هل مهمة المُثقف هي بالضرورة التكلم باِسم الجماعة والمجتمع. وحمل قضايا وطنية وكونية على عاتق كتاباته وأفكاره وإشتغالاته/وانشغالاته الأدبية والفكرية. كان هذا دوره التقليدي في حِقب ماضية. فهل بقي هذا الدور هو نفسه في هذا الزمن، والراهن الجديد. أم أنّ هذا المثقف تملص من دوره الحضاري، وأصبح لا يُمثل إلاّ نفسه وذاته الفردانية بعيداً عن الصوت الجمعي/الكوني والإنساني. وهل يعني هذا بشكلٍ ما، غياب المُثقّف عن هموم واِنشغالات النّاس على مستوى الواقع ومستوى الأدب. على مستوى الحياة ومستوى الكتابة. أيضا هل يمكن القول أو الجزم بغياب صوت المثقف أو موته في أسوأ الاِعتقادات. فهل حقا وصل الأمر إلى تبني هذا الطرح أو هذا الاِعتقاد «موت المثقف»، هذا الموت الّذي سبقه موت «المؤلف»، وفق أطروحات «رولان بارث».
حول هذا الشأن فكرة «غياب صوت/ أو موت المثقف»، كان ملف «كراس الثّقافة» لهذا العدد مع مجموعة من النقاد والكُتّاب والدكاترة الأكاديميين.

استطلاع/ نــوّارة لحــرش

عبد الحميد هيمة: غياب المثقف العام المحتك بهموم الجماهير


يجب أن نتفق منذ البداية أنّ الثقافة ليست شِعاراً يُرفع، أو زيًا يتزين به صاحبه، وإنّما هي رؤية وسلوك وحركة في المجتمع، ولذلك فإنّ المُثقف هو صاحب رسالة، إنّه كلّ من يحمل مشروعًا فكريًا، ويُؤدي دوراً تنويريًا في المجتمع، كما كان في مطلع النهضة العربية في العالم العربي، أو في الحقبة الاِستعمارية عندنا في الجزائر، حيث كان المثقف جزءاً من معركة نهضة الأمة وتطورها، ومقاومة الفكر الكولونيالي، لقد كان ضمير الأمة وصوتها المدافع عن قيمها، وثوابتها الوطنية، وقد تجلى ذلك على الخصوص عندنا في الجزائر في المشروع الإصلاحي، الّذي تبنته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي تأسست في05 ماي1931 رداً على اِحتفالات فرنسا بمناسبة مرور مائة سنة على اِحتلالها للجزائر. وكان هذا الإعلان عن تأسيس الجمعية رداً رمزيًا يحمل في طياته الرفض القاطع للوجود الاِستعماري الغاشم في الجزائر. وقد تبنى المثقفون الجزائريون آنذاك فكرة المقاومة بالكتابة، لفضح ممارسات الاِستعمار، وسياسته العنصرية ضدّ الشعب، ولما اِندلعت الثورة كان المثقفون في الصفوف الأولى، مجاهدين بالقلم وبالسلاح أيضا، ومنهم من اِستشهد في ساحة المعركة، ومنهم من تعرض للتصفية، نتيجة مواقفه المُناهضة للاِستعمار، فلم تنتظر هذه الأقلام اِنتهاء المعركة لتشارك فيها، ولكنّها اِختارت أن تُشارك من دقيقة الألم الأولى التي اِستشعرتها، ومن لحظة صدق مع ذاتها الجزائرية. فهل لدينا اليوم مثقفين يحملون هذا التصور؟ هل ما زال المثقف يُؤدي دوره المنوط به، كما أداه آباؤه وأجداده من قبل في حقبة الاِحتلال والكولونيالية؟
الواقع يقول أنّ البعض ما زال على العهد صابراً محتسبًا يُؤدي رسالته بإخلاص، وقد يدفع ثمن ذلك الإخلاص، تهميشًا وإقصاءً من السلطة القائمة، إلاّ أنّ الكثير من المثقفين عندنا تخلوا عن دورهم الحضاري، فغاب المثقف الّذي يعيش الواقع ويهتم بقضايا الأمة، المثقف العام المحتك بهموم وقضايا الجماهير اليومية، وحل محله المثقف الخصوصي، الّذي لا يشغله إلاّ المال والمصلحة الخاصة، وهذا يجعلنا أمام  نموذجين من المثقفين: - المثقف العضوي بتعبير (غرامشي)، أو المثقف غير المُحايد في مواقفه الجمالية والتأويلية والسّياسيّة والأيديولوجية، الّذي ينحاز للمعذبين في الأرض، ويُدافع عن القيم الأخلاقية، وقيم العدالة والمساواة، وحقوق الإنسان. -المثقف المُوظف الّذي يبحث عن الأجر مقابل تقديم خدماته لمن يدفع أكثر، المُثقف الّذي يميل للاِنحياز والتقرب من السلطة من أجل تحقيق مشاريعه الشخصية واستحقاقاته النرجسية، على حساب القضايا الجمعية الكُبرى، كما نرى اليوم في مواقف بعض المثقفين والأدباء من القضية الفلسطينية، وتهافتهم على التطبيع مع الكيان الصهيوني. بعض المثقفين والأدباء اليوم عندما نقرأ لهم لا نشعر أنّ كتاباتهم موجهة لأقوامهم، أو تخدم مجتمعاتهم، وإنّما هي موجهة لقارئ آخر من وراء البحر. همها الجري وراء الجوائز والتكريمات، ولو بالطعن في القيم والثوابت الوطنية لإرضاء الآخر..!!
ولذلك فإنّني أعتقد أنّ المثقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية عظيمة: تدعوه للاِضطلاع بدوره التاريخي، والاِنخراط في مواجهة العولمة، التي جاءت للقضاء على الخصوصيات الثقافية، وتكريس ثقافة الاِستهلاك، وشعارها «أستهلك فأنا موجود» ومواجهة ما يمكن أن نسميه (سلعنة الوجود)، ينبغي على كلّ مثقف أن يُعيد ترميم ذاته، ويبني من جديد علاقته بمجتمعه، ولا يبقى منعزلاً، يعيش في برجه العاجي بعيداً عن قضايا الأمة، واهتمامات الشعب. وفي تصوري أنّ كلّ علاقة عاطفية مع الواقع هي إعلانٌ لموت العولمة، وأقوى سلاح لمواجهة النزعة الاِستهلاكية المادية للحضارة الغربية، هو العودة إلى القيم الروحية والاِنغماس في الهم الاِجتماعي، وإلاّ فإنّنا سننقرض ونفقد وجودنا التاريخي كأمة لها حضارتها الخاصة.

بوزيد مومني: المثقف لا يموت وهو حامل قضايا مجتمعه


المثقفون أنواع، منهم من وضع نفسه في ذلك القصر العاجي ويرى أنّه صاحب شهادات علمية يقتصر دوره في الظهور الإعلامي والفني والأدبي، ومن الاِبتذال والتحقير أن ينزل إلى العامة ليشاركهم همومهم واِنشغالاتهم ويُوجهها التوجيه الصحيح. وهناك من لا يراه مثقفاً حتّى لو تحلى بهذه الحدود الدنيا إذا لم تنعكس هذه المؤهلات على سلوكه الشخصي وحركته في المجتمع.
ومنهم من يذوب في الفوضوية والعفوية التي يتسم بها عامة النّاس فينقاد بدلاً من أن يقود، وهو بالتالي يُشكل خطراً على المجتمع وعلى مفهوم الثّقافة في حد ذاتها، فنجد اِنفصالاً في الأفعال والأقوال، إذ يعرف الحقوق ولا يعمل بها ويعرف الواجبات ويكتبها شعارات على الورق فقط ولا يُناضل لأجلها.
ومنهم من رسم لنفسه منهجًا معلومًا وآمن بأنّه صاحب رسالة ركيزتها الوعي والفهم والتفكير الصحيح وسعة الأفق، بغض النظر عن مؤهلاته العلمية ومكانته الاِجتماعية، فهو يقوم بدوره الرسالي في قومه على أكمل وجه، فليس مثقفاً من لا يعرف مشكلات بيئته ومجتمعه ويُقدم لها حلولاً، ويشعر بالمسؤولية تجاه النهوض بمجتمعه والاِستعداد للتضحية في سبيل ذلك.
المُثقف إنسان، له آلامه وآماله وتصوراته، يمكنه أن يتكلم باِسمه الخاص إسقاطًا على ما يراه في بيئته الصغيرة والكبيرة. وهو في الحقب الماضية، ذلك الشخص الّذي لا يكتفي بممارسة النشاط الفكري النابع من الوعي والفهم وسعة الأفق فقط، بل هو صاحب رسالة يبحث عن كشف الحقيقة، ويكون شجاعاً في الدفاع عنها، تتحوّل عنده الأفكار إلى نماذج ومُثُل ومبادئ إنسانية عامة، فهو ضمير المجتمع، وهو المُعبر عن آلامه وآماله.
إنّ التساؤل المطروح بحدة هو حالة المُثقف الآن؟ بعضهم طرح مقولة «موت المثقف» ويبدو أنّ هذا المصطلح أُستعير من مقولة «موت المؤلف» في إطار البنيوية ثمّ «موت الناقد» في إطار ما بعد البنيوية، وذلك في إطار إحياء دور القارئ في ظل المدارس النظرية التأويلية.
هل مات المثقف كما مات المؤلف -وفق رولان بارث- ثم موت الناقد؟ فهذا مستحيل لأنّ هناك فرقًا بين التأليف والثقافة سواء من حيث التعريف أو من حيث شساعة المدلول  للمصطلح الثاني، فالمثقف لا يموت وهو حامل قضايا مجتمعه بفكره وعمله ليكون قائداً له لا أن تقوده الجماهير بعفويتها وفوضويتها، فإن وُجد قارئ ورقي فهناك مثقف ورقي، وإن وُجد قارئ إلكتروني فهناك مثقف إلكتروني... وهكذا، وإن مات القارئ فالمثقف باق لا يموت. فقد فشل السياسي العربي في توحيد سياسة العرب، وفشل الاِقتصادي في تشكيل سوق عربية مشتركة، وفشل العسكري في تحديد العدو المُشترك... إلاّ أنّنا نجد المثقفين قد نجحوا في توحيد توجهاتهم كاِتحاد الكُتّاب العرب واِتحاد الأطباء العرب واِتحاد المحامين العرب...
في الوقت الراهن يحاول المثقف أن يتماشى مع الحياة اليوميّة المعيشة بكلّ متغيراتها وضغوطاتها، فثمّة أنواعٌ من المثقفين تتفاوت تصوراتهم لأدوارهم كنخبة تستطيع التغيير، بحجة طبيعة اِقترابهم أو بعدهم عن السلطة أو النظام، لكن المشكلة أنّهم سعوا لكي يكونوا جزءا من السلطة في حد ذاتها، مِمَّا أثر في وظيفتهم الأساسية والنبيلة، وهناك مثقفون كانوا راغبين فعلاً بالقيام بهذا الدور النقدي التوجيهي التوعوي، إلاّ أنّ ضغط الحياة اليومية، وتوحش أدوات القمع، وسوء التقدير... قد أثمر فشلاً ذريعًا للمهمة الرسالية التي نذر لها المثقف نفسه على صعيد الخطاب والنظرية.
سيظل هناك مثقفون يتمتعون بالمصداقية والجرأة على قول الحقيقة لكن أصواتهم، في ظل هيمنة الإعلام والإعلام المضاد، ستظل ضعيفة ولن تستطيع الوصول إلى آذان النّاس وسط الصخب والضجيج الّذي يتعالى حولها ويكاد إلجامها.

أحمد دلباني: مثقَّف «الخلاص الفردي» مرآةٌ عاكسة لخَيبة المَرحلة


هل اِنسحب المُثقف فعلاً من المشهد العام أم تراجع دورُه في مرحلةٍ لم تعُد تحتفي بالساهرين على قداسة المعنى والحقيقة؟ هل اِختفى هذا الصعلوك الّذي اِرتبط اِسمه –في المخيال العام على الأقل– بمناوشة قلعة سلطة الأمر الواقع والحديث باِسم ضحاياها وأسراها؟ هل سقط هذا الوجه النقدي في شرك النوستالجيا والقطع مع التطلعات التي ظلت تترصَّدُ اِنبلاجَ أزمنةٍ أخرى تلبسُ وجه الإنسان؟ لقد حاولتُ، شخصيًّا، الحديث عن اِنسحاب المثقف عندنا من المشهد والحياة العامة وتخاذله أمام الاِنهيارات الحاصلة على كلّ المستويات سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، مُنتقدًا يأسَه واستسلامه أحيانا لندَّاهة الإغراء التي جعلته يمد يدهُ إلى تفاحة السقوط في حمأة الوظيفة والاِستخدام وتلميع واجهة أزمنة الرَّمادة منذ عشريات. كان إسهامي المُتواضع محاولة في التذكير بدور المثقف ووظائفه كما تحدَّدت في المرجعية الحضارية الغربية منذ اِنبثق هذا الوجهُ النضاليُّ كتعبير أملته ضرورة الدفاع عن قيم الحرية والعدالة وتحرير المعنى من أسر منظومات الاِستلاب السّياسيّة والفكريّة معًا. نتذكرُ، جيّدًا، بهذا الصدد حضورَ فولتير اللافت في القرن الثامن عشر أو دفاع زولا عن الضابط دريفوس نهاية القرن التاسع عشر من خلال رسالته الشهيرة «إنّي أتهم». وربّما لم أجد أفضل من الوصف الّذي اِستخدمه جوليان بندا قبل نحو قرن من الزمان للتعبير عن حنقه أمام اِبتلاع رمال الشوفينية العرقية والحماسة الوطنية المتحركة للمثقفين والكُتّاب الفرنسيين آنذاك عندما نعت حضورهم بـ»الخيانة». لقد رأى هذا الكاتب، كما هو معروفٌ، في ذلك تنازلاً من المثقف عن ميراث «الأنوار» والدفاع عن القيم الخالدة التي جسَّدها نضال لوثر وفولتير واسبينوزا وغيرهم ممن كان بإمكانهم أن يقولوا مع السيّد المسيح «مملكتي ليست من هذا العالم». ولكن المثقف، في حقيقة الأمر، من هذا العالم وهو اِبنٌ لمرحلته وصراعاتها ورهاناتها. لا يُمكننا أبدًا موضعة نضال المثقف خارج التاريخ وخارج ذلك الجدل الصِّدامي الّذي يجعل منه مُمثلاً لمرحلة أو طبقة اِجتماعية أو منظومةٍ إيديولوجية محددة في النظر إلى العالم والأشياء. فمن نافل القول أن نعتبرَ المثقفَ وجهًا منخرطاً في لحظته التاريخية وصوتًا يُمثل خطابه «تعبيرًا عن الصّراع الطبقيّ في النظرية» كما يعبِّر ماركس. إذ لا وجودَ للمثقف خارج التاريخ وخارج الوجود الاِجتماعي – السياسيّ أو بمعزل عن المصالح التي يرتفعُ بها إلى مستوى القيم والرموز وهو يتحدَّثُ عن «الإنسان» في عمومه كما يعتقد.
يظل المثقف، على المستوى الفكريِّ، حارسًا لنظام العالم كما هو أو كما يجبُ أن يكونَ مُعتقدًا أنّه صوتٌ يأتي من جهة العقل ويتمتع خطابه بالشمولية والكونية. ولكن هل فعلاً بإمكان خطاب المُثقف أن يكونَ كونيًّا؟ لقد بيَّن التطورُ التاريخيَّ لاحقًا أنَّ مزاعمَ الإيديولوجيَّة الليبرالية -منذ القرن الثامن عشر- لم تكن إلاّ تعبيرًا عن مصالح الحامل الاِجتماعي للحداثة في أوج عنفوانها الأوّل إزاء البنية الأرستقراطية واللاهوتية للمجتمع والفكر: نعني بذلك الطبقة البورجوازية. فلم تكن قيمُ الحرية الفردية والمساواة وأفكار العقد الاِجتماعي والإرادة العامة والحق في الملكية إلاّ إيديولوجية هذه الطبقة التي عبَّر عنها مثقفوها من فلاسفة وكُتّاب «عصر الأنوار». فالتاريخ يكشفُ دائمًا عن النسبية والتحيّز في ثنايا مزاعم الكونية، وهو ما دفع بمفكر مثل سارتر إلى أن يتهكمَ على ثقافة ذلك العهد بالقول إنّها كانت «تتألفُ من ذكور بيض» في محاولةٍ للإشارة إلى ضحايا تلك الثّقافة ومُهمَّشيها كالمرأة مثلاً أو العامل البروليتاري أو الزنجي. ولا داعي للتذكير، هنا، بالاِحتجاج الكبير الّذي مثله اليسارُ الثقافي في الحياة السّياسيّة والاِجتماعيّة الغربية بعد أن كشفت الليبرالية الاِقتصادية (الرأسمالية) الصاعدة عن كساحها أمام مطالب العدالة الاِجتماعية والمساواة التي تتجاوز شكلانية الحقوق الموروثة عن العهد البورجوازي. فلا وجود للكونية بهذا المعنى. لقد أسهم المثقفون دائمًا في إضفاء الشرعية على الطبقات الاِجتماعية التي خرجوا منها حاملين طموحَها ونزوعَها إلى الهيمنة على الفضاء السوسيو-سياسي. والجدير بالذكر أنَّ المثقفَ البورجوازيَّ الّذي كان حضورُه النضالي التعبيرَ الأمثل عن تطلعات عالم قام على أنقاض العوالم القديمة المنتهية تحوّل لاحقًا، هو نفسه، بفعل التطور التاريخيّ أيضا إلى وعي عدميٍّ كتعبير عن بلوغ البورجوازية سنَّ اليأس وتحولها إلى قوّةٍ كابحة للتقدم ترى في نهايتها نهاية العالم. هذا ما جعل المثقفَ اليساريَّ الطليعيَّ يحتل الصدارة لزمن طويل بزعيقه وخطاب الثورة الجاهز الّذي نعرفُ جميعًا أنّه لم يكن، هو الآخر، إلاّ يوتوبيا تختبئُ مجاهيل «الغولاغ» الرهيبة في ثناياها. لقد اِنتهى ذلك الصخب الّذي وعدَ باِنتظار «الصباحات التي تغني» وأصابه الخرسُ كما نعلم. هذا ما قاد كما هو معروفٌ، بمعنى ما، إلى ميلاد «المثقف النقدي» الّذي أعلن بحضوره نهاية عهد سيادة المنظومات العقائدية الشمولية الصماء أمام حركية العالم ومآزق التاريخ حاصرًا وظائفه في اِختراق «السبات الإيديولوجي» الّذي طال أمده.
لم ننتصر بعد الاِستقلال كثيرًا على رواسب الماضي الأبويّ في سلوكنا السياسيّ وفي مشاريعنا النهضوية والثّقافيّة والتربويّة. لم نستطع إحداثَ القطيعة مع نظام الفكر القديم ونحنُ نستنجدُ بنماذج التنمية التي اِقترحتها إيديولوجياتٌ وتجارب ناهضة آنذاك. كنا نريدُ خنقَ رواسب الكولونيالية فينا فإذا بنا نبعثُ صورًا كثيرة من الاِستبداد والأحادية التي تجلت في غلبة العسكريِّ على السياسي، وغلبة الاِنقلاب والقوّة على الشرعية التي طالما تغنينا بها. لقد كان العنفُ الّذي رافقَ خياراتنا السّياسيَّة والتنموية بُعَيد الاستقلال كاشفا عن ذهنية بطريركية ورواسب سلطوية لا علاقة لها بالليبرالية التي يعتبرها البعضُ الشرط الضروريَّ للحداثة والتحديث رغم كونها فقدت هذا الدور – كما رأينا آنفًا- منذ تحولت إلى قوّةٍ كابحة للتقدم ورديفة للاِستعمار في توسّعه من أجل «تحضير الأمم المتوحشة». أصبح الاِستقلالُ يبدو، شيئًا فشيئًا، صورة أخرى من صُور اِعتقال الشعب الجزائريّ في زنزانة الفكر الواحد والحزب الواحد وعبادة الزعيم. لقد كان على الدولة الوطنية الناشئة أن تتحمَّل أعباءَ دخول التاريخ وأمانة صنع مُستقبل مُختلفٍ ينبثقُ معه الكيان الوطني السيّدُ العادل، وتنبثقُ معه المُواطنة الجزائرية بعد طول غياب. ولكنَّ الديمقراطية التي اِعتمدناها في صيغتها الشعبية ظلت قناعًا يُخفي اِنتقامَ الرغبة الأبوية في إخضاع المُختلف ومحو التعدّدية ونمذجة الفكر والتفكير في الشعب باِعتباره رعية تحتاج دومًا إلى وصاية. لقد وقعنا في أسر الهرولة وراء التحديث الشكليِّ والتنمية الكمية وأهملنا التنمية البشرية. وقد كان فشلنا ذريعًا ومُدويًا لولا فضائل الريع النفطي الّذي ظل ورقة توت أخيرة تسترُ، دائمًا، عورة نموذجنا التنموي. فماذا فعل المثقفُ الحزبيّ الإيديولوجيّ الّذي اِنخرط آنذاك في حُمَّى غنائية البناء الوطنيِّ والحُلم الاِشتراكي والثورات الخائبة مُشيحًا بوجهه عن الحقوق السّياسيّة والحريات الفردية والجماعية التي ظلت تُنتَهك أمام ناظريه؟ ألم تبتلعه الوظيفة والمصلحة الضيقة و»المنظماتُ الجماهيرية»؟ لماذا لم نجد من يحتج على الأحادية الفكرية والسّياسيّة بصورةٍ نقديةٍ علنية؟ تبقى بعض الأسماء الجسورة، بالطبع، اِستثناءً يُؤكد القاعدة. ونحنُ نعرفُ أنَّ الجزائرَ شهدت اِنتفاضة الشباب ضدَّ اِنسداد آفاق الأمل وضدَّ الاِحتكار والتهميش والفشل في تحقيق التنمية المُتوازنة. وما زاد من خطورة الأوضاع هو طلوع شجرة الأصولية الدينية اللعينة على أرض خيباتنا بأوجُهها الاِقتصادية والاِجتماعية. لقد أدَّى فقدانُ البوصلة في الجزائر المُستقلة إلى اِعتصام الشباب بقشة الخلاص الوحيدة التي وفرتها الاِتجاهاتُ الدّينيّة المُتطرفة. كان يجبُ البحث عن الاِنتماء في عالم فككته الإيديولوجيا الغوغائية، وعن دفء المعنى في بلدٍ لم يستطع تحصينَ أجياله الطالعة تربويًا وثقافيًا ضدَّ إمكان السقوط في التطرف. بعد ذلك وجدنا المثقف الجديدَ يحتفي بتباشير التغيير والاِنفتاح السياسيِّ الّذي أعقب اِنتفاضة أكتوبر (تشرين الأوّل) 1988، ويبحث عن مرجعيات فكريةٍ جديدةٍ تسندُ خطابه الّذي اِكتشف مقولات الاِختلاف والدّيمقراطية والتعدّدية وفضائل النقد المعرفي عند منارات جديدة كمحمّد أركون وميشال فوكو وجاك ديريدا وعلي حرب –تمثيلاً لا حصرًا- وهم يُفككون العقل الإمبريالي الشمولي.
لقد دفع هذا المثقف ثمنًا باهظاً بداية التسعينيات في مواجهة تغول الأصولية الدّينية التي اِغتالت من خلاله العقل و»الاِنحياز» المُفترض إلى مشروع الدولة المدنية والحداثة الفكرية والحقوقية. وخلافًا للمتوقع رأينا الكثير من المثقفين والكُتّاب –عوض تجذير الخطاب النقدي للواقع الشامل- يُهرولون وراء غنائم السلطة الرَّيعية التي أغدقت عليهم بالمناصب والوظائف السامية لقاءَ صمتهم أو اِكتفائهم بالحضور غير المُزعج أو الكرنفالي. ولعلنا نعرف جيّدًا أنَّ سلطة اِحتكار الفضاء العام وخنقه والتضييق على الحريات وشراء الذمم قد أفلحت مع الكثير ممن رأينا في حضورهم طبعة جزائرية من «خيانة المثقفين» وحولتهم فعلاً إلى «كلاب حراسة» إن اِستعرنا تعبير الكاتب بول نيزان الشهير في وصف بعض مثقفي مرحلته. وفي اِعتقادي أنَّ كلّ ذلك يرجعُ، في بعض أوجهه، إلى كون المثقف عندنا لم يمتلك مشروعه المستقل نظراً لكون النّخبة المفكرة لم تستطع أن تُشكل «كتلة تاريخية» ضاغطة بحضورها وخطابها وبدائلها ومشاريعها. ولعل اليأس العام الّذي ميَّز المرحلة هو ما كان وراء هذا الاِنسحاب المشهدي من فضاءٍ عام اِحتلته فوضى الاِستهلاك والأنانية وتلاشي الشعور بالاِنتماء إلى المصائر الجماعية. هكذا اِنكفأ المثقف على نفسه وأصبح داعية للخلاص الفردي والاِنكماش على الذات والهرب إلى الفراديس الضائعة في عالم لم يعُد يؤمن بالخلاص الجماعي بعد اِنهيار الإيديولوجيات الكُبرى. إنّه عصر البحث عن الهوية من أجل التماسك في سديم الحاضر. ولكن من يضمنُ لنا، ونحن نشاهد ما يحدث عبر أصقاع العالم، أنَّ هواجس «الهوية» لن تكون «قاتلة» كما يُعبّر أمين معلوف؟ تلك هي المشكلة.

عبد القادر رابحي: الكونية الثّقافيّة وضياع الصوت الخافت للمثقف

قد لا تتجسد إشكالية حقيقة وضع المُثقف في عصرنا الراهن الّذي هو عصر الثورة الرقمية وعصر التحولات الجذرية التي تمس بنية المفاهيم والركائز التي طالما أسست لمكانته ودوره في المجتمعات، في سؤال صوته المُدوي أو الخافت، الاِجتماعي أو الفرداني، المُتحيز أو المُنساق، الصلب أو السائل، بقدر ما تتجسد هذه الحقيقة في قدرته على إيصال صوته إلى من يتوجه إليهم بخطابه، وفي الأهداف التي يرجو تحقيقها من خلال توجيهه لهذا الخطاب. ذلك أنّ صوت المثقف قد ساير كلّ مراحل التاريخ الثّقافي للمجتمعات بِمَّا فرضته عليه من ممكنات تطور مست هذه المفاهيم التي حدّدت دوره في المجتمع، فاستعملته لصالحها ضدّ إرادته في غالب الأحيان، وروّضت ما رأت في صوته المدوي مِمَّا اِعتبرته طيشًا فكريًا أو إيديولوجيًا أو سياسيًا لا يخدم مصالحها الظرفية أو بعيدة المدى.
يكادُ يكون المُثقف في غالب الأزمنة، بِمَّا يحمله من مهمة توليد الأفكار الجديدة القادرة على فهم ما غمض في مرحلة تاريخية معينة يعيشها، فيحاول من خلال هذا الدور أن يفك عقدها أو يفكك بنياتها أو يُوضح ما اِلتبس منها بسبب غموضٍ متراكم أو تورية متعمدة أو مراوغة متخفية في ثنايا تاريخٍ قد يطول وقد يقصر من الأكاذيب.
ولعله لذلك، كان دور المُثقف، في غالب الأحيان، دوراً طلائعيًّا في إنتاجه لرؤى وحلول تتوخى تيسير مسارات تبدو مغلقة في الواقع بالنظر إلى ما يشوب حالتها من حواجز مزيفة أو حقيقية قد تؤدي بالمجتمعات إلى الاِنفلات من محددات ما يُسيرها من مبادئ ومرجعيات ثابتة. هكذا كان دور المثقف، وهكذا اِضطلع بمهمة القيام به، بِمَّا وفرته له اللحظة التاريخية من إمكانات تأثير ووسائل أداء وطرائق اِستغلال وتوصيل وتبليغ تتوفر له أو يفتكها بمشاكساته المطلبية.
غير أنّ هذه الوسائل هي التي تُحدّد الدور الّذي يلعبه، والفعّاليّة التي من خلالها يُمكنه تحقيق رؤيته في الواقع سواء أكانت رؤية فردانية أم رؤية منفتحة على ما يتطلبه المجتمع من معارك فكريّة وسياسيّة وثقافيّة. فدورُ المُثقف في المجتمعات المتطورة التي لديها تاريخٌ من الممارسة الديمقراطية التي تنتج عن حريّةٍ فكريّةٍ وسياسيّة مُكتسبة منذ قرون عديدة، ليس هو الدور نفسه الّذي يقومُ به المُثقف في المجتمعات التي لا تزال تُعاني من عوائق الكولونيالية والاِنحطاط الحضاري والهشّاشة الهوياتية والاِنغلاق السياسيّ والتخلف الاِجتماعيّ، والتي يُواجه فيها المُثقف مصيراً يكادُ يكون مجهولاً بالنظر إلى التحديّات التي يجب عليه أن يتحملها كمسؤولية تاريخيّة للقيام بالمهمة التي ذكرناها سالفًا في مجتمعات ينتسب إليها وهي لا تفهم صوته القريب، ومجتمعات لا تريد أن تسمع صوته أصلاً لأنّه لا ينتسب إليها.
إنّ صوت المُثقف في هذه المجتمعات ليس هو صوته في المجتمعات المتطورة التي تُوفر له من الإمكانات ما يجعله غير معني تمامًا بِمَا يدفعه إلى المطالبة بالدفاع عن قضايا إنسانية كُبرى تدخل في صلب اِهتمام المُثقف في المجتمعات المتخلفة (العربيّة تحديداً) كقضية فلسطين أو قضية الدّكتاتوريّات المُستديمة والحريات المُنتهكة، أو قضية عودة التغول الكولونيالي والاِستعمار الجديد. هذه القضايا لا تدخل تمامًا في مفهوم الإنسانيّة من وجهة نظر مُثقف العالم الغربي المُهيمن بشعرائِه وروائييه وفلاسفته ومُفكريه الكبار الذين أنتجتهم الثّقافة الغربيّة من صلب رؤيتها المركزيّة المهيمنة في طرحها لمفاهيم الذات والعالم والآخر. هؤلاء المثقفون يشغلهم عادةً مفهومٌ آخر للإنسانية بِمَّا تطرحه وجهة النظر الغربيّة من قضايا تهمهم بالدرجة الأولى كقضية ثقب الأوزون والرحلة الفردية للفضاء وإشكالية وضع الشريحة الإلكترونية في اليد اليمنى للإنسان «الأعسر» الّذي سيتحوّل إلى كائن رقمي خارجٌ لتوّه من مخابر البحث المُبرمجة على أهداف يُرجى منها التحكم في أدق دقائق ما ستفعله الأجيال الجديدة من المثقفين في مستقبل الأيّام. ولعله لذلك، يبدو المُثقف في المجتمعات المتخلفة أبعد ما يكون عن عوالم ما يعيشه المثقف في المجتمعات المتطورة، ويبدو صوته، بناءً على ذلك، أكثر نشازاً إذا ما قُورِنَ بصوت المثقف ومدى تأثيره في هذه المجتمعات.
لقد لعب المجال الحضاري، بِمَّا هو عاملٌ فاعل في تحديد مجالات ومصائر الثّقافات الإنسانيّة وتوجهاتها، دوراً مركزيًا في التحكم في خريطة الطريق التي يجب أن يسلكها المُثقف في أي مكان كان بناءً على وضعيته الوجوديّة وشرطه التاريخي. ولا تزال الجغرافيا إلى اليوم تصنع الرؤية المركزية التي يحملها المثقفون عن العالم وعن قضاياه الشائكة، سواء أكانت قديمة بِمَّا ورثته من تداعيات لعقد تاريخيّة لبنية وعيه الراهن، أم حديثة مستجدة بِمَّا زوده العصر بها من عوالم اِكتشافات جديرة بأن تكون ضمن مجال اِهتمامه الفرداني أو الاِجتماعي ولعله لذلك، لا يمكننا أن ننتظر من روائي نيويوركي شاب أن يكتب رواية عظيمة أو ركيكة عن معاناة أطفال فلسطين وهم يعيشون المحق تحت وطأة الاِحتلال الصهيوني، لأنّ قضية فلسطين لم تكن من ضمن منظومة تكوينه الثقافيّ والإيديولوجي ولن تكون من ضمن اِهتماماته الاِجتماعية أو في صلب تفكيره الفرداني. مثلما أنّه لا يمكننا أن ننتظر من مثقف فلسطيني أن يكتب عملاً عظيمًا عن معاناة السود في أحياء هارلام الحزينة، فما بالك بكتابته لرواية عن غزو مخلوقات غير أرضية لمدينة نيويورك.
هكذا تتشكل الأنساق التي تُحدّد مجالات الاِهتمام بالقضايا الكُبرى للإنسان، وتُحدّد، بموجب ذلك، أطروحاتها الجماليّة والذوقيّة بناءً على المعطى الحضاري الذي ينتج التصورات الثّقافيّة ويتحكم في مساراتها وفي أهدافها. ولا يمكننا أن نُنكر أنّ ما يحمله المفهوم المُعولم للأدب وللثقافة في ظاهره الّذي ينشر القيم الثّقافيّة الكُبرى ويُوصل صوت مثقفيها إلى الجموع المُنتشرة في أطراف القريّة الكونيّة، لم يفعل أكثر من كونه قد أنتج آليات تكنولوجية وتواصلية لقمع الصوت الآخر للمثقف الآخر الّذي أصبح دوره هو الاِستماع إلى جوقة الصوت الكوني المُهيمن للثقافة الغربية التي أنسته ضرورة الاِلتفات إلى صوته المبحوح الضائع في دهاليز الاِفتراض الكونية.
لقد اِنطلى مفهوم الأنسنة، كما سوقت له السرديات الحداثية وما بعد الحداثية وكما تلقفه المثقف الشرقي المحجوب عن الرؤى النقدية الحقيقية للثقافة الغربية بسبب ما يُعانيه في مجتمعه من عوائق، على أكذوبة كُبرى طالما روّج لها بكلّ قِواه الصوتية في ما كتبه من إبداعات وما نافح عنه من تفكيرات وما روّج له من مواقف، وهي الأكذوبة التي كان المُراد منها تذويب صوت الحضارية لِمَا لا يزال الغرب يُسميه بـــ(الثّقافات المحلية) في بوق الصوت المعولم المُضخم حد الصمم بقدرة ما حققته من هيمنة غربية على العالم.

الرجوع إلى الأعلى