العمارة التراثية تعاني من عولمة المكان
ينتج عن الهوية مخرجات تعبر عن أصالة الإنسان، وانتمائه لبيئته، وتعد العمارة أهمها، كونها الشاهد الأبرز على تواجد الشعوب في منطقة معينة، حيث تمزج الخصائص الاجتماعية، والهوية المكانية لبيئة السكن لتشكل توليفة من المدلولات الفلسفية والتاريخية، بنمط فني تتجلى فيه القيمة التراثية، فضلا عن إضفاء العمران التراثي جمالية على المساحة وتوفيره الراحة النفسية لقاطنيه.

إيناس كبير

العمارة تراكم لتجارب إنسانية
وبحسب المختص في الهندسة المعمارية والباحث في التراث، سالم هادف، فإن المعماري يقتبس عصارة من المفاهيم والرموز الاجتماعية والاقتصادية فضلا عن الدينية، ليطبقها في البنية المادية للمعمار، رابطا بين مكونات هوية المجتمع والعلاقة بينها وبين الطبيعية الأم، فتأتي العمارة التراثية بكل محدداتها بمثابة بطاقة تعريفية بصرية لشعوب تلك المنطقة، كونها تتأسس على تاريخهم وحضارتهم، وتعبر عن قيمهم وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.
واعتبر هادف، بأن الهوية المكانية هي الرابط بين الإنسان وأجداده والأرض التي انتموا إليها ومارسوا عليها مختلف نشاطاتهم، لذلك فإنها تعزز روح الأصالة والجانب الوجداني ، كما أوضح، بأن التراث أخذ وقتا طويلا ليتطور عبر حقب تاريخية مختلفة ليصل إلى هيئته المتعارف عليها، وقد ساهمت تجارب الإنسان الطويلة في إعطائه محددات وأنواع مختلفة، وهو ما يميزه عن البناء الحديث الذي يميل إلى النمطية.

 وأضاف، بأن لمختلف البلدان تراثا معماريا ضاربا في القدم، مثل المنطقة العربية الإسلامية، إذ ذكر الباحث في التراث، بأن تاريخ تراثها يصل إلى آلاف السنين، بينما تكونت الهوية المعمارية لمناطق أخرى حديثا، مثل المدرسة الحداثية في أوروبا التي تشكلت سريعا مع النمو الاقتصادي والتوجه نحو التصنيع بين الحربين العالمية والثانية، وقد أقصت بذلك العمارة التراثية وعلق هادف، بأنها ارتكبت خطأ جسيما بذلك، وعلل بأن الهندسة العتيقة كانت تهتم بخصائص كثيرة أهمها الجوانب الاجتماعية، مثل الفراغات في التصميم التي توفر مساحات تلبي أغراض سكان البيت، ناهيك عن قيمتها الجمالية، كما توفر أساليب الترفيه كصحن الدار، فيمكن لصاحب البيت أن يضيف مختلف العناصر التي تساعده  على الشعور بالراحة داخل بيته مثل اتخاذ مساحة منه كمجلس لاستقبال الضيوف، أو يجعل جزءا منه بمثابة حديقة يروح فيها عن نفسه.
واعتنت العمارة التراثية أيضا، وفقا للمختص في الهندسة المعمارية والباحث في التراث، سالم هادف، بالعلاقات الإنسانية كما عبرت عن القيم الاجتماعية و التضامن الكبير الذي كان يجمع كل أفراد العائلة داخل البيت  وعلق، بأن هذه التفاصيل جعلت البيوت التقليدية مصدرا للراحة النفسية والاجتماعية.
وتعدى اهتمامها بالتفاصيل الهندسية إلى خارج البيت، فكانت الأحياء والشوارع تتناسب وطبيعة النشاط الاقتصادي الممارس من طرف سكان الشارع، والخصائص المناخية للمنطقة التي لا يمكن اعتمادها في مكان غيرها، وفي هذا السياق قال هادف، بأن هذه الفروقات بين العمارة التقليدية والحديثة جعلت الغرب حاليا يتجه نحو التيار ما قبل الحداثي والعودة إلى المعمار التراثي من ناحية الشكل، ومواد البناء الطبيعية التي كانت توظف في إنشائه.
المدينة الجزائرية تبحث عن هويتها

ويرى المختص، بأن موضوع الهوية يعرف تعقيدات كثيرة، جعلت إعادة بعث العمارة التراثية في حاجة إلى عمل فكري ومجتمعي كبير، خاصة ما تعلق باللُّبس في تعريف هذا النوع من العمران، وقال بأنه جاء نتيجة الاحتلال الطويل الذي عانى منه العالم العربي، وشرح بأن قسما كبيرا من المجتمع يشير بوعي أو بدون وعي إلى أن العاصمة «الكولونيالية» فضلا عن بعض الأبنية الموجودة في الجنوب التي شيدها الاحتلال كعمارة تراثية، كما تطرق للحديث عن تجارب بعض الشعوب الشرق آسيوية، التي ماتزال تحافظ على أحياء كاملة خاصة بالعمارة ذات الهوية.
ويقول محدثنا، بأن المعماريين يمكنهم تقديم العمارة التراثية على أنها مرتبطة بالهوية، لكنهم يصطدمون بأزمة التأثر بالعمارة الغربية التي يصنفها المجتمع على أنها الأكثر رواجا وتحمل رمزية الحداثة، مضيفا بأن الثقافة السائدة اليوم تجعل الزبون يتوجه نحو اعتماد الرائج في تصميم وتجهيز البيوت والمرافق، أو وفقا للنمط التجاري الذي يهتم بالجدوة على الأصالة، وأردف بأن، مهمة إقناعه في هذا الجانب تنتهي في أغلب الأحيان بالرفض.
وأفاد المختص في الهندسة المعمارية، بأن المهمة التي تقع على عاتق المعماريين والأكاديميين في الجامعات والمعاهد في الوقت الحالي، هي جعل المجتمع ينتمي إلى العمارة التي ترتبط بهويته بغض النظر عن الجانب الجمالي، كما عليه أن يفرق بين الإعجاب والانتماء إلى الشيء وقال، إن السبب الذي يجعل المدن المحلية عبارة عن ناتج حداثي هو تكرار المدارس المعمارية للتجربة الأوروبية، فضلا عن التأثر بعمارة ثقافات أخرى، وأوضح بأنه توجد الكثير من خصائص العمارة المحلية التي تعاني من التقصير، وتتطلب إعادة النظر فيها ودراستها منهجيا، خصوصا ما تعلق بتهيئة بعض الأحياء العتيقة والجمع بين العمارة التراثية ومتطلبات الحياة العصرية، مثل المنازل المتواجدة بقصبة الجزائر أو قسنطينة، والتي تحتاج إلى تطوير وتوفر عناصر الراحة والتكنولوجية الحديثة داخلها، حتى تتمكن من تجاوز المشاكل المتعلقة بالإضاءة والكهرباء والتكييف.
من جهة أخرى، لفت هادف إلى تكلفة إعادة صيانة هذا الموروث       وقال إن هنالك اتفاقيات دولية في هذا الإطار تنص على حماية التراث المادي واللامادي والطبيعي، وإدماج التراث في الحياة الاقتصادية مثل السياحة التي توفر مدخولا يُوجه قسم منه إلى صيانة دورية للعمارة التراثية حفاظا عليها من الضياع والتهدم.
الأحياء المحيطة بالمراكز التاريخية أبرز رهانات المعمار التراثي

وأشار المختص في الهندسة المعمارية والباحث في التراث، سالم هادف، إلى أن الأحياء المحيطة بالمراكز التاريخية والتراثية تحتاج أيضا إلى إعادة تهيئة، لأنها لا تملك طرازا يعكس الهوية المعمارية فضلا عن أنها تشوه المظهر العام للمكان، كما يحتاج المحيط الذي تتواجد به إلى دراسة ووضع استراتيجيات للجمع بين العمران التراثي والحديث، وتأهيل المركز التاريخي ليتأقلم مع الاستخدامات الحديثة. وشرح، بأن العمارة تحتكم إلى قواعد أساسية تبرز الجوانب الإيجابية والجمالية، فضلا عن تركيزها على إبراز التفاصيل الفنية التي تعطي قيمة تراثية، إلى جانب الاهتمام بالنوعية على حساب الكم، وتحسين مستوى البناء ليصبح أكثر إثارة للانتباه وجذبا للزبون، ونبه هادف إلى العقلانية في اقتباس الرموز التراثية وتوظيفها في البناء، حتى يتماشى مع استخدامات العصر، ويكون متأقلما مع المحيط.
وقال المختص، بأن أبرز الرهانات التي تواجه، العمارة ذات الهوية     هي الحاجة إلى توفير مدن تمتص أزمة السكن، فضلا عن اختيار الكثيرين للمدن الحضرية لتشييد منازلهم، وهو ما لا يتناسب والبناء وفق الطراز العتيق الذي يتطلب مساحة كبيرة، وواصل هادف بأن المعماري يجد نفسه أمام إشكالية كيفية إنتاج عمارة تتماشى مع الاقتصاد التصنيعي الحديث والعمارة التراثية.  
وذكر محدثنا، بأن الرهان يقع أيضا، على التكوين الأكاديمي للمهندسين والمعماريين الشباب، الذي تشوبه بعض الأخطاء بحسب ما أوضحه، خصوصا ما تعلق بعدم قدرتهم على تجاوز توظيف العناصر الحداثية في تصاميمهم، والاهتمام بالشكل والمحتوى وربطهما معا بالتاريخ، وأردف بأن المناهج الخاصة بتدريس الهندسة المعمارية تحتاج إلى إعادة نظر فيها وتضمين برنامجها للعمارة التراثية بشكل أساسي، وقال، يجب الموازنة بين الطرازين في البرنامج، فإذا كان التكوين في العمارة الحداثية بنسبة 50 بالمائة، فيجب أن يكون النصف الآخر من نصيب العمارة التراثية، فضلا عن حاجة المهندس والمعماري إلى التكوين وفقا لخصائص المنطقة المحلية وتغليب الاهتمام بالقيمة على المادة، وفقا للمتحدث، وهو ما سيعيد البوصلة إلى العمارة ذات الهوية.

الرجوع إلى الأعلى