PUBANNASR PUBANNASR
الأربعاء 19 جوان 2019

قصيدة النثر.. سؤال التجنيس والخصوصيات الفنيّة

يبدو لي أنّ الخلاف القائم في نقاشاتنا حول قصيدة النثر [Poème en prose] يتأسس حول إشكاليتين أساسيتين؛ الأولى أجناسية، والثانية فنيّة مرتبطة بخصوصية الكتابة الشّعرية ذاتها، بشكل يجعل الحُكم على هذا النوع من الكتابة، في انتمائه للشّعر تحديدا، أمرا غير يسير.
الإشكال الأوّل، كما نرى، مُرتبط بمسألة التجنيس الأدبي، فعندما نقف أمام قصيدة النثر بعين التحليل نجد بأنّنا، وانطلاقا من التسمية ذاتها، نقف أمام نوع أدبي يتداخل فيه ما هو شِعري (قصيدة) بِما هو نثري (نثر)، أي أنّنا أمام نوع من الكتابة خنثويّ وهجين، لا هو بالشِّعر الخالص ولا هو بالنثر، وقد كان هذا الأمر أحد المبرّرات الأساسية للرافضين والمعترضين على أن يكون هذا النمط من الكتابة شِعرا، ومنهم من دعا إلى إيجاد تصنيف أدبي جديد له لا يضعه في خانة الشِّعر ولا يلحقه بأنماطه المعهودة التي لقيت قبولا لدى الناس (شِعر عمودي، مُوشّح، شِعر مُرسل، شِعر التفعيلة...).
أمّا الإشكال الثاني فمرتبط بالخصوصيات الفنية للكتابة الشِّعرية كما أسلفت، فالرافضون حجّتهم أنّ قصيدة النثر لا تخضع للأوزان الشِّعرية العربية المعروفة، بل هي غير خاضعة للوزن العروضي وللنظام الشِّعري العربي من الأساس مثل بقية الأشكال، ولعلّ لنا فيما أُثير من جدل حول قصيدة التفعيلة في بداياتها ورفْض النقاد لها مِثالا عن بعض هذه النقاشات، ولو أنّ قصيدة التفعيلة شِعر حرّ موزون ومُقفّى، لا كما توهّمت بعض الأصوات التي سحبت منه صبغة الوزن الموسيقي الشِّعري. ورغم ذلك، وبعد فترة زمنية لا بأس بها، أصبح الشِّعر الحُـرّ شكلا من أشكال الكتابة الشِّعرية المُسلّم بها والمتداولة على نطاق واسع، حتى أنّه قد استطاع منافسة وزحزحة القصيدة العمودية عن المشهد الشِّعري العربي وعن مكانتها الريادية التي دامت قرونا طويلة، وقدّم لنا أسماء شِعرية رائدة وكثيرة جدّا في هذا المجال.
ومواصلة للحديث عن الخصوصيات الفنية لقصيدة النثر، يمنح لنا الشاعر الفلسطيني والناقد الثقافي «عزّ الدين المناصرة» تصوّرا لها في مقال له بعنوان (قصيدة النثر كما هي: نصّ تهجيني شِعري مفتوح عابر للأنواع ومستقل)؛ تصوّرا يصفها فيه قائلا بأنّها: (نصٌّ أدبي تهجيني، مفتوحٌ على الشِّعر والسرد والنثر الفني، عابرٌ للأنواع، يفتقد إلى البنية الصوتية الكميّة المُنظمة، لكنّه يمتلك إيقاعا داخليا غير منتظم، من خلال توزيع علامات الترقيم، والبنية الدلالية المُركبة على بنية التضاد، وجدلية العلاقات في النص، التي تخلق الإيقاع الخفي)، كما يصفها في كلام آخر بأنّها: (نصّ تهجيني مفتوح عابر للأجناس). من هنا يمكننا إدراك ملمح عامّ عن الخصوصيات الفنية التي تتأسّس عليها قصيدة النثر في محاولة إيجاد مكانة لها بين الأجناس الأدبية المعهودة، فحجّة أنصارها، وفي مقدّمتهم كُتّاب قصيدة النثر أنفسهم، أنّ الشِّعر لا يتأسّس على الوزن العروضي والإيقاع فقط، بل يذهبون بعيدا حينما يعترضون على من يقول بخلوّها من الوزن والإيقاع، أو من يصفها بقصيدة (اللاوزن) كما سمّاها المعترضون، والمفتقِدة للبنية الصوتية والإيقاع الداخلي كما يرى الناقد «إحسان عبّاس»، بل إنّنا نجد روّاد شِعر التفعيلة أنفسهم قد أبدوا تذمّرهم من هذا النمط الشِّعري الجديد مثل «نزار قباني» و»عبد الوهاب البياتي» الذين كان لهما اعتراضات على نصوص أدونيس، فقد أجاب البياتي عند سؤاله عن ديوان «مفرد بصيغة الجمع» قائلا: (لم أستطع قراءته، فقد قرأت سطرين منه ورميته جانبا لأنّه ليس بشِعر ولا بنثر، بل هو جنس ثالث هجين مفكَّك ليس فيه صورة أو فكرة أو تجربة، ويدل على أنّ كاتبه مُصاب بمرض يستعصى علاجه). و»محمود درويش» عام 1982م نشر في مجلة «الكرمل» الفلسطينية التي كان يشرف عليها مقالا ناريّا انتقاديّا تحت عنوان (أنقذونا من هذا الشِّعر) يُدين فيه بشدّة هذه الكتابة الشِّعرية التي فتحت، حسبهم، بابًــا للغموض والعبث الشِّعري البعيد عن هواجس الإنسان العربي، كما هاجمت «نازك الملائكة» في مقال لها مجلة «شِعر» التي كانت السند الإعلامي الرئيس لروّاد قصيدة النثر في بدايات انتشارها عربيّا، مثلما كانت مجلة «الآداب» البيروتية سندا للشِّعر الحرّ عند الروّاد الفعليين وواكبت حركتهم ونشاطهم.
إذًا؛ تكون حجّة المتحمّسين لقصيدة النثر هي أنّ حصر الشِّعر في الأوزان والإيقاعات العروضية هو تضييق له وتضييق لأفق الرؤية الشِّعرية، وبهذا التصوّر يمكن لقصائد من فئة المتن المنظوم أو الشِّعر التعليمي أن تكون شِعرا حقيقيا لأنّها تستجيب لهذه الأوزان العروضية، بينما شرط الشِّعر لديهم هو امتلاك النصّ لغته الشِّعرية؛ اللّغة التي بإمكان قصيدة النثر أن تحتويها حسب رأيهم، والتي لا تخلو بدورها من إيقاعات داخلية خاصّة بها تمنحها لها البنية اللغوية والتصويرية الداخلية للنصّ، وفي تداعي أفكاره وصوره الفنية المتشكّلة عبر عنصرَي التكثيف الشِّعري والترميز الدلالي. ولذلك يدعو عزّ الدّين المناصرة، في نفس المقال، إلى ضرورة تجاوز النقاش أو سؤال المشروعية حول قصيدة النثر بعد انتشارها الهائل والكمّي عربيّا، وبالأخصّ خلال فترة التسعينيات، إلى طرح أسئلة حول بنيتها الفنية والجمالية، وتناولها بالدراسة والنقد الجمالي بمعزل عن السؤال الأجناسي التصنيفي لها.
وبالتالي، وفي ضوء ما ذُكر، يكون في نظري أيّ حكم قطعي الدلالة وصارم حول هذه المسألة حُكمًا مُتسرّعًا فاقدا لمصداقيته النقدية، فنحن نقف أمام آراء عديدة ومختلفة وصراعات أدبية كثيرة بين نُقاد وشُعراء كان طرفًا فيها أيضا شعراء حداثيون تجديديون لم ينتصروا لقصيدة النثر على شاكلة نازك الملائكة، والبياتي، ونزار، ودرويش...، في مقابل أصوات شِعرية أخرى تدعو إلى تجاوز السؤال الأجناسي إلى البحث في النقاش الفنّي وضرورة التسليم بوجود نوعٍ أدبي جديد عَبْر-أجناسي، هجينٍ ومُركّب، وقادرٍ على حمل الرؤية الشِّعرية الحداثية للذات العربية المُعاصرة.
عابد لزرق