PUBANNASR PUBANNASR
الأحد 21 أكتوبر 2018

الصحراء في الرواية الجزائرية البدايات النازفة و الانتباه المتأخر


الصحراء هذا الفضاء المُمتد بمفازاته وبأسراره، يرعبك بالامتداد الرهيب لرمله وكأنّه المالا نهاية، ثمّ يسلّمك لدهشة المكان، للواحة المستترة خلف عرق الرمال والكثبان الشامخة الجبّارة  بنخيلها الزاهي بسعفه الأخضر المثقل بعراجين التمور الشهيّة، يشدّ سمعك خرير الماء في السواقي، ويتحسّس أنفك رائحة الطين في التربة الخصبة النّدية، وكأنّك لم تعش لحظة الخوف من صمت الرمال والقفار. إنّها الصحراء التي أغرت الإنسان منذ البداية بفك شفراتها، فحاك حولها الأساطير وظلّت في مخياله المكان المسكون بالعجائب والغرائب، وبالجان والمخلوقات الغريبة.
الصحراء مهبط الأنبياء وملهمة الشعراء العرب في الجزيرة العربية، وهي التي تحدث عنها الفيلسوف الكبير نيتشه في كتابه «هكذا تكلّم زرادشت»، فقال: «ذلك زمان عشقت في الصحراء غادتي الشرق.. فهناك سماء غير هذه السّماء، لا تتلبد فيها الغيوم، ولا تعكر أديمها الأفكار... إنّ الصحراء تتسع وتمتد فويلٌ لمن يطمع إلى الاستيلاء عليها. يا للمهابة!! يا لبداية تليق بمهابة الصحراء، تليق بأسد أو بنذير يهيب بالناس إلى مكارم الأخلاق، إنّها لروعة، لم تسلط عليكما يا صديقتي عندما أتيح لي أنا ابن أوروبا أن أجلس عند أقدامكما تحت ظلال النخيل وأنادي.. حيّ على الصلاة. يا للعجب، أراني راكعا أمام الصحراء، ولكنّي عنها جد بعيد، لم تبتلعني الواحات الصغيرة، بل انفرجت أمامي، كأطيب الثغور نكهة، فارتميت فيها، وها أنا ذا عند أقدامكما يا صديقتي العزيزتين.. فحيّ على الصلاة. أنّني أمجد تلك اللوحة، فأنا قادم من أوروبا، أشد العرائس جحودا».
هذه هي الصحراء في نظر الفيلسوف الكبير نيتشه، إنّها  فضاء ممتدّ ملتف بالغموض والأسرار إلاّ أنّها كفيلة بمنح الإنسان الطمأنينة المنشودة، هي مرتبطة أيضا في نظره  بالجانب الروحي،  بالصلاة، بالركوع للقوة الخارقة التي أوجدت هذا الوجود أو على الأقل هي أنبل في نظره من قارّته الأمّ أوروبا، فكيف نظر الروائي الجزائري للصحراء التي تشكل نسبة كبيرة من مساحة الجزائر؟
للمُتابع للمشهد الأدبي أن يلاحظ بأنّ الانتباه إلى ثيمة الصحراء في الرواية الجزائرية جاء متأخرا، أو لنقل جاء بعد أن ظهرت أقلام من الجيل الجديد من أبناء الجنوب تسافر بكتاباتها خارج حدود الجغرافيا التي كثيرا ما تخنق ابن الجنوب وتجعله مكتويا بجمر الرمل أو تجعله نسيا منسيا.
ثمّ ماذا لو فكرنا في المقارنة بين الرواية التي كُتبت بأقلام أبنائها، وبين الرواية التي كتبها الزائر لهذه الفيلسوفة المدهشة الصحراء، أم أنّ الإبداع لا يتجزأ حين يتعلّق الأمر بثيمة مفتوحة على الأسئلة المُوغلة في الغموض، في الوجع كما في الجمال؟
في مقالي هذا لست بصدّد الإجابة عن هذه الأسئلة، بقدر ما أحاول أن أجمع بعض خيوط الجمال فيما نسجته بعض الأقلام الجزائرية عن الصحراء.
يعدّ الروائي الحبيب السايح من أهمّ الروائيين الجزائريين الذين تناولوا ثيمة الصحراء خاصة في روايته «تلك المحبة»، وهو لا ينأى كثيرا عن نظرة نيتشه للصحراء، هو أيضا يجد فيها الفضاء الخارق للعادة المكتنز لأسرار الوجود، يعدك بالخوارق، ويكبّلك بما هو غير مرئي وفوق قدرة الإنسان، فنجده في رواية «تلك المحبة» يقول في الصفحة رقم 13: «أحدّث عمّا يقرّ في السمع عن الغوابر والحوادث، ما كان الإنسان منها قد فعل، أو الجان قد صنع، فبين وطن هذا وذاك عرق من الرمل يمتدّ برزخا، كلّما هبّت الرّيح موطنة فالتقى بعض ذاك ببعض هذا وحدثت الخوارق، فكانت تلك المرأة، التي فُطرت على اجتماع الماء والنار والهواء، وكان ذلك الرجل الدرويش الّذي حارت في طبعه العقول يظهر بشرا سويا ويختفي ترابا رمليا في العرق».
أنظروا معي إلى هذه العجائب التي صاغها الحبيب السايح بأسلوبه الجميل عن الصحراء التي يوحي إليك العرق الممتد فيها رملا وعطشا أن لا يستوطنها إلا الخوارق من الجان أو إنسان انصهر مع هذا العالم الغيبي المجهول، وكلاهما، نيتشه والحبيب السايح كتب عن الصحراء من منطلق الزائر لها أو المقيم المؤقت أو من سمع عنها وعن خوارقها.
أمّا الروائي الكبير رشيد بوجدرة فتناول الصحراء في روايته «تميمون» على أنّها المكان الّذي يحقق لنا متعة السياحة، متعة أن يكون ملاذا نعبره ولا نستقرّ فيه، هي نظرة الكاتب الزائر للصحراء التي كانت في فترة دموية مرّت بها الجزائر ملاذا للعديد من الجزائريين الذين كانوا مهدّدين بالموت على يد آلة الإرهاب الأعمى، ليستكشف فيما بعد ما تتوفر عليه من جمال أخّاذ وأكثر من ذلك أنّها جزيرة سلام وهذا ما يقوله الروائي على لسان بطله: «ندمت للمرّة الأولى، أنّني عبرت على هامش حنانهن وأجسادهن... وأنا في الأربعين من عمري، أشعر أنّني عبرت على هامش الأصم، الأصم الآن، هو سارة. ما الّذي يجعل طياراً عسكرياً سابقاً، مدمناً على الكحول ومطروداً من الجيش، يقوم برحلة في الصحراء على متن باص قديم؟ ما الذي يجعل الصحراء، حيث تستقر واحة تميمون جزيرة للسلام وسط جزائر يهزها الإرهاب الأصولي، قادرة على أن توقظ حتى العشق لدى كائن ظلّ حتى الآن مرفوضاً».
الأديب عز الدين ميهوبي كانت نظرته للصحراء استشرافية من خلال روايته «اعترافات أسكرام» التي اختار لها فضاء مكانيا مدينة «تامنغاست» انطلاقا من فندق أسكرام الّذي يشيّده رجل أعمال ألماني تخليدا للراهب الفرنسي شارل دوفوكو ويقيم فيه حفل اعتراف، أمّا الفضاء الزماني فأراده في المستقبل وبالضبط في العام 2040م، وكأنّي بالكاتب يودّ أن يرسخ فكرة أنّ الصحراء هي الملاذ وسط هذا الخراب الذي يعيشه العالم من حروب وأزمات بين الدول والأمم، تماما مثلما رأى فيها شارك دوفوكو ملاذا فاختارها مكانا للاعتكاف وانكبّ على تعلّم لغة الطوارق وعاداتهم وتقاليدهم، وأكثر من ذلك قام بتأليف قاموس للمفردات وقواعد اللّغة الأمازيغية طُبع بعد وفاته في أربع مجلّدات.
هذا عن الصحراء في روايات زائريها من الروائيين، فكيف تناولها أبناؤها الذين ولدوا فيها ولفحتهم شمسها، وهم عجينة رملها وطينها؟


لنرجع إذن إلى أوّل رواية كُتبت في الجنوب الجزائري إن لم نقل في الجزائر نُشرت في العام 1936 باللّغة الفرنسية تحت عنوان مريم بين النخيل للروائي الجزائري ابن الصحراء الجزائرية محمد أغا المعروف بمحمد ولد الشيخ، والذي ولد بمدينة بشار بالجنوب الغربي الجزائري في 23فبراير 1906م، كتب روايته إبّان الاحتلال الفرنسي وبلغة المُحتل، محمد ولد الشيخ لم يكن معنيا كثيرا بخوارق الصحراء وأساطيرها وهو ابنها الّذي سمع من الخوارق والحكايا من جدّته ومن كبار السن، لكنّه كان معنيا بواقع الصحراء دون فانتازيا، دون خيال لا يغني ولا يسمن من جوع الجنوبي الّذي يعاني المرض والفقر والجهل في ظلّ مستعمر غاصب، والذي انتبه مبكرا لهذا الآخر الذي استوطن رمله وكدّر صفو مياه سواقي الجنان، هذا الآخر الّذي يختلف عنه دينيا. يحاول محمد آغا في هذه الرواية الانتصار للهوية الجزائرية بخلق ذلك الصراع في إطار الزواج المشترك بين جزائرية مسلمة وفرنسي مسيحي وتكون ثمرة هذا الزواج أنثى التي هي مريم بطلة الرواية بكلّ ما يحمله اسم مريم من رمزية مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وذكر هو أخوها جان حفيظ.
ميلاد مريم وأخيها جان حفيظ يشعل فتيل الصراع بين الزوجين الأمّ المسلمة والأب المسيحي حول نمط التربية، فكلّ منهما يودّ أن يغرس تعاليم دينه في نفس أبنائه، انتصر الوالد الفرنسي ورضخت الأمّ الجزائرية، لكن تتطوّر أحداث الرواية ليختار الروائي قتل الأب الفرنسي، وفي هذا الاختيار إشارة إلى رغبة الروائي ككلّ الجزائريين في التخلص من الاستعمار الفرنسي الذي جاء ليطمس هوية الشعب الجزائري.
ويختم محمد آغا روايته بانتصار اختيار الأمّ للتربية على قيم الدين الإسلامي بعد وفاة الزوج الفرنسي المسيحي فتتزوج مريم من رجل مسلم ويتزوج أخوها جان حفيظ من امرأة مسلمة. وفي اختيار هذه النهاية تعبير عن وجهة نظر الروائي محمد آغا الذي تلقى تعليمه في مدارس المعمّر الفرنسي، لكن ظلّت راسخة فيه التنشئة الأولى في الكتاتيب والزوايا التي هي الملقن الأوّل للهوية الجزائرية آنذاك والتي ناضل الشعب الجزائري للحفاظ عليها، وهي التي تخرّج منها قادة الثورة التحريرية الجزائرية الكبرى التي اندلعت في غرّة نوفمبر من العام1954م.
من هنا بدأ إخفاق المستعمر الفرنسي في الصحراء الجزائرية حسب رواية مريم بين النخيل، إخفاق في تحقيق مشروعه، وإخفاق في الحفاظ على وجوده الذي انتهى بموته وهو خروجه من الجزائر مهزوما هزيمة نكراء، بعد حرب طويلة المدى أعلنها الشعب الجزائري فاختار إمّا الحياة بحرية أو الموت والاستشهاد، إنّها نبوءة الروائي الجزائري ابن الصحراء في ثلاثينيات القرن الماضي محمد آغا الذي وافته المنية في 29جانفي 1938.
إذن محمد آغا نموذج لابن الصحراء عندما يكتب عن الصحراء، فهو يكتب همومه ووجهة نظره وهو يصوّر لنا واحاتها الغنّاء وجمالها الساحر الأخاذ، دون أن يغفل عن التقاط تلك التفاصيل المهمّة فيما يعيشه ابن الصحراء من صراع مع الآخر انطلاقا من عنوان الرواية الذي أورد فيه كلمة النخيل رمز الصحراء وكأنّي به يعلن عن وجهة نظره منذ البداية، عن الالتصاق بالأرض، بالصحراء وفي هذا كلّه الملاذ للإنسان الذي يتطلع للانعتاق والحرية، انتهاء بانتصاره لهويته الجزائرية بقتل الأب الفرنسي وتبني مريم وأخيها لقيم الدين الإسلامي الذي هو دين الأمّ أي الوطن الجزائر.
روائي آخر من نفس المدينة الجنوبية والتي هي مدينة بشار الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري على بعد ألف كم عن الجزائر العاصمة يؤكّد هذا الالتصاق للروائي الجزائري الجنوبي برمله وصحرائه إنّه عبد الحفيظ بن جلولي الذي اختار لروايته كعنوان: «وعلى الرمل تبكي الرياح»، رواية تنزف حنينا وحبّا للقصر القديم أحد المعالم المرتبطة بالذاكرة في مدينة بشار، القصر ليس مجرّد تجمّع سكني من طين الأرض وأخشاب النخيل يحيط به سور عند عبد الحفيظ، بل هو قيم إنسانية وعادات وتقاليد جميلة تعبق بروائح بخور الجدّة ويدها الحانية على المسكين والضعيف، هو قلب الأمّهات الكبير الذي يسع الجميع، في رواية وعلى الرمل تبكي الرياح فَقْد وحنين وتركيز على التعايش بين الأديان الذي عرفته مدينة بشار، تقبّل كبير للآخر وعشرة يصعب خيانتها. عبد الحفيظ من خلال روايته يقول تمزّق الإنسان في هذا العالم  المتهاوي، يقول مأساة العراق ويعلن عن ارتباكه من ذلك الأزرق الممتد الذي هو البحر والذي كثيرا ما يتطلع إليه الجنوبي، فينهي روايته بهذه العبارة: «إيّاك أن تنتمي إلى البحر.. إيّاك أن تنتمي إلى الرمل. الرمل الدافئ عتبة البحر المزرق كبرودة الموت».
روائي آخر يطل علينا من مدينة أخرى في الصحراء الجزائرية وهي مدينة أدرار تبعد عن العاصمة الجزائر بحوالي 1600 كم إنّه البروفيسور حاج أحمد الصديق المعروف بالزيواني من خلال روايته «مملكة الزيوان» ليحمّلها أسرار مدينته الجنوبية بسرد مشوّق لعادات أهلها، وقدرة الرجل التواتي العجيبة في الانسجام مع الطبيعة القاسية بفضل عقله المفكر وسواعد أبناء المنطقة التي لا تكلّ عن العمل، الزيواني ابن البيئة الصحراوية التي ربطها القدر بكلّ ما هو عجائبي وغيبي يرتكز في سرد روايته على مخطوط عتيق من زاوية سيد البكري بمنطقة تمنطيط بأدرار عثر عليه الراوي وقام بتحقيقه ونشره.
حاج أحمد الصديق أثّث روايته بكلّ تلك الخصائص المرتبطة بالبعد الصوفي متمثلا في الأضرحة والزوايا التي تزخر بهم مدينة أدرار، وبارتباط الرجل التواتي بالأرض، فهو الفلاح الّذي تعدّ الفقارات من السواقي كنزه الثمين، وتعدّ بساتينه ملاذه الجميل، وهنا يعبّر الروائي عن هموم ابن مدينته بعد الثورة الزراعية التي حرّرت الخمّاس ليبدأ صراع بين السيد الذي هو المرابط وبين  الخمّاس وفي ذلك كسر لنوع من الطابو والمسكوت عنه في هذه المدينة الجنوبية.
الزيواني رسم لنا بقلمه الجميل الطبيعة الخلابة لمدينة أدرار أو توات، نقل لنا النسائم العليلة لبساتينها، جعلنا نتوق للحظات تفيأ بظلال نخيلها ولنستمتع بأهازيجها الشعبية وبأنغام الشلالي العذبة الشجيّة، جعلنا نعرف يوميات الرجل التواتي والتحوّلات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الصغير في هذه المدينة الجنوبية المُلتفة بالرمل منذ إعلان الثورة الزراعية وتحرير الخمّاس من استغلال سيده له.
ولعلّ مدينة أدرار كانت الفضاء الأكثر حظّا عندما يتعلّق الأمر بالرواية، هذا روائي آخر يكتب روايته ويختار لها كعنوان «تنزروفت» وهو اسم أحد أقاليم ولاية أدرار، إنّه الروائي عبد القادر ضيف الله الّذي يكتب في هذه الرواية عن بؤس الجنوبي الذي ظلمته الجغرافيا فعانى التهميش والبطالة والتصحر ليس في الطبيعة القفار في تنزروفت فقط وإنّما التصحر في المشاريع التي تعطي فرصة العمل للشباب وآفاق للحلم، وفضاءات للترفيه في مدينة تتوفر على كلّ المؤهلات لتصير جنّة فوق الأرض.
عبد القادر ضيف الله كأيّ إنسان لا يمكنه الهروب من قدر الصحراء المرتبطة بالعجائبية يوظف قصة الشلالي العاشق لجنّية الرمل ويأخذنا في أجواء تفيض هياما وحبا بين الجنّية مروشة والشلالي وبين بطل القصة بوتخيل وآسيا، كما يقول مأساة الشباب الحرّاقة في ذلك الهروب من الرمل إلى الرمل، من رمل الصحراء إلى رمل شواطئ وهران في بحث عن أفق للأمل يتعلّق به شباب يرون الجنّة في الضفّة الأخرى فينتهي بهم الأمر جثثا يلفظها البحر.
يبقى أنّ اسم بوتخيل يحمل بعض التأويلات باعتبار أنّه اسم مرتبط بمدينة العين الصفراء بوابة الصحراء بالجنوب الغربي الجزائري، واسم وليها الصالح سيدي بوتخيل، فهل أراد عبد القادر ضيف الله أن يقول أنّ هموم أبناء الصحراء واحدة على اختلاف مدنها، وعلى اختلاف قربها من المركز الجزائر العاصمة.
وتبقى الصحراء تمارس غوايتها على كتّاب الرواية مثلما مارستها على الشعراء والقصّاصين لأنّها الفضاء الّذي يبتلعك ليلفظك حكاية من حبر ووجع.

بقلم: جميلة طلباوي