها فضاء غير مقنن في كثير من الأحيان ولا تحكمه ضوابط صارمة ما يجعل من الصعب التحكم في تداول هذه العبارات سواء في المنشورات أو التعليقات.
وهو ما يستدعي بحسبها ضرورة تكثيف حملات التوعية و التحسيس بخطورة الاستعمال العشوائي وغير المسؤول لهذه المصطلحات، وبيان تأثيرها السلبي على الأفراد.
وأبرزت الأخصائية أن مصطلحات مثل اضطراب طيف التوحد أو الاكتئاب، وحتى الكلمات الدارجة مثل مدبرس، ليست أوصافا للإهانة، بل تعبيرات عن حالات حقيقية تتطلب تفهما ووعيا. غير أن الجهل بطبيعتها إلى جانب الرغبة في السخرية أو التقليد، جعل البعض يستخدمها بشكل غير لائق ما يضاعف من معاناة المرضى وعائلاتهم خاصة أولياء أطفال التوحد الذين يواجهون أصلا تحديات كبيرة في التكفل بأبنائهم.
وأكدت أن هذا السلوك قد يؤدي إلى نتائج كارثية، لا تقتصر على رفض العلاج أو التكفل، بل قد تصل إلى رفض الشخص في حد ذاته، ما ينعكس سلبا على مسار التعافي ويؤدي إلى تأخر الشفاء أو الانتكاس. كما أن استعمال المصطلحات المرضية كوسيلة للتنمر يخلف آثارا نفسية عميقة من بينها التعب النفسي وانخفاض الثقة بالنفس، والشعور بالعار، وزيادة القلق والعزلة الاجتماعية، فضلا عن إحجام البعض عن طلب المساعدة خوفا من الأحكام المسبقة.
أما اجتماعيا، فيسهم هذا السلوك بحسبها في نشر الجهل وتشويه المعنى الحقيقي للأمراض النفسية ويعزز ثقافة التنمر وانعدام الاحترام، خاصة في الأوساط المدرسية كما يزيد من ترسيخ الخجل الاجتماعي تجاه المرض النفسي.
لينة دلول