PUBANNASR PUBANNASR
الأحد 17 فيفري 2019

الشاعرة والروائية ربيعة جلطي للنصر

كتابة الذات هي أكبر مُمارسة للحرية
في هذا الحوار، تتحدث الشاعرة والروائية ربيعة جلطي، عن الكتابة والرواية والشّعر. كما تخوض في أسئلة الكاتبة بين أنا الذات والأنا الأخرى. الأسئلة التي تؤرقها أكثر وتحتل الحيز الأكبر من مساحة إبداعاتها وانشغالاتها، وأسئلتها الإنسانية والكونية والحياتية. ومن جهة أخرى، تتناول سياقات خطاب المرأة الّذي ظل في الكِتابات الأدبية محل تأويلات ومساءلات وحتى محاكمات أخلاقيةـ إذ أنّ كِتابات المرأة تُقرأ غالبًا بعكس ما يتضمنه محتوى النص، وتُحاكم أخلاقيًا. الشاعرة التي ولجت عالم الرواية منذ العام 2010، لم تغفل الشّعر، إذ تحدثت عنه وعن عوالمه، وأفردت له بعض الحيز في هذا الحوار.
حاورتها/ نــــوّارة لــحــرش
هل تشبه الكاتبة كتاباتها؟ هل تقولها هذه الكتابات وترسمها وتزرعها وتنثـرها في النصوص والمتون، وهل الكاتبة تكتب ذاتها الأعمق، وانشغالاتها وأسئلتها الإنسانية والكونية والحياتية، وما هي أسئلة الكاتبة فيك راهنا والتي تؤرقك أكثـر وتحتل الحيز الأكبر من مساحة إبداعاتك؟
ربيعة جلطي: الكتابة الناجحة هي كالمرآة التي تُرى فيها جميع الوجوه على اختلاف تقاطيعها وملامحها وكلّ وجه يستطيع أن يتعرف على ذاته وخصوصيته، على ابتسامته وحزنه. الكتابة الناجحة الصادقة هي القادرة على صناعة وهم الأنا القارئة كشريك في الكتابة. في ظل مجتمع عربي ومغاربي لا يزال يُثمن ويعيش على حزمة من قيم الذكورية الفروسية التي تنتمي إلى الأزمنة المنقرضة حضاريًا. تجد الروائية كثيرا من الصعوبة في كتابة ذاتها بكلّ شفافية. فإذا كانت حرية الفرد الذكر مُلغاة أو مغيبة في ثقافة الكومونيتاريزم (الجمعانية الهيمنية) التي نبدع في ظلها فما بالك بالمرأة المبدعة. ولكن الروائية التي تدرك مسؤولية الكتابة تاريخيًا وجماليًا وسياسيًا عليها ألا ترضخ لمثل هذه القيم التي تنتمي إلى سُلم ثقافة العبودية. فإذا كانت المرأة العربية الكاتبة قد حققت صوتها الأدبي في مُنتصف القرن الماضي في شكله السياسي والاجتماعي الخارجي بكثير من الجُرأة الملفوفة في الخوف والتردّد فكاتبة اليوم عليها أن تسعى لتحقيق ذاتها بكلّ ما في هذه الذات من جروح وطموح.
المثقف العربي لم يتخلص من عقدة الذكورة ويسعى غالبًا إلى «تعرية» الحياة الشخصية للكاتبة
فلا إبداع بدون ذات شفافة من خلالها تتم عملية صناعة صورة للعالم. لقد ظلت مسألة كتابة الرواية السيروية قضية تحدٍ وحرية، فقبل نصف قرن كان الأدباء الرجال العرب، وفي مجتمع منحاز للذكورة ثقافة وأيديولوجية، يتحرجون من كتابة ذواتهم لأنّهم كانوا يعتبرون ذلك مسّا اجتماعيًا وأخلاقيًا بقبيلتهم التي تعيش وتعشش في رؤوسهم. إنّ الكاتب العربي امرأة كانت أو رجلاً يكتب في مجتمع يشبه المخفر الأخلاقي والسياسي، وربّما تكون قيم القبيلة الاجتماعية والرمزية هي أكثر وأقوى المؤسسات الأيديولوجية الحاضرة والمهيمنة والتي لا تزال حتى الآن تُؤثر وبقوة على مخيال المبدع العربي.
وهل تتشابه/تتماس أسئلة البدايات الأولى بأسئلة الآن والراهن التي تدرجت ربّما على النضوج أكثـر. هل هي أسئلتها الذاتية بكلّ تفرعات همومها وأحلامها أم أسئلة الإنسان بكلّ مشاغله وإشكالاته؟

ربيعة جلطي: كتابة الذات هي أكبر مُمارسة للحرية وهي في الوقت نفسه أكبر رسالة عن الحرية تكتبها الروائية إلى قرائها. وهي في الوقت نفسه تمرين لذات القارئ العربيّ على طقوس الحُرية ودخول المعاصرة بكلّ تعقيداتها. لا أستطيع أن أتعالى كريشة في الجو أترنح، أنا مشدودة إلى الكتابة عن الإنسان الّذي أقاسمه هذا العصر، عصر المكائد، وإلاّ سأشعر بالخيانة. سأخون عصري. أنا أعيش في هذا العالم أحاول أن أظل جلية البصر والبصيرة لا يفوتني ما أحياه وما يحياه الناس حولي، أنا لا أحب الأبراج العالية، علمني أبي المُثقف الرزين التواضع والإحساس بالآخر، أنا أحس بالناس بأفراحهم فأفرح لهم ومعهم، وجروحهم تؤلمني كثيرا وأعرف أوجاع البلد مثل جرح غائر في الكف أراه كلّ يوم مفتوحة العينين والعقل. ما أكتبه ليس مذكرات شخصية ولا يوميات، إنّه تأمُّل في حياتي وحياة الذين اشتركت معهم والذين لا نزال نتشارك في قيم الاتفاق وقيم الاختلاف. ورواية «الذروة» مثلا، نص في زيارة للطفولة والمراهقة والنضج، زيارة بصيغة الجمع، بكلّ ما في هذه المراحل من عذوبة ومرارة وتطلع، زيارة بدون نوستالجيا ولا وقوف على الأطلال. فـــ»الذروة» أردتها رواية المرأة المُقاومة في وجه الضحالة التي تحاول أن تسحبها إلى الحضيض، حضيض سياسي وأخلاقي. ربّما هذا ما حقق الاقتراب لها من القارئ وتورطه في عوالمها منذ صدورها.
ظل خطاب المرأة في الكِتابات الأدبية، محل تأويلات ومساءلات وحتى محاكمات أخلاقية، فمعظم ما تكتبه المرأة يتعرض للتأويل والزج به في محاكمات أخلاقية من طرف الرجل. الرجل الكاتب، الرجل الناقد، الرجل الإعلامي. يعني لم تتوقف مثل هذه المحاكمات عند القارئ العادي الّذي يظل سقفه الفني والمعرفي والنقدي أسير حيز معين ومحدود؟. ما الّذي يمكنك قوله بشأن هذه الإشكالية القديمة المتجدّدة؟
ربيعة جلطي: في هذا العالم العربيّ المُصاب بكلّ الأمراض الدينية والدموية والدنيوية، صعب ومُوجع أن يكون الإنسان امرأة وكاتبة في الوقت نفسه، كيف التملص من تاريخ طويل من الكتمان والصمت ولوحة مُبهمة لشهرزاد وحدها تحكي وسط رؤوس كثيرة مقطوعة حول مضجع شهريار، بل وفي وقتنا هذا بالذات، كيف تتحدى المرأة أسوار الكراهيات المجتمعية الذكورية كي تكون كاتبة مبدعة، بمعنى كي تكون إنسانة متميزة، والنساء يُسقن صامتات ملفوفات في أكفانهن معصوبات العينين والعقل والإرادة، محاطات بالشك والريبة في وجودهن وعقولهن وما يخبئن بين تكورات أجسادهن، الشك والريبة في خروجهن ودخولهن في حركاتهن وسكناتهن في صمتهن وكلامهن وكتاباتهن التي عادة ما تغني أناشيد الحرية والكرامة؟
وقد كتبتُ ما يشير إلى ذلك في كتابي «النبيّة» قائلة: «النقاد العرب يستقبلون ما تكتبه النساء مثلما كان يستقبل الجاهلي خبر ولادة أنثى». أقر أنّ هناك بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة التي تقول إنّ المشكلة تكمن في الجذور، فالمثقف العربي لم يحاول أن يتخلص من عقدة إيديولوجيا الذكورة التي تمنحه «وهم الهيمنة» الكاذبة، وتخول له سلطة القول الفصل في ما تكتبه امرأة أنثى، سلطة «الحكم بالإعدام الأدبي». قد تكون المبدعة خجولة ولكنّها تفوقه تعليمًا وثقافة وذوقا ومعرفة ولباقة وسفرا وقراءة، وأعرَف منه باللغات وتاريخ الأقوام وأسرار اللون والموسيقى وألصق منه بالحياة وأفهم منه لها، ولكن إرث سلطته الذكورية وحس الاستبداد الّذي يتنامى عنده كشعيرات ذقنه تجعله يتبختر مستعرضًا ملاكماته الكلامية برعونة وعجرفة. (يحدث عندنا: تروي الكاتبة، وتقسم إنّها ليست سيرتها الذاتية، يتغامز الناس، ولا يصدقها أحد. يروي الكاتب، ويقسم إنّها سيرته الذاتية، يتغامز الناس، ولا يصدقه أحد.!) من كِتاب «النبيّة»/ بيروت ص 222.
ما جاء في كتاب «النبية»، يؤكد من جهة أخرى ما طرحناه في السؤال السابق، وهو أنّ كِتابات المرأة تُقرأ غالبًا بعكس ما يتضمنه محتوى النص، وتُحاكم أخلاقيًا
ربيعة جلطي: صحيح. تصبح بعض الإقترابات النقدية ذات العقلية الذكورية مِمَا تكتبه الأديبة حيلة للفرجة، فالحديث عن المرأة الكاتبة في أغلب الأحيان يتمحور حول «تعرية» حياتها الشخصية وهي لعمري طريقة وحيلة لئيمة لجلب الشهرة لــــ»الناقد»، قرأتُ لأحدهم وبالصدفة، وهو نكرة، مقالا على الإنترنيت أخرج صاحبه في ظرف استثنائي من عداد المجهولين، لم يركز فيه على النصوص بل على أسماء الكاتبات، فعهّرهن، وكفّرهن، وحمّقهن، وجرّدهن من كلّ إنسانيتهن. هذا الشخص لوى عنق الكلمات والجمل والمرفوعات والمجرورات والمنصوبات على الاختصاص، وساق الكل لمحكمته الأخلاقية واستغله بمثابة دليل إثبات جريمة الكاتبة في الخيانة والكفر والفسق والخروج عن الملة. إنّها وصفة سهلة في تحقيق الشهرة الزائفة والزائلة. إنّ القراءة التأويلية الملساء المسطحة لكلّ ما تخطه الكاتبات العربيات اللواتي بدأنّ فعلا يدهشن القارئ، تروم تحقير قدراتها وتتفيهها وحصرها في رائحة الطبخ والوطء والطبل والثرثرة.
من محور ثان فإنّ التأويل القسري لما تكتبه الأديبة العربية والمغاربية وجعله يدخل ضمن الاعترافات أو السيرة الذاتية لهو رفض ضمني من لدن المصابين بمرض أيديولوجيا الذكوروية لقدرة المرأة على الكتابة وخلق عالم متخيل، وعلى هندسة أماكنه، والتحكم في مسارات حياة شخوصه. سيرضي الغرور الذكوري الّذي يربط ما تكتبه المرأة بتفاصيل حياتها، ستبيت هي نفسها داخل الحكاية إنّها الشخصية المَحكية داخل الرواية أو داخل القصيدة وليست الخالقة للحكاية، وتتشابه في ذلك مع  كاتبات أخريات دون بصمة تفرد الأمر الّذي يكرس فكرة إنّ الإبداع ذكوري محض.
وإذا حدث وتجلى العمل الإبداعي لامرأة في أجمل حالاته، فإنّ الشك والريبة التي تحيط بها العقلية الذكورية المرأة وعقلها وذكاءها وقدراتها على الإبداع ستجد تفسيرا عاجلا لمثل هذا التفوق والتميز الإبداعي، سيبحثون عن ذكر جبار حولها زوجا أو أخا أو أبا أو عشيقا أو صديقا، ويلصقون له التهمة اللذيذة، تهمة الكتابة لها، والتاريخ الثقافي والأدبي العربي الذكوري مليء بهذه الأمثلة ولعلي أذكر هنا بحكاية قصيدة جميلة للشاعرة ولادة بنت المستكفي التي كانت على كلّ لسان في قرطبة، وحين استكثر النقاد الذكوريون عليها هذا الإنجاز الإبداعي نسبوها إلى الشاعر ابن زيدون، إنّه العالم العربيّ المريض بكلّ الأمراض الدموية والدينية مستمر من تلك الأيّام إلى هذه.
على ذكرك للشّعر، وأنت الشاعرة قبل ولوجك عالم الرواية. هل عبر الشّعر عن مآزق الفرد والحياة والإنسانية في الوطن العربي كما يجب؟، هل لهذا الشّعر دور حقيقي في الحياة، أم هو تغريد بنبرات خافتة وخارج السرب العام لهذه الحياة والإنشغالات.

ربيعة جلطي: الشّعر ديوان العرب، لعلها أكبر كذبة معرفية قالها العرب عن ثقافتهم ثمّ صدقوها مع الأسف وظلوا يتوارثونها جيلا ثقافيًا بعد جيل. أعتقد أنّ الشّعر ديوان الإنسان أينما كان وبمختلف اللغات وجميع الأقوام والثقافات. الشّعر في مفهومي الخاص واحد من عناصر تعريف الإنسان بغض النظر عن عرقه أو لغته أو دينه. لا شك في أنّ العرب وضعوا الثقافة الشّعرية والشّعر فوق كثير من تجليات المعرفة الأخرى. فقد أحبوا به وحاربوا به وقرأوه على موتاهم قبل أن يقرؤوا عليهم النصوص الدينية وعلى رأسها القرآن الكريم. إلاّ أنّ الشاعر العربي يبدو لي كما الشّعر تمامًا، يكبر دائما في جدلية علاقته مع السلطات الدينية أو السياسية، إن بشكل مباشر أو غير مباشر، فالسلطان من يحدّد اتجاه الشّعر بالرفض أو القبول. أكثر من 60 بالمائة من شعرنا مدح و20 بالمائة هجاء وما بقي موزع بين الوصف والبيانية. في اعتقادي أنّ الشّعر العربي الحقيقي بنسبة قليلة جدا يتجلى، وذلك خلال جميع حقبه المتواترة، في شِعر التصوّف وشِعر الخمريات، ففي هذين الفضائين استطاع الشّعر العربي أن يحلق وأن يحقق الشّعرية بمفهومها الفلسفي. ويمكن أن نذكر هنا بشار بن برد والحلاج والسهروردي وابن عربي في «الأشواق». وهذا ما يجعل الشّعر العربي شِعرا.
«الشعر ديوان العرب» أكبر كذبة معرفية قالها العرب وصدقوها
قال لي ذات مرّة الشاعر الجزائري البروفيسور جمال الدين بن الشيخ الذي اشتغل كثيرا على بشار بن برد، إنّه حين ترجم بعض أشعار هذا الأخير إلى الفرنسية وقرأه الفرنسيون تساءلوا قائلين: أهذا شاعر معاصر؟ إنّ حداثتكم الشّعرية تشبه وتتلاقي مع الحداثات الشّعرية العالمية. إنّ قصائد الخمريات والتصوّف، وأعتقد جازمة أنّ بينهما كثيرا من نقاط الالتقاط، استطاعت أن تنقذ الشّعر العربي الكلاسيكي من الموت بانغماس الأولى أي الخمريات في شِعرية اليومي بكلّ قوته وتجلياته ومفاجآته، بينما تعمقت الثانية في الروحي بكلّ اختراقاته ووجودياته. وإنّي على يقين أنّ يد الشِّعر التصوفي البيضاء أنقذت الشّعرية العربية حتى الآن، ومنها خرج الشعراء العرب المعاصرون والحداثيون: أدونيس ودرويش وسعدي يوسف وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور...
هل يملك الشّعر مهمة؟ وهل أكثـر مهماته جمالية وفنية ولغوية؟
ربيعة جلطي: هل يملك الشّعر مهمة؟ دون شك للشّعر فعلٌ نخبوي من خلال تفكيك اللّغة التي يُــكتب بها. فالثورة التي تنتظر من الشّعر أولا هي تثويره للغة وثورته عليها، وإنّي لا أرى مُجددا للغة سوى الشّعر. فالشّعر، كما يقول روني شار: هو التقاء كلمات لم يكن من المتوقع لقاؤهما، وفي كيمياء اللقاء هذا تصنع الدهشة التي تحيلنا على المجتمع والذات في وجوديتهما. لا شك أنّنا نلمس تراجع وجود الشّعر بمفهومه الكلاسيكي تراجعا عالميا، إلاّ أنّه يتأكد من خلال أشكال أخرى من الوجود الجمالي والمعرفي، كالموسيقى والغناء والمسرح التجريبي والدعاية والموضة وغيرها. لا شك أيضا أنّ الشعراء الاستفزازيين الذين يعكرون النظام العام قل عددهم، لهذا فالشّعر الجديد يحتاج كذلك إلى شاعر جديد بسلوك اجتماعي ومعرفي وجمالي جديد. على الشّعر أن يخلق نماذجه من زمانه الجمالي كي يُدهش ويخلق الانتباه الثقافي والجمالي.
إنّ وسائل الإعلام استثمرت حتى الآن في صورة المغني والممثل السينمائي والرياضي ولكنّها لم تستغل بعد صورة الشاعر. أنا متأكدة أنّ الزمن القادم سيتم فيه الاستثمار في صورة الشاعر وفي النص الشّعري وسيكون دون شك إقلاع جديد للشّعر على الأقل على مستوى الاستقبال والقراءة بكلّ أشكالها المرئية والورقية والافتراضية. ولأنّ الشّعر ديوان الإنسان وملتحم بمصيره فيبدو أنّه تجاوز النقش على الحجر أو التمدّد على الرقعة أو الورق في تطوره وسيصل مع العصر الحديث لا محالة إلى التشكل على الصفحات الضوئية وغيرها من وسائل التوصيل الحديثة الأخرى.
ن/ل