برزت في الفضاء الإعلاميّ الوطنيّ ظاهرة المذيع المستبدّ الذي يتحدّث أكثـر من ضيوفه ولا يترك لهم المجال لتقديم أرائهم، يحدث ذلك في التلفزيونات كما في الإذاعات، حيث يتحوّل المقدّم إلى خطيبٍ يصرفُ ثُلث الحصّة في التّقديم والتّأكيد على دور المؤسّسة التي يشتغل فيها في توازن الكون وثلثين في تقديم أرائه واستنتاجاته، وقد يجودُ على الضيوف بما تبقى قبل أن يُداهمهم الوقتُ.

و يضطرّ مُختصّون وخبراء قادهم القدر إلى حصصٍ لمجاملة مذيعة لم تقمُ بتحضير الموضوع، فتضطر إلى طرح أسئلة مدرسيّة أو مذيع أسرف في جمع المعلومات ويريد استعراضها بالمناسبة.
ثمّة قواعد مهنيّة وأخلاقيّة ضاعت مع الانفجار الإعلاميّ وتعدّد وسائل الإعلام و توسّع رقعة البثّ، و يبدو أنّ "التحكّم" في المادة المقدّمة تحوّل إلى مشكلة  ازدادت تعقيداً بفعل تأثير مواقع التواصل بنجومها التي دفعت مُشتغلين في الإعلام إلى التخفّف من المهنيّة لمجاراتها، بل وإلى خلع ثوب المهنة في كثيرٍ من الأحيان، فيتحوّل المقدّم إلى موضوع في حد ذاته.
و قد نغفل تلك المقاطعات في مُنتصف الجُمل، التي هي عادة نصادفها في كلّ مكان، حيث ثمّة دائماً من يقطع جملتك و ينوب عنك في إكمالها، أو نغفل تلك المحاورات الغريبة في الخطوط المفتوحة لجمهور واسع حول مسائل تستدعي تدخل أهل الاختصاص أو المرح الزائد الذي يدفع مذيعة، مثلاً، إلى مطالبة المتدخلات في الإذاعة بالزغردة طيلة الصباح السعيد.
صحيح أنّ "الميديا الجديدة" خلخلت الأداء الإعلامي حتى في دوّل عريقة، حيث أصبح البحثُ عن "الكلاش" و "البوز" هدفاً حتى في حصصٍ إخباريّة جادة، لكنّ ذلك لا يمنع من وضع ضوابط الأداء لحماية المهنيين من الانزلاق لا سيما في مؤسّسات موجهة للخدمة العموميّة ولا تعاني من تبعات الإكراهات التجارية التي تفرضها السوق، ولا تواجه ضغوطات لرفع نسب المشاهدة أو الاستماع، وبالتالي فبإمكانها المحافظة على القواعد المهنيّة والأخلاقيّة بل و تعزيزها مشفوعة بتكوين مستمرّ، يرسم للمتدخّل حدود تدخلّه ويقلّص مساحات اللّغو لديه ويدرّبه على فضائل النّقاش الديمقراطي الذي يجعل من المذيع طرفاً محايدا يتيح للضيوف فرصة استعراض الأفكار والآراء من دون أن يرهق نفسه أو مُتابعيه.
سليم بوفنداسة

    • لم تسقُط وحدَها

      كانت مُقاطعة إسرائيل عقوبة رمزيّة قاسيّة تعرّض لها هذا الكيان الدمويّ منذ اختلاقه، حيث ظلّ منبوذًا في مُحيطه ومفضوحًا أمام الرأي العام العالميّ، رغم دعم أقوياء العالم ولصوصه الذين دفعهم الجشعُ إلى حرمان الإنسانيّة من تحصيل...

    • ميزان

      لم تعُد كرة القدم مجرّد لعبة أو رياضة في المجتمعات "الناشئة" الطامحة إلى لعبِ أدوارٍ على المسرحِ الكونيّ، بل تحوّلت، بسبب تمثّلات، إلى اختبار مصيري في حياة شعوبٍ و أممٍ تفتقد إلى عناوين فخرٍ و أدوات رفاه، فتجعل من النّصر الكرويّ دليل تفوّقٍ في...

    • ماذا يفعلُ الشّعراء في العالم؟

      لا يستمتعُ الشّعراء باليوم العالمي للشّعر، كما تستمتعُ النّساء بيومهن، ولا ينالون العناية التي تنالها الأشجار في يومها، لأنّ حظّ الشعراء من الحبّ أقلّ من حظّ النّساء ومن حظّ الأشجار. يبدو الشّاعر مهمومًا بما يحدثُ في العالم وفي...

    • ساندروم

      يواجه الأفرادُ في المجتمعاتِ الأبويّة صعوبةً في الخروج عن الأنساق المرسومة سلفاً، بشكل يُعيقهم عن الإبداع ويحرمُ المجتمعات نفسها من التطوّر الطبيعيّ. و يمكنُ أن يقف الدارسُ بسهولة على انتشار "الخلايا الأبويّة" في أجسام مؤسّسات...

    • جنود التيه

      لم تستخلص الإنسانيّة الدروس من الحروب طيلة تاريخها الدموي، ولم تكن فترات السّلم سوى هدنة تُستغلّ تحضيرا لحربٍ مُحتملة، و لم تنل الحضارات المُتعاقبة من وحشيّة الإنسان، و لم تهذبه النظّم الاجتماعيّة التي استبدلت "الصراع"...

    • لهفةٌ

      تحوّل المعرض الدولي للكتاب إلى مُناسبة تُختصر فيها "قصّة الكتاب" في بلادنا، إلى درجة أنّ كثيرا من النّاشرين والكتّاب أصبحوا يُبرمجون أنفسهم على هذا الموعد، قبل أن يطمئنوا في هجعة طويلة. و الذنب هنا ليس ذنب المعرض ولا القائمين...

    • محاولةُ تحريضٍ على الانتباه

      منحت الجائحة فرصةً جديدة للتفكيرِ في الحياة و شؤونها، بعد "الإشباع" الذي تحقّق نتيجة ما راكمته الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة وجنوح دارسي العصر نحو فحص أثر التطوّر التكنولوجي على الإنسان. وهكذا بدأت تُطالعنا  دراسات ترصدُ التحوّلات...

    • حالةُُ تيهٍ

      تعاني "جماهير" الفنون والآداب في الفضاء العربيّ من مُشكلة في التلقي تجعلها تُحوّل صدور كتاب أو عرض فيلم إلى كارثة وطنيّة. ولا يُستثنى قطاعٌ من الصّحافة من هذا العارض، بعد أن استسلم لقواعد الإثارة التي فرضتها شبكات التواصل...

    • نهش

      تشربُ الرواية من حياة كتّابها ما يطيب لها، ثم تُظهر وتضمر وتموّه وفق براعة صاحبِها في الانتباه إلى عبوره وطريقته في "نهش" ذاته، فتأتي الحياة في الرواية تلميحاً لا  يُشبع نهم القارئ الواقف خلف ثقب الباب أو فضحاً يصدمُ المتلقي الحارس الذي...

    • وباءٌ كامنٌ

      يُرسل رفضُ الالتزام بإجراءات الوقاية من الوباء في الفضاء العام  إشارات  عن حالة  تحتاج المعالجة، خصوصاً حين يتوسّع هذا الفضاء ليشمل جامعات ومؤسسات مُنتجة للمعارف، وحين تُضاف إلى ذلك مظاهر رفض العلاج وإنكار الوباء والخوف من اللّقاح فإنّ الصورة...

    << < 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 > >> (26)
الرجوع إلى الأعلى