وضعت وسائلُ التواصل الحديثة “الصّناعة الثقافيّة” الكلاسيكية في حرجٍ، لأنّها أعادت صيّاغة قواعد اللّعبة مانحة “المجد”  على أساس الانتشار واستقطاب اهتمام  المتسكّعين في الفضاء الأزرق، بعد أن جرّدت “المؤسّسات” المنتجة من حظوة تمتّعت بها لقرونٍ وجعلتها تستسلمُ لنواميس التكنولوجيا التي تجاوزت خالقها في التدبير ودفعته إلى اعتناق ديانتها.
إنه السخاء الآلي الذي منح كلّ راغبٍ ما يريدُ، دون حاجة إلى التدقيق في قيمة بضاعته مادام السوقُ السيّد يتولى ترتيب المعروضات على أساس النّقرات بنات النظرات الزائغة نحو الظاهر المثير.
وبموجب ذلك يستطيع أيّ مهرّج أن ينال اهتمام ملايين المتابعين في ظرف أيام أو ساعات، في حين لا يُشاهد مقابلة هامّة مع «بول اوستر» سوى بضعة آلاف في عدّة سنوات.
 وقد لا تكفي صرخة «امبرتو ايكو» المحذّرة من سلاح الحمقى لتوصيف ما يحدث في عصرنا السّعيد، خصوصاً في المجتمعات قليلة النّصيب من المعرفة التي «تنساق» خلف «أنبياء» الوقتِ دون تفكيرٍ، بسبب افتقارٍ موصوف إلى فيتامينات النقد نتيجة أنظمة تغذيّةٍ خاطئةٍ ونتيجة الدّمار الذي لحق الإنسان بسبب التواجد تحت سلطات الاستعمار والباطرياركات.
لقد أعاد مصمّمو البرمجيات النّظر في مفهوم القيمة وأساليب التأثير، ولم يعد «للمتذوّقين» الكبار من فلاسفةٍ ونقادٍ وحملة أفكار ما يفعلونه، لأنّ عين المتلقي أصبحت هي ميزانه، مهما كانت غبيّة، إذ يكفي أن يجلس إلى هاتفه الذكيّ ساعة، كي يتحوّل إلى مُنظّرٍ وقد ينزل إلى الشّارع ليغيّر مجرى التاريخ !
وربما ابتكر المهندسون وهم يستهدفون الحواس «الإنسان الجديد»  الذي «يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا»، ليس كالعاشق في أغنية فيروز الشهيرة، ولكن كالمتعرّض إلى دغدغة الإثارة الذي يستجيب بطريقةٍ آليةٍ.
لقد نال «اللوجيسيال» من الأدب والفلسفة والموسيقى والقوانين والأخلاق والمثل، ونمّط الآدميين بأقلّ تكلفة ممكنة.
ولا بأس والحال، هكذا وكذلك، أن ينصرف منتجو الأفكار إلى إضحاك النّاس أو إثارتهم بالتعابير الصادمة استجلاباً للغضبِ أو التعاطفٍ، على حساب القيمة المنسيّة أعلاه، وعلى حساب الحقّ والحقيقة.
و لا بأس أن يُقدّم مبدعو فنون ملعونة كالأدب أنفسهم في الميديا الجديدة، على طريقة عارضات وعارضي الأزياء.
سليم بوفنداسة

    • مُستقيمون!

      سليم بوفنداسة قد تكون عمليّات التفتيش والتحقيق في طريقة صرف الميزانيات والإعانات التي أعلنت عنها وزارة الثقافة خطوة في الاتجاه الصّحيح، إذا تمّت على نحوٍ دقيقٍ يكشف بصفة قانونيّة ما كان يُقال في دوائر ضيّقة عن «فساد» القطاع...

    • لا تُلمس!

      سليم بوفنداسة أثار إعلان الذهاب إليها أسئلة ومخاوف، لأنّها عادة ما تأتي إلى النّاس و تعفيهم من مشاقّ الطّريق. تحضرُ كلّما أمعنت في الغياب، الأزليّةُ، التي ستبقى حين يرحل الرّاحلون ويتركون الظّل الأثر على الجدران، وتبقى حين يسقط كلّ...

    • وصفُ التعاسة!

      سليم بوفنداسة يحتاجُ الأدبُ إلى انصرافٍ عن صخب الحياة، لأنّه حياة أخرى قائمة الأركان ولأنّ عبور الكاتب محدود في سنواتٍ قد تضيع إذا حمّل نفسه فوق طاقة عابرٍ.لذلك يبدو إسراف الكتّاب في الانشغال بالشأن العام في هذه المنطقة المظلمة من كوكبنا...

    • نراهُ

      سليم بوفنداسة عاد الطاهر وطار هذا الأسبوع ليقف على حجم الفراغ الذي تركه في الحياة الثقافيّة الوطنيّة، وكانت ذكرى وفاته مناسبة لاستعادة الكاتب كشخص ستذكرُ مواقفه وسيستغلّها «أحياءٌ» للحديث عن أنفسهم كما أصبح شائعاً، في حين يُنسى الأثر،...

    • مجانبة

      سليم بوفنداسة تشكلّ الرّغبات العارمة في التجمّع والكلام إحدى العقبات في مواجهة الجائحة، ما يستدعي البحث عن سرّ هذه الحاجة التي قد يموت النّاس من أجل تحقيقها.حيث لم تتوقّف التجمّعات السريّة حتى في أوقات الحجر التي يختفي فيها...

    • الأبديُّ

      سليم بوفنداسة أكمل محمّد ديب مئة سنة من عبوره، ولم تكن المئة الأولى كافيّة لنقرأه على الوجه الصّحيح في البلاد التي شهدت خطواته الأولى وشكّلت ذاكرته الذي ستجود على العالم بكل «هذه» الروائع. فالكاتب يكاد يُختصر إعلامياً في...

    • حدّثني عن ليبيا !

      تحجبُ أخبارُ الحرب أخبارَ الحياةِ في ليبيا القريبة منا البعيدة عنا. ليبيا التي تتعرّض لمحاولة تمزيق  في استعراضٍ مُخزٍ بين قوى دوليّة و حتى"أشقّاء" يريدون وضع اليد على ثرواتها وفرض الوصايةِ على شعبها المُنهك بسنوات الدكتاتوريّة وسنوات الثورة التي...

    • «أُحيِّيكَ»

      أُحيِّيكَ. أُحيِّيك وقد تركتها عالقة في الضوء وغفوت: مدينتك التي كنت تعيد تشكيلها بأصابعك في الهواءِ كي تنفض عنها ما ترهلّ، كي تصقلها قليلاً حتى تصبح صالحةً للعرض. مدينتك التي لم تجد فيها حائطاً تعلّق عليه ما رأيت.أُحيّيك وأنت...

    • خلط

      يجري هذه الأيام ربطٌ غريب بين مواضيع ليس بينها رابط في نقاشات لا تتوقّف على شبكات التواصل الاجتماعيّ، تحيل أحيانا إلى «مشكلات» في التفكير، خصوصاً حين تدور بين نخبٍ يفترض أنّها تعتمد المنهجيّة العلميّة في الطرح ولا تخلط المواد...

    • تيــــه

      يؤدي الخللُ  في ترتيب الأهداف والأولويات إلى  التّيه الذي قد يتحوّل مع الاستفحال إلى حالة تخبّط وضياع.و تُسحب وضعيّة الفرد التّائه على الجماعات التّائهة التي قد تضيّع عقوداً من تاريخها في الجدل الهامشيّ وقد تسلك دروباً جانبيّة ...

    << < 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 > >> (21)
الرجوع إلى الأعلى