صدر منذ أيّام عن دار الباحث للنشر كتاب «خطاب الكراهية في النص التاريخي الوسيطي». للكاتب والباحث الدكتور البشير بوقاعدة. الكتاب، عبارة عن دراسة تحليلية مستفيضة لنماذج من مصنفات المغارب، ولج من خلالها الباحث إلى موضوع خطاب الكراهية، ودفعته على مقاربة هذا الموضوع بعض مظاهر هذا الخطاب عبر وسائط التواصل الاِجتماعي و الصدامات الفكرية المشحونة بنبرة التطاول والاِزدراء والتحامل والمُبالغة على حد تعبيره.

وتسعى هذه الدراسة إلى رسم الخطوط الأولية لإشكالية خطاب الكراهية في النص المصدري التاريخي الوسيطي الّذي لا تزال مادته تستنجد بأقلام المختصين لمباحثة إشكالية مدى اِلتزام أصحابه ومُنتجيه بالموضوعية، وتحديد مستويات اِحترامهم قواعد التأريخ والتزامهم بمنهجه. وقد ارتأى الباحث في كتابه هذا، تتبع صنفين من خطاب الكراهية الّذي تضمّنه النص التاريخي الوسيطي. الصنف الأوّل: هو الخطاب الّذي صدر من رواة الأخبار؛ مصنفين ومؤرخين وكُتاب ومترجمين، وتُمثّل مادته سواد البحث الأعظم أو مساحته الغالبة. أمّا الصنف الثاني: فهو الخطاب الصادر من الشخصيات التي خصّها التصنيف التاريخي بمعالجة أخبارها وتدوين أحداث تاريخها، ويُمثّل نسبة ضئيلة من مساحة مادته.
كما تمّ تسليط الضوء على مشكلات كثيرا ما تحاشاها القلم البحثي، ولم تلتفت إليها أعين أصحابه بالصورة التي تسمح بتسويد بعض بياضات إشكالية الخطاب التاريخي وقضاياه المغيبة وجهود إعادة معالجة رواياته المشحونة بخطاب الكراهية ونصوصه ذات حمولة عدائية للآخر عن غير بيّنة ومستند تاريخي ثابت ومقنع، بما يُعين على تصحيح بعض هنات كُتّاب الأخبار، والتنبيه إلى جُملة مزالقهم المنهجية، وإيضاح بعض غوامض الأخبار التي ضمّنوها مصنّفاتهم. كما يعتبر هذا الكتاب البحثي، محاولة نفض الغبار عن بعض الجوانب المعتمة في تاريخ بلاد المغارب في العصر الوسيط لاسيما ما تعلّق بشخصية المصنِّفين، ومستويات موضوعيتهم في مسارهم التدويني، وطبيعة وجهات نظرهم الذاتية من الأحداث التي نسجوا أخبارها في مؤلفاتهم ومواقفهم الشخصية حيالها؛ وذلك من خلال ملاحقة تمثلات تلك المواقف ووجهات النظر المتعصبة والمتحيزة والمشحونة بخطاب الكراهية في متن النص الوسيطي في شقه المتعلق بأخبار المغارب، وذلك في سبيل تحديد مدى مصداقية الأخبار التي تضمّنتها تلك المتون، ومعاينة بعض الأغراض والمرامي التي أطّرت وجهات نظرهم وتحكمت في تحديد مواقفهم، دون إغفال جهد الحفر في مدى مصداقية تلك الرؤى ومستوى موضوعيتها بالنظر إلى ما سجّله النص المصدري بخصوص نفس الحدث سيما إن كان صاحبه لم ينقل عن صاحب النص محل المعاينة وإنّما كانت موارده الخبرية حقولاً أخرى أكثر مصداقية؛ أي ضمن جهد نقدي تحليلي مقارن للرواية المشحونة بخطاب الكراهية بأي وجه كان من أوجهه. وعن سبب تطرق المؤلف لهذه الإشكالية وفي هذا الظرف والوقت بالذات، يقول في مقدمة الكتاب: «إنّ ولوج موضوع خطاب الكراهية إلى دائرة اِهتماماتي يعود إلى سنة 2018، حين وقفتُ على بعض مظاهر هذا الخطاب عبر وسائط التواصل الاجتماعي وعاينت نماذج من الصدامات الفكرية المشحونة بنبرة التطاول والازدراء والتحامل والمبالغة»، مضيفا: «لم أعقد العزم حينها بشكلٍ حازم لتحديد إشكالية تاريخية ذات صلة أخوض غمار معالجتها؛ لأنّني لم أهتد زمنئذ إلى موضوع يتناغم وتخصصي في مجال البحث التاريخي. لكن صلتي به تجدّدت وتوطدت أكثر حين شاركت في الندوة العلمية الوطنية حول الاِتصال في الأسرة الحضرية الجزائرية والتنشئة على قيم المواطنة، التي أشرف على تنظيمها مخبر علم النفس الإكلينيكي، بجامعة محمّد لمين دباغين سطيف2، يوم 12 فيفري 2020؛ إذ أُثيرت خلالها جملة من الإشكالات ذات الصلة بمسألة خطاب الكراهية من طرف الأساتذة المحاضِرين، فتنامت رغبتي وقتئذ لخوض غمار معالجة إشكالية ذات صلة بخطاب الكراهية. وقد اِهتديت بعد فترة من المطالعة والبحث إلى اِستتباع مظاهر ذلك الخطاب ومدى حضوره في متون النص التاريخي المصدري المتعلق بتاريخ المغارب في العهد الوسيط. بِمَا معناه؛ أنّني وجّهت أنظار قلمي لمعالجة تمظهرات خطاب الكراهية التي شابت مادة النص التاريخي أو التي صدرت من لدن شريحة النُّخب العلمية التي اِنتصبت للتصنيف التاريخي وتدوين الأخبار وجمع أحداثها. وكذا محاولة الكشف عن المخارج من ضيق المخنق الّذي فرضه خطاب الكراهية على رقاب تصور وفكر ووجهات نظر بعض كُتّاب الأخبار تحت طائل الإيديولوجيا والتمذهب والتحيز للسلطة والتعصّب القُطري الإقليمي، ونحو ذلك من الأسباب الدافعة لإنتاج هذا الخطاب ضمن المسار التدويني التأريخي».
الدكتور بوقاعدة، وعلى مدى صفحات كتابه، بذل قصارى جهده في اِستتباع مظاهر خطاب الكراهية في مساحة عريضة من نصوص المادة المصدرية التي أمكنه الوصول إليها، وتحديد مواطنه، ورصد مؤثراته على قيمة المادة المصنَّفة ومصداقية الحدث التاريخي.
نـوّارة لـحـرش

    • السيــرة و الروايــة .. قصـــة التبـــاس

      السيــرة و الروايــة .. قصـــة التبـــاسكيف نقرأ السيرة الذاتية في الروايات الجديدة والتماهي بين السير ذاتي والتخييلي. وهل ملامح وظلال السيرذاتية واضحة فيها؟ وهل يمكن القول حقاً إنّها أحد...

    • الرواية والتنوير في الخطاب السياسي والتاريخي والتراث

      الرواية والتنوير في الخطاب السياسي والتاريخي والتراثI – في الخطاب السياسييجدر التنبيه منذ البداية إلى أنَّ الفصل بين التنوير في الخطاب السياسي والتاريخي وفي التراث العربي الإسلامي، ليس سوى خطوة منهجية من شأنها أن...

    • جوديث بلمسة جنتلسكي

      جوديث بلمسة جنتلسكي     أواصل في هذا المقال رحلتي مع «جوديث»، وسأركّز على عمل الإيطاليّة «أرتيمسيا جنتلسكي» Gentileschi لأنّها المرأة الوحيدة – حسب علمي – التي استلهمت هذا الموضوع بين كثير من...

    • فيوضـات

      فيوضـات* عبد الحميد شكيلفي الوقت الذي كانت الشجرة،تترجّل من مخدعها لتدرك سلة الوقت.. لم تكن الأشياء تتجرّد من عطر الماء..لم تكنِ السماء في حالة طهارة،...

    • إعلام الذاكرة .. المهنية تبطل محاولات التزييف

      إعلام الذاكرة .. المهنية تبطل محاولات التزييفترى، ما هو الدور الأبرز والأهم والضروري الّذي يمكن أن يقوم به الإعلام وقنوات إعلامية مختصة في الذاكرة، للحفاظ على الذاكرة الوطنية، في وقت أصبح فيه...

    • ثنائية المادي والإنساني في مسرحيّة "المُهرّج"

      ثنائية المادي والإنساني في مسرحيّة قدّمت مسرحية المهرج للمخرج الشاب وليد عبد اللاهي عرضاً غاية في العُمق والدلالة، ديكور بسيط يتمثل في محطة قطار، في الخلف ساعة كبيرة ضوئية متوقفة عند...

    • جوديث بلمسة كارافاجو

      جوديث بلمسة كارافاجو     أواصل في هذا المقال رحلتي مع عوالم «جوديث» في تجربة بعض مصوّري عصر النهضة، وسأخصّ بقراءتي لوحة الفنّان الإيطاليّ «كارافاجو»(Caravaggio) التي تأتي تكريسا للوعي الذكوريّ المؤمن...

    • فــــوق جســـرهـا الثـــامــــن

      فــــوق جســـرهـا الثـــامــــنعشتُ في قسنطينة عمراً أسافر وأعود إليها، لا مبالية بما يميزها، أو يشغلني عنها، ويطبع تصرّفاتي وردود أفعالي منها، مقاومةً بالتّجاهل تلك النّظريات،...

    • القمـــر نهــارا

      القمـــر نهــارا* رفيـــق طيبــــي كان المساء جافا قبل أن تنهمر من بين يديها السّواقي.كانت المساحات بردا قبل أن تلج الخيال.صارت الجدران بهاءً والسكون أغاني تهلل...

    • عن « الأدب والاستشراف»

      عن « الأدب والاستشراف»هل يمكن الحديث عن أدب استشرافي أو أدب الاِستشراف في الجزائر والوطن العربي، وعن أعمال أدبية ذات نزعة تنبؤية، أو استباقية لأحداث ووقائع تناولتها بعض...

    << < 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 > >> (97)
الرجوع إلى الأعلى