PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 19 مارس 2019

عن ثنائية وإشكالية الكتابة والمنفى

النصّ المهاجر .. هل هاجر حقا؟
ظلت كتابة المنفى أو المهجر، محور أسئلة خجولة وخافتة، أو الأصح، ظلت منطقة غير مطروقة في خارطة الأدب الجزائري، وفي المرات القليلة التي تمّ تناولها في مؤتمرات أو دراسات نادرة، تمّ طرقها بخلفيات إيديولوجية، بعيدا عن سياقها الفني والأدبي، وهذا بأطروحات ومقاربات مُربكة وغير مُنتبهة للب الموضوع وإشكالاته الحقيقية المتعدّدة والمختلفة.  «كراس الثقافة» في عدد اليوم، يُسلط الضوء على هذا المحور. ويفتح الملف مع مجموعة من الكُتاب والنقاد، وقد تحدثوا كلٌ حسب وجهة نظره ورؤيته وزاويته الأدبية والنقدية عن أدب وكتابة المنفى والمهجر وأسئلتها الجديدة، وعن سقف وسياقات هذه الأسئلة وهل لها جذور بالهوية والانتماء، أم هي مفصولة وغير منتمية وفيها هوة واغتراب. ففي الوقت الّذي يرى فيه الدكتور بورايو أنّ المنفى تجربة مُضافة لحياة المُبدع إذا ما كان مزوّدا بقاعدة ثقافية تربطه بأصوله، قد يُوفّر له شروطا أنسب للإبداع ويحرّره من القيود التي كان يُعاني منها في بلده الأصلي. يرى الدكتور رابحي، أنّ أفكار ما بعد الحداثة حملت تصورات جديدة لعالم الكتابة وعلاقتها بالهجرة والاغتراب والمنفى. أما الدكتور ختالة، فيتطرق إلى سُلطة الهُوية في النص الأدبي المهجري، ويذهب في هذا السياق إلى أنّ ما يُميز هذا الأدب/النص الجديد -خاصة- هو أنّه أدبٌ مسافر في المشترك الإنساني والحقيقة الكونية. من جهته يرى الدكتور عابد، أنّ كتابة المهجر والغربة خاصة لدى الجيل الأخير من الكُتّاب المهاجرين والمغتربين هي عملٌ منهم لمحاولة تحقيق أحلام مجتمع يوتوبي مفقود.
إستطلاع/ نـــوّارة لــحـــرش

عبد الحميد بورايو/ كاتب وناقد أكاديمي وباحث في التراث
المنفى تجربة مُضافة لحياة المُبدع إذا ما كان مزوّدا بقاعدة ثقافية تربطه بأصوله
يمثل أدب المنفى نِتاج تجربة لها خصوصيتها لكونه من إبداع فئة من الكُتاب الذين يعيشون خارج أوطانهم لظروف مختلفة، قد تكون قسرية، وقد تكون اختيارية. يظل تعبيرا نوعيًا عن النفس والّروح والوعي، يتميّز بجملة من الخصائص من بينها: أولا: حضور الذاكرة الفردية والجمعية بشيء من الإلحاح. ثانيا: التعبير عن تجربة تجري وقائعها في وسط يمثل «الآخر» بعيدا عن الوسط الّذي تنتمي له الذات الجمعية، وبالتالي فهو يعبر عن الآخر المُتعايش معه، بكيفية قد تختلف عن موقفنا من الآخر وفق نظرة التنشئة الاجتماعيّة في الجماعة التي ننتمي لها. ثالثا: يعبر عن مدى قـدرة المُبدع على التكيف مع محيط المنفى والاندماج فيه، أو صعوبة هذا الاندماج والعجز عن الاندماج والمُعايشة. رابعا: يُعبّر عن معايشة الآخر مما قد يُتيح الفرصة للمبدع لكي يكون له وعيٌ ورؤيا أرحب من تلك التي تشكلت لديه وهو في موطنه الأصلي، وبالتالي تصبح نظرته للوجود البشري أكثر إنسانية واهتمامًا بقضايا الوجود البشري من خلال رؤية فلسفيّة للإنسان لها خصوصيتها، وهو ما نعثر عليه مثلا عند الروائي الجزائري محمّد ديب. فيشكل المنفى في هذه الحالة قاعدة لتحوّل جذري في الكتابة الإبداعيّة من حيث الأسلوب والثيمات.
في وضعية النزاع الحضاري والفكري القائم حاليا في العالم بسبب تسلط قِوى دولية مُهيمنة على العالم، وفرض ثقافة نمطيّة مُصنّعة وفِق أهداف سياسية إستراتيجية لصالح هذه القِوى، يكون المُبدع الّذي يحمل هُوية مُغايرة (من عالم الجنوب) والمُتواجد خاصة في البلاد التي تصدر منها هذه الهيمنة، هو الأكثر احتكاكًا بمصادر التوجيه والتعليب، وبالتالي الأقدر على إدراكها ومقاومتها إن كان مُتشبّعا بثقافته ومتمثلا لعناصر هُويّته، غير أنّه قد يكون عرضة للتأثيرات السلبية والذوبان فيها إذا ما لم يتحقّق الشرط الآنف الذكر.
المنفى الّذي يعنينا، نحن الجزائريين، أكثر من غيره هو فضاء البلاد الغربيّة (أوروبا الغربية بصفة خاصة)، ونجد عددا من المبدعين الذين أغرتهم التسهيلات التي وُفرت لهم للعيش هناك، مِمَا جعلهم عُرضة للإبداع حسب الطلب، وجعلهم ينقادون لمواقف سياسية وفكرية تُعدّ استمرارا للرّوح الاستعماريّة وتكون بالتالي ضدّ الشعوب التي ينتمون لها، والتي قدمت تضحياتٍ جسام للتخلص من الهيمنة الاستعماريّة مِمَا جعلهم ينحازون ضدّ ثقافتهم الأم.
يُفترض أن يكون المنفى تجربة مُضافة لحياة المُبدع إذا ما كان مزوّدا بقاعدة ثقافية تربطه بأصوله، قد يُوفّر له شروطا أنسب للإبداع ويحرّره من القيود التي كان يُعاني منها في بلده الأصلي؛ سواء منها الاجتماعية أو السياسية أو بكلّ بساطة المُعاشية، ويفتح أمامه أفقًا إنسانيًا أكثر رحابة، وشروط حياة تسمح له بممارسة هواياته الإبداعيّة، وباحتراف الأنشطة الفنية والأدبية والعيش من مردودها. يحضرني بهذا الخصوص بعض أسماء كُتاب الأدب باللّغة الفرنسية من الجزائريين، والذين حقّقوا ذواتهم الإبداعية  وعبروا عن هويتهم وظلت ثقافتهم الأم معينًا يستمدون منه عناصر الكتابة، دون أن يتنكروا لتاريخ مجتمعهم من أمثال ياسمينة خضرة والحبيب طنقور ورابح بلعمري، وأحلام مستغانمي وكذلك عمارة لخوص الّذي يكتب باللّغة العربيّة والإيطاليّة.

عبد القادر رابحي/ شاعر وناقد وباحث أكاديمي –جامعة سعيدة
هيمنة تيمة الهوُية والذات والآخر بطرق وقناعات مختلفة
هل من اللازم التذكير بأهمية العلاقة بين الأدب والمهجر في تاريخ الأدب العربي والجزائري ونشأته وتطوره في مرحلة حساسة من التاريخ المعاصر؟ لقد لعبت الهجرة دائما دورا فعّالا في تلقيم التصورات الإبداعية الأكثر انغلاقا على نفسها لأسباب متعلقة بتراجع البعد الطلائعي في الأدب وانكفاء الأدباء على القيم الثابتة داخل المركزيات المنطوية على نفسها، كما كانت سببًا مباشرا في انفتاح الأدباء على العوالم غير المعروفة والأخذ منها، كان ذلك مع الهجرات التقليدية التي شهدها أدباء المشرق العربي ودورهم في ترسيخ جل المبادئ الفنية والجمالية التي أنتجها العالم الغربي منذ مطلع القرن الماضي.
ربّما تبلورت فكرة الأدب والهجرة عند الجزائريين بصورة واضحة خلال نهايات النصف الأوّل من القرن الماضي، أي عند نشوء طبقة مثقفة واجهت واقعًا استعماريًا اضطرها إلى اكتشاف مركز الثقافة في الغرب الّذي يتحكم عادة في الأقاصي المُمثلة في المستعمرات وتزويد نخبها المتعلمة في مدارسها بما تريد لها من ثقافة تخدم التصوّر الكولونيالي خاصة.
ورغم أنّ العديد من الأدباء الجزائريين الذين كتبوا بلغة المستعمر قد عرفوا الهجرة إلى فرنسا خاصة، إلا أنّها لم تكن هجرة دائمة متواصلة خاصة قبل الاستقلال إلاّ في بعض الحالات النادرة. والحال كذلك كان بالنسبة للمثقفين المُعربين الذين لم يكونوا منسجمين مع فكرة الهجرة الدائمة إلى المشرق العربي أو إلى الأماكن البعيدة جدا عن الوطن كأمريكا وكندا وشمال أوروبا.
ولعله لذلك لا يمكننا الحديث عن أدب مهجري جزائري كما هو الحديث بالنسبة للأدب المهجري اللبناني أو السوري أو المصري بدرجة أقل نظرا لغياب تقاليد للهجرة في التاريخ الأدبي الجزائري سواء أكانت طوعية أم قسرية. وربّما يعود سبب ذلك إلى البنية التكوينية التي شكلت وعي المثقف الجزائري في فترات تاريخية عويصة والتي انتهى بموجبها إلى الاعتقاد بأنّ الابتعاد عن الأرض، وفيما بعد، عن الوطن يشكل خيانة ما لفكرة الكتابة في حدّ ذاتها.
غير أنّ تسارع الانفتاح على ما أصبح يتيحه العالم من ممكنات إبداعية وثقافية وفكرية ومن أشكال حرية وقدرة على التعبير لم توفرها الأوطان بسبب السياسات المهيمنة، جعلت العديد من الأدباء الجزائريين يُعيدون النظر بصورة لم تكن قسرية بالضرورة، في فكرة الانعتاق من الأنساق المُغلقة التي تأسر الكتابة الأدبية في البوتقات الفكرية والإيديولوجية والذهاب بعيدا عن مرآة الوطن القريبة من عيني المبدع.
لقد رأينا حالة الروائي الكبير محمّد ديب في مرحلة تاريخية معينة والتي تواصلت حتى وفاته، كما رأينا أثناء ذلك وبعده العديد من الأدباء والشعراء والمفكرين والفنانين يهجرون السياق التاريخي المحلي لظروف ليس أقلها الظروف الاقتصادية من أجل الانفتاح على الحالة الغربية والمشاركة في صناعة تصورها المنفتح على الثقافة والفكر والإبداع.
ومن المؤكد أنّ ذلك شكّل سببًا مباشرا في إعادة ترتيب التصورات التي حملوها سابقا عن الوطن وعن الذات وعن محاولة تمثلهما من خارج النسق الوطني المُغلق على أطروحاته التحديثية المحفوفة بالتقهقرات وبالارتكاسات. وبإمكاننا أن نتمعن في المسافة التي تفصل بين رؤية هؤلاء للذات وللعالم قبل الهجرة ورؤيتهم بعد الهجرة. والأكيد أنّ الكتابة من خارج هذه الأسوار المغلقة يعتبر حافزا مهمًا لفهم الذات والعالم برؤى مختلفة تمامًا عن الحالة الأولى نظرا لما يتيحه الابتعاد عن الذات الجمعية بوصفها مُعطى مغلقا من إمكانات تتيح رؤيتها بصورة أكثر انفتاحا وربّما أكثر موضوعية مِمَا كانت عليه من قبل. ولعلنا نلاحظ الفرق بين ما أتاحته الهجرة لبعض أدباء من ممكنات تفتح على العالم وإدراك للحقيقة الوطنية من زوايا لا تتيحها الكتابة من داخل الوطن.
إنّ تاريخ الأدب الإنساني ينضح في مجمله بحالاتِ كتابةٍ تحققت فيها عبقرية الأدباء فكتبوا أعمق وأروع ما كتبوه وهم يعيشون الهجرة بكلّ ما يمكن أن تحمله من أبعاد إنسانية ومن عمق وجودي. ولا تخلو بقعة في الأرض من أدب كُتب بمدادها من طرف أدباء ومفكرين هاجروا إليها. غير أنّه لا بدّ من التأكيد على فكرة أنّ الاغتراب والهجرة بمفهوميهما الحاليين لم يعودا يحملان المفاهيم نفسها التي ارتبطت بعصر الحداثة حيث كانت المعارك السياسية العالمية تنتج الهجرات المتوالية للأدباء والمبدعين بسبب المواقف السياسية والنضالات الثورية وحالات التمرد الفكري التي أدت بالعديد من المفكرين إلى الهروب بالمشاريع الفكرية والأدبية إلى أقاليم أكثر حرية من أجل إنقاذها من التلف الّذي ينخر الحرية. فثمّة فرقٌ بين أن تكون منفيًا في ذاتك ولذاتك وأن تكون حرّا في هجرتك عبر الأمكنة.لقد حملت أفكار ما بعد الحداثة تصورات جديدة لعالم الكتابة وعلاقتها بالهجرة والاغتراب، فلم تعد الأسباب التي هجر من أجلها العديد من الأدباء، ومنهم الأدباء الجزائريون، إلى عالم الاغتراب سببًا مُقنعًا للأجيال الجديدة من الأدباء الآن. كما لم يعد معنى المنفى مثلما كان عليه سابقا، وربّما أصبح ينطبق على أدباء الأقاليم المقصيين من المشاركة في الفعل الإبداعي أكثر مِمَا ينطبق على أدباء المهجر الجُدّد الذين تحولت الهجرة في زمنهم هذا إلى رغبة مُلحة نظرا لارتباطها بتحقيق الذات المبدعة لمشروعها الّذي لا يجد تحفيزا ولا دعما داخل الوطن.
ورغم ذلك، فإنّ هجرة الأدباء والمبدعين الجزائريين في الوقت الحاضر تطرح إشكالات ليست متعلقة بالأسباب السياسية بقدر ما هي متعلقة بطموح الفرد الجزائري في تحقيق أنموذج معيشيّ يُضاهي أنموذج الفرد الغربي بالنظر إلى ما أضحت تتيحه وسائل الاتصال من مقارنة بين واقع محلي متقهقر اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وبين واقع غربي وعالمي يقدم أكثر الممكنات الحياتية انعتاقًا من كلّ العوائق.
وربّما تغيرت نظرة الأدباء الجزائريين المُعاصرين وغيرهم إلى مفهوميّ الحرية والانعتاق عمّا كانت عليه بالنسبة لجيل محمّد ديب وكاتب ياسين ومحمّد أركون وجمال الدين بن شيخ وغيرهم في مرحلة تاريخية سابقة. فهجرة عمارة لخوص وفضيلة الفاروق وعياش يحياوي وأحلام مستغانمي وبوعلام صنصال ومحمّد مولسهول وغيرهم كثير، لا تمت بصلة ظاهرة إلى الأسباب التي أدت بالجيل الأوّل إلى الهجرة على الرغم من أنّ الدافع العميق يبقى دائما محاولة التحرّر من الأنساق المغلقة التي لا تنفك تقدمها المشاريع التنموية والثقافية في وطنهم على الرغم من هيمنة تيمة الهوُية والذات والآخر على مجمل الأنساق الكتابية لهؤلاء الأدباء وإنْ بطُرق وقناعات مختلفة.

عبد الحميد ختالة/ ناقد وباحث أكاديمي-جامعة خنشلة
نص المنفى لم يتنصل من انتمائه الثقافي والحضاري
بدءًا وجب التفريق بين السياقات التي كانت سببًا في خروج هؤلاء الأدباء المهاجرين من أوطانهم، فهناك من خرج طوعًا بحثا عن بيئة جديدة ضامنة لحياة أفضل، ومنهم من أُخرج إخراجًا قهريًا، إذ يختلف هذا الأخير حتى على المستوى الاصطلاحي حيث يُعد خروجه نفيًا، ولا محالة فإنّ الصلة ستبقى قائمة مع أوطانهم الأصل سواء أكان ذلك سلبًا أم إيجابًا، فأوطد علاقات الإنسان جميعًا هي علاقته بالمكان، كما تجدر الإشارة كذلك إلى مستوى انسجامهم في المجتمع الجديد، ومنه مساهمتهم في صناعة المشهد الأدبي في الأقطار التي احتضنتهم.
يعيش الأديب في مهجره بين لحظتين، إمّا الامتزاج مع المجتمع الجديد أو العيش على وجع المنفى واغتراب الرّوح، حتى وإن كان مفهوم الوطن مُتعلقا بفكرة تتولد في لحظة عشق يبقى الأديب يُطاردها في منجزه الإبداعي كحُلم جميل لا يريد اليقظة منه، فأدب المَهجريين الجُدّد هو أدب مسافر في المشترك الإنساني والحقيقة الكونية انطلاقا من سؤال النفس البشرية الحالمة التي تسكن الأديب.
ومِمَا سبق يمكن القول أنّ الأديب المهاجر/المنفي لا يعيش في وطن بعينه بل إنّه يرتحل دومًا بحثا عن وطن، فهو يعيش في الكلمة كوطن ويترجم الانتماء كشعور طفولي يحلم بمستقر آمن ودافئ ينام فيه نومته الأخيرة، إنّ البحث عن الهوية في أدب المهاجرين كالبحث عن الرّوح في الجسد، فهي التي تجعله يحيا ولكنّها بلا ملامح وبلا خصوصية وبلا شكل محدّد.
عَرف الأدب الجزائري عِدة أسماء عاشت الهجرة من أمثال محمّد ديب وكاتب ياسين وآسيا جبار، ثمّ لحقهم جيلٌ آخر من الأدباء مثل ياسمينة خضرة ورشيدة محمدي، وقد تركت هذه الأسماء أثرها في المشهد الأدبي في الجزائر رغم انتمائهم الجغرافي إلى بيئة مكانية مُغايرة إلاّ أنّ الثابت في كتاباتهم أنّ هويتهم الجزائرية بقيت راسخة سواء من جهة التيمة المهيمنة أو من جهة المرجعية الثقافية التي لم تتأثر بشكل لافت بنظرية التابع التي قدمها الدرس النقدي الثقافي، رغم الهجرة اللغوية التي عرفتها نصوصهم. ولأنّ هُوية النص تتحكم فيها مجموعة من المعايير قد تعدّ اللّغة واحدة منها لكنّها ليست العلامة الفارقة في تحديد انتماء النص الأدبي، هذا النص المُهاجر الّذي تأثّث في كتبات هؤلاء بالفضائي المكاني الأصل والفضاء الزماني الأصل، حتى على مستوى ملامح الشخصيات وأسمائهم ولعلّ هذا الّذي يجعلنا نؤكد على أنّ النص المُهاجر/المنفي في الأدب الجزائري لم يتـنصل من انتمائه الثقافي والحضاري لهويته الأصل، رغم ما يتقنّع به من رفض وتمرّد للسائد الجزائري، والّذي يجب أن يُقرأ على أنّه وليد الشعور بالانتماء.
كما عرف الأدب الجزائري هجرة أخرى في اتجاه البيئة العربية غير المختلفة ثقافيًا وحضاريًا لكنّها تختلف مكانيًا وهي الهجرة إلى المشرق العربي، وقد مثّل هذه الهجرة كلٌ من أحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق، لا على سبيل الحصر، إذ نقرأ الانتماء في منجزهما الإبداعي بل والحرص على ترسيخ الشعور بالهُوية الجزائرية رغم الغربة النصية التي لمحناها في رواية «اكتشاف الشهوة» لفضيلة الفاروق حيث نشعر بأنّ النص يُحاور غير الجزائري ثقافيًا وتيميًا.
ومُقابل ما سبق قد نفتح قوسين أمام الورطة الحضارية التي يعيشها القارئ الجزائري عندما يُصدر أحكامًا صادمة تجاه هذا المنجز، وهو في ذلك يستند إلى وهم حضاري غير مُؤسس، وفيصله الوحيد هو البيئة التي يعيش فيها الأديب، مُتغافلا عمّا قدمته أدوات التواصل الحديثة التي تضمن للإنسان العيش في بيئات مختلفة متوسلا وعيه الثانوي ومدركاته الفنية.

عابد لزرق/ باحث أكاديمي وأستاذ بجامعة مستغانم
لم يشكّل المنفى اللغويّ حائطا ساترا أمام مبدأ الانتماء
تاريخيّا؛ أسهمت كتابات المنفى والمهجر العربية في ترسيخ مجموعة هُويات وأبعاد متنوّعة، والبداية بجيل من الشعراء الإحيائيين الروّاد تجلّى البُعد الوطنيّ في نصوصهم بوضوح بعد عيشهم منفى قسريّا أُبعدوا فيه عن بلدانهم مثل البارودي المصري والأمير عبد القادر الجزائري، ثمّ برز بعدها وتأسّس أدب مهجري مع مجموعة شعراء شاميين تشكّل في نصوصهم بعدٌ قوميٌّ نلمحُه، على سبيل التمثيل، عند نسيب عريضة ورشيد سليم الخوري، كما تشكّل بعدٌ آخر إنسانيٌّ أمميٌّ أكثر من كونه بعدا قطريّا مع كُتّاب جماعة الرابطة القلمية الذين استجابت رؤاهم الفنية والحضارية لتصوّر الهويّات المنفتحة فترة هجرتهم إلى مجتمعات كوسموبوليتية هجينة ثقافيا، وكان المنفى والإبعاد أيضا لصيقا بأدباء آخرين ازداد على إثرهما منسوب الانتماء للأرض وللوطن لديهم، كما نجده عند الشاعر الفلسطيني محمود درويش وأسماء أخرى تمّ تهجيرها عن أوطانها.
غير أنّ الحديث عن أدب عربيّ أو محليّ للمنفى أو للمهجر ذو ارتباط وثيق ببعض الأسئلة التي ينبغي طرحها والبحث فيها؛ أسئلة لا تقلّ أهميتها، في نظري، عن البحث في الأشكال الفنية لتلك الكتابات وأنواعها والمؤثّرات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي أسهمت في إنتاجها، ومن هذه الأسئلة ما ارتبط بمسائل الهُويات والانتماء المتشكّلة عبر هذه النصوص، ومتى يصحّ لكتابة ما أن تُدرج ضمن أدب المنفى، أو تُدرج ضمن أدب المهجر، ثمّ ما هي هذه المنافي وعن أيّها نتناقش؟ أهي منافي الأمكنة الجغرافية والتهجير، أم منافي الذات والهويّة والكينونة والوجود؟ وهل نقصد هنا أدبًا للمنفى، أم أدبَ ذاتٍ منفِيَّة وكتاباتٍ تغريبيةً تهجيرية؟
ولذلك أرى أنّه لابدّ من وضع الحدود الفاصلة والكاشفة للمفاهيم والمحمولات الدلالية التي تنطوي عليها هذه الدوال بما هو أولى الأولويات التي وجب أن نُناقش من خلالها موضوع كتابة المنفى والمهجر، فثمّة فرق بين منفى مكانيّ بدايةً، ومنفى فلسفيّ وجوديّ ثانيًا، ومنفى آخر لغويّ...، ولعلّها منافٍ عديدة، فالمنفى عند «أدونيس»، مثلا، ليس دلالة جغرافية بل هو مسألة ثقافية جدلية، حيث يصفه بقوله: (هو الّذي يرسم لي نطاق الحركة ودرجة الحقوق ونسبة المواطنية ومسافة التأمّل ومرجع الأسئلة... هو أوّلا غربة الإنسان عن ذاته وحريته الفكرية)، بل ثمّة فرق كذلك بين [أدب المنفى] و[أدب المهجر] كما يُؤكّد «عبد الله إبراهيم» في كتابه الجماعي الموسوم بـ»الكتابة والمنفى»، بوصف المصطلح الأوّل مُنفتحا وقادرا على حمل هذه التصوّرات المتعدّدة عن الذات المنفيّة، ويدعو إلى إحلاله بديلا عن المصطلح الأخير المُقيَّد بالشرط المكاني، تمامًا مثلما قد نفرّق بين الغربة والاغتراب؛ بين غربة مكانية جغرافية، وبين اغتراب وجوديّ للذات وتجاذبات الهُويّة.لقد وجد بعض الكتّاب الجزائريين أنفسهم منفيّين خارج أسوار اللّغة رغمًا عنهم، وبالأخصّ الذين يُعبّرون باللّغة الفرنسية في وقت كان استخدام أغلبيتهم لها جبرا لا اختيارا، فقد اشتكت «آسيا جبّار» من صعوبة الترجمة والنقل باللّغة الفرنسية لأفكارها الناشئة ضمن السياق الاجتماعي المحليّ قائلة بأنّها: (...عندما تريد أن تعبر عن أحاسيس أو عن حياة وعادات امرأة جزائرية مثلا، تجد نفسها أمام مشكلة ترجمة أفكارها وعواطفها العربية باللّغة الفرنسية، وإنّ هناك شيئا ما ينقص الصورة)، وقبلها عدّ «مالك حدّاد» عدم القدرة على الكتابة بلغته العربية نقصا أراده الاستعمار له وقال فيه جملته الشهيرة: (الفرنسية منفاي). فاللّغة عنصر أساس من العناصر المكوّنة للهويات المختلفة، وعلى الرغم من ذلك لم يشكّل هذا المنفى اللغويّ عند جيل الروّاد المؤسّسين للرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية حائطا ساترا أمام مبدأ انتمائهم، ولا المنفى المكاني والاغتراب الجسدي شكّل ذلك، بل كانت قضايا الوطن وهموم المجتمع المحلّي راسخة في جلّ كتاباتهم ونصوصهم، والفرنسية التي عدّها كاتب ياسين «غنيمة حرب» لم تمنعهم من مقاومة هذا المستعمِر الّذي يتّخذها لغته الرسمية، بل يتّخذها اليوم أداةً لتدويم سيطرته النيوكولونيالية على التابِع التاريخي.
ويبدو أنّ كتابة المهجر والغربة لدى الجيل الأخير من الكُتّاب المهاجرين والمغتربين هي عملٌ منهم لمحاولة تحقيق أحلام مجتمع يوتوبي مفقود كما عند بوعلام صنصال وياسمينة خضرا وكمال داوود ونينا بوراوي... وغيرهم. أحلام مجتمع يريده صنصال خاليًا من الأصولية والتطرّف الديني الّذي راح يهوِّله في روايتيه «قسم البرابرة» و»2084 نهاية العالم» ويعدّه الخطر الحقيقيّ الأوّل الّذي حذّر منه الأوروبيين والفرنسيين لاحقـا، وتريده نينا بوراوي مجتمعًا منفتحًا أكثر على الآخر ومُتسامحًا نحو بعض الطابوهات، بل ذهب صنصال أبعد من ذلك حين عمد إلى اقتحام مطارح جديدة تجتاز تخوم الهُوية المحلية سعيًا منه وراء اكتساب هويّات جديدة وأفكار لم يتطرّق إليها سابقوه، يبرز بعضها من خلال ما تطرحه نصوصه مثل رواية «قرية الألماني»، بل يبدو لي أنّ بوعلام صنصال هو نسخة محلية مُتجدّدة من فئة كتّاب مهاجرين/منفيّين لطالما أثارت كتاباتهم الكثير من الجدل حول تجاذبات الهُوية وصراعات [الهُنا] و[الهناك] على شاكلة الكاتب البريطاني من أصول هندية «سلمان رشدي».