
يُعرف الفنان كمال بن نعمون بفن الحرق على الخشب «البيروغرافي»، متفانيا في إنتاج أعمال فنية يدوية مميزة تكلمت فيها النار بتفاصيل نُقشت بدقة وروح فنية عالية أخرجها المبدع للعلن بعد سنوات قضاها في مجال الطب.
إلتقينا بالفنان خلال افتتاح معرضه بدار الثقافة مالك حداد، بقسنطينة، كانت التحف متنوعة الأشكال منها أواني للمطبخ ولوحات فنية لمناظر طبيعية، وأخرى نُقش عليها شخصيات من أفلام عالمية، فيما لاحظنا تكرر نقش صور للمرأة والرجل، وأكثر تحفة لفتت انتباهنا كانت في قعر صحن خشبي يظهر فيه وجهان لرجل وامرأة مشكلان من فروع شجرة، أما وسطهما تشكل من أغصان الشجرة المتينة لتجتمع جذورها وتربطهما بقلب.
وقد أكد الفنان كمال توقعاتنا حولها حيث قال للنصر إن هذه التحفة بالتحديد الأقرب إلى قلبه لتفانيه في إشباعها بالتفاصيل العميقة وكذا لأنها تعبر عن علاقة الرجل بالمرأة والمودة التي تربطهما وبالأخص قصته مع زوجته التي كانت حاضرة معه في المعرض.
طبيب بقبعة فنان
بعد رحلة بحث عن نشاط يسلي به نفسه بعد التقاعد من مهنة الطب، سهل التعلم لا يتطلب معدات كثيرة، وجد المبدع كمال بن نعمون ضالته في فن «البيروغرافي» وقد كان على دراية سابقة به لأنه منتشر في إيطاليا ليقرر التخصص فيه واقتناء آلة «البيروغراف»، يضيف أنه بدأ بأشياء بسيطة مطورا عمله كل مرة، وأكثر ما شده لهذا المجال أنه يشبه شخصيته، حيث أخبرنا أنه يملك روحا فضولية منذ صغره ويحب التعرف على ثقافات جديدة والمطالعة.وشاركنا سرا آخر أنه منذ دراسته في مرحلة الثانوية يملك خطا جميلا وحروفه رفيعة ودقيقة، فضلا عن حبه للاحترافية سواء في عيادته سابقا أو أثناء ممارسة فنه الآن، معبرا أنه يتفادى الخطأ ويحاول أن تكون نقوشه دقيقة إلى أبعد حد، وقد طبق كل هذا في لوحات فنية وأدوات أصبحت تنطق فنا بعد أن كانت صامتة مخصصة للطبخ فقط مثل المرقاق الخشبي، وهي أداة عجن الحلويات أو القطع الخشبية.
فن بسيط بتفاصيل دقيقة
حدثنا بن نعمون عن «البيروغرافي» قائلا إنه فن الحرق على الخشب باستخدام جهاز كهربائي يُسمى «البيروغراف» أطلعنا عليه، يختص في حرق الخشب ويعمل عبر قلم حراري يحتوي على 23 رأسا نحاسيا قابلا للتبديل وتساعد الآلة، حسبه، في الحصول على تفاصيل دقيقة.يضيف أن هذا النشاط قديم جدا ظهر مع وجود النار التي استخدمها الانسان في عصور ما قبل التاريخ في أمور كثيرة منها رسم الوشم، مردفا أنهم في العراق عثروا على ألواح قديمة جدا صُنعت بالحرق على الخشب، أما في إيطاليا فيختص فيه فنانون كبار. انعكست صفات فن «البيروغرافي» الذي يتطلب التركيز على شخصية المبدع، وعبر قائلا إنه أصبح أكثر هدوء، كما منحه أجنحة ليطير بها عبر عوالم متعددة نحو المناظر الطبيعة، إلى الأفلام العالمية في لوحة مقتبسة من شخصية «غاندالف» التي ظهرت في السلسلة العالمية «لورد أوف ذا رينغ»، وكذا «الفانتازيا» حيث اطلعنا على لوحة فارس يرتدي زي المحاربين ويحمل على كتفيه بندقية.
الأواني مساحة للتعبير عن الأفكار
ولإنجازها يخلو السيد كمال بنفسه ويرافق مخيلته ليجد أفكارا جديدة يسارع في تدوينها، أو يغذي بصره بصور يستلهم منها ثم يعيد نقشها على اللوح، أما عن الأواني الخشبية أخبرنا أنه بعد اقتنائها يحضرها جيدا ثم يتخذ منها مساحة للتعبير عن أفكاره، وقد تمكن من جمع حوالي 110 تحفة عرضها للزوار في بهو دار الثقافة مالك حداد وهي تجربته الأولى في هذا الجانب، وفقا لما أخبرنا به.لاحظنا أيضا أن أكثر ما تعبر عنه اللوحات هي علاقة الإنسان بنفسه وبالطبيعة، ولأن الفنان كمال بن نعمون من ذوي الاحتياجات الخاصة فإنه يتحرك من خلال فنه حيث وجدنا لوحات كثيرة تنطق بالحركة.حاولنا معه استنطاق إحداها التي وصفها بأنها كانت الأصعب والأقرب إليه في الوقت نفسه، وكانت عبارة عن وجهين لرجل وامرأة مشكلين من فروع شجرة يجمع بينهما قلب من أغصانها وجذورها المتينة وبالإضافة إلى تعبيرها عن العلاقة بين الرجل والمرأة الممثلة في شخصيتي «آدم وحواء» فهي أيضا ترمز لعلاقة الفنان بزوجته، مثلما عبر لنا، يقول إنها شكلت عمود حياته فلولاها لما استطاع الوصول إلى ما هو عليه اليوم، يضيف أنه يستعين بها في كل شيء كما يطلعها على كامل مراحل عمله على اللوحة إلى أن ينتهي وعلق «زوجتي مهمة جدا بالنسبة لي»، وفي سياق متصل ذكر أنه يترك للزوار أيضا ومحبي الفن مساحة للغوص في لوحاته واستنطاق رموزها.
أريد إنشاء ورشة لتعليم فن الـ «بيروغرافي»
ويفكر الفنان كمال بن نعمون في مستقبل آخر لفنه، فقد أخبرنا أنه ينوي إنشاء ورشة لتعليم فن «البيروغراف» للأطفال وقد اهتدى للفكرة من موقف حصل له مع أطفال جيرانه بعد أن اطلعوا على إحدى التحف عندما كان بصدد تنظيفها ليجتمعوا حوله ويتركوا العنان لفضولهم وإعجابهم بهذا الفن، وهو ما حفزه على اقتناء آلة أخرى لهم سهلة الاستعمال، ثم بدأ في تعليمهم تشكيل أشكال بسيطة وحروف على أمل أن يُوفق في جمعهم داخل ورشة إبداعية.
إ ك