PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

محنةُ الطيّب!

يخرجُ من كهفِه قلقاً، يرجمُ العالم.لا شيء يسرّه في هذا الخلاء الواسع. لا شيء في مكانه. يشرعُ في ترتيبِ الأشياءِ و تفكيكِ ما يغضبه. يشرعُ في إلقاء المقولات و التدوينات لإصلاحِ الخللِ. يصرخُ. يهتفُ. يشتمُ.
يستعينُ بلغته المحفوظة في القواميسِ. يستعينُ بالكتبِ التي تناول في الكهفِ. يخطبُ.
كزعيمٍ عريقٍ مستاء من خفوتِ حماسةِ شعبِه إلى خطبه، كشيخٍ  هرمٍ جرى الزمن خلفه وجرى الماءُ لكنه لم ينظر إلى ساعته ولم ينتبه إلى ثقلِ الكلمات على لسانِه ، كمقولةٍ شائعةٍ تُسمعُ بأذن غير مكترثةٍ. كذلك شأن “المثقّف” حامل الهمّ الثقيل، النظيف، الطيّب، صاحب النوايا الحسنة، المستعدّ للتضحيّة بما يحسبُ أنّه ثمين، لائم غيره على تجنّب المذبحِ، ومتبني مشاريع إصلاح «الخللِ”!
لا ينتبهُ إلى ثقلِ الحملِ لا يفكّر في إلقائه أو الاستعانة بحمّالة معدنيّة.
لم يسمع الانفجار الكبير الثاني الذي غيّر النّواميس و المفاتيح وجعل اللّغة المصون التي يفاخر بها عرضةً للانقراض.
في هذه التخوم التعيسة يتحرّك «المثقّف» معرّضا نفسه للأذى والسخريّة والتجاهل في أحسن الحالات. وقد تكون المشكلة، هنا، مشكلته  وقد فاتته قراءة ما يحصل  و هو يأتى على دوره الكلاسيكي  ويخصّ بالحظوة مقاولين و مسيّرين وسماسرة  وساسة يتوفرون على الأسنان المناسبة لأكلِ الأكتاف كلّها، ويمتلكون أدوات «التأثير»  التي أحالت طيّب الذّكر والصّفات «النّضال» على تقاعدٍ غير مريحٍ وأنهت زمن الأفكار.
ثمة مأزق قد تكون هذه أسبابه، وقد تكون أخرى، وقد يكون نتيجة لا تحتاج إلى أسباب لإعلان نفسها. لكنّه مأزق يبدو فيه «الكاتب» الذي ينشدُ الأدوار والتأثير ويريد تبليغ الرسائل، مثيرا للشفقة.
ربما كان على السوسيولوجيا أن تنبّه الناس إلى تغيّر مواقع القيادة والتأثير في مجتمع  يقرأ –إن قرأ- الكتب القديمة، ما دامت «الميديا» قد انغمست في اهتمامات الغوغاء وأسرفت في ذلك.  وربما كان على منتجي الأفكار و «الجمال» أن يعاينوا بأنفسهم سلعتهم «في السوق» ليعرفوا أن العادات الاستهلاكية تغيّرت
و أن الجماهير أصبحت تأكل «أشياء» أخرى.
لم تعد  الأوضاع  كما كانت عليه في زمن الكلاسيكيين الذين حرّكوا المجتمعات، لذلك تبدو حالات تقمّص أدوارهم و الدعوة إلى ذلك غير مجديّة، وليس أمام الكاتب  في مثل هذه الحال، سوى امتلاك المفاتيح الجديدة أو الاكتفاء بدورٍ مهمٍّ  وغير مُجزٍ:إنتاج الجمال والكفّ عن إثارة الصّخب!

    • المُرسلون!

      أصبحوا في كلّ مكان ببذلاتهم  الأنيقة ومواكبهم السّريعة وأصابعهم المرفوعة أمام الكاميرات، ستّينيون في الغالب و خمسينيون ، يتحدّثون نفس اللّغة، يقدّمون “رواياتهم” الخاصّة عن الواقع فيبدو أنّهم يرون ما لا يراه غيرهم، لن يتردّدوا في مجادلة المهندسِ...

    • دار قومٍ صالحين!

      تحوّلت "الشكوى" إلى نقطة التقاء بين "المثقّفين" و"العامّة" على شبكاتِ التواصل الاجتماعيّ، الكلُّ يشتكي من منغّص ما،  ويمتدّ هذا "الما" من انتشارِ القاذورات في الفضاءات العامّة إلى تراجعِ مظاهر التمدّن وضعف المقروئيّة وفيضانات الأودية!يشتكي...

    • سُوء الفَهمِ

      تُعاني السينما في الجزائر من «سوء الفهم» تماماً كما تعاني من اختفاء القاعات، وتنسحبُ المعاناة الأولى على سائر الفنون، بعد اختفاء «النّقاد» وبروز «علماءِ الكلام» على شبكات التواصل الاجتماعي وفي بعضِ المنابر الإعلاميّة.وباتت...

    • التباس

      أحيت مُحاولات مواجهة الموسيقى بالصّلاة مخاوف النّخب، التي رأت في هذا النّوع الغريب من الاحتجاجِ عودةً للتيّار المتشدّد الذي خبا في أعقاب الحرب المدمّرة التي عاشتها الجزائر في الأنفاسِ الأخيرةِ من القرنِ الماضي.لكنّ الظّاهرة...

    • كرسيّ معزول

      استغرب الذين مازالوا قادرين على الاستغراب تحوّل  “كتّابٍ” إلى جنود إلكترونيين يدافعون عن قبائلهم وينتصرون لأشخاصٍ لا يجمعهم بهم سوى موقع”سقوط الرأس”، على اعتبار أن الكاتب نزل من شجرةِ السُّلالة و استعاض عن روابطِ الدم والعروقِ الدسّاسة...

    • محنةُ الطيّب!

      يخرجُ من كهفِه قلقاً، يرجمُ العالم.لا شيء يسرّه في هذا الخلاء الواسع. لا شيء في مكانه. يشرعُ في ترتيبِ الأشياءِ و تفكيكِ ما يغضبه. يشرعُ في إلقاء المقولات و التدوينات لإصلاحِ الخللِ. يصرخُ. يهتفُ. يشتمُ.يستعينُ بلغته المحفوظة في...

    • فصلُ المخاوف

      تقترحُ  وسائلُ الإعلام في مختلفِ أنحاءِ كوكبنا الصّغير على جمهورها الكتبَ المناسبة للصيّف، فصل العطلةِ والاسترخاءِ وفصلُ القراءةِ، أيضا.لكنّنا نفتقدُ هذه العادة  في بلادنا، لأنّ فعل القراءة بات يثيرُ الاستغراب في مجتمعٍ يُمعن في التوجّه نحو...

    • الرائحة

      بدأت أممُ سعيدةُ تتخلّص منها، تلك العادة المُتوارثة عن الأجداد القدامى الذين استباحوا حياة جيرانهم في الغاب، قبل ظهور الزّراعة وقبل أن ترفع الصّناعة وشقيقاتها عن الإنسان مشقّة الصّيد!لكن ثمة هوسٌ بها في الجزائر، إلى درجة أن...

    • الجودة والصدفة

      أثارت برامج تلفزيونية التعليقات الغاضِبة طيلةَ رمضان، إلى درجة أن القنوات المغضوبِ عليها، أصلاً، خصّصت حيّزاً معتبراً لهجاءِ جاراتها.و «النقد العارف»  الذي لا يكتفي بالغضب ضروريّ، في مثل هذه الحالات، لأنّ الأمر يتعلّق ببرامج «تعتدي» على...

    • الكتابة والهستيريا

      يتحوّل الكاتبُ المتمرّد إلى حملٍ وديعٍ حين يفردُ له السياسيُّ "مكانةً" وهميّة للحظات، ويخرجه الامتنانُ عن طبعٍ مألوفٍ، فيبدي، مثلا، تأثره لأن رئيسًا استقبله في منطقةٍ من النادر أن يستقبل فيها رئيسٌ كاتبًا! وقد يذهب أبعد ويغرف من...

    • الخادم وسيّده!

      تعوّد كتّاب المغرب العربي على تجنّب الخوض في الخلافات السياسيّة القطرية في خطاباتهم خارج النص، احترامًا لما يجمعهم وصونًا لمكانة المثقّف، الذي «يتفادى» السيّاسي ولا يُجاريه. لكن الطاهر بن جلون  المعروف بالتزلّف للمؤسسة الفرنسية ولدوائر...

    • رأى في المنام

      يقتل أحدهم ابنه ويحرق جثّته ويذهب لصلاة الفجر، ويقول للمحقّقين بعد ذلك إنه نفّذ ما أُمر به، في تكرار واضح لقصّة النبيّ الذي شرع في ذبح ابنه لأنه رأى ذلك في المنام.و لأن الذّبح العظيم الذي افتديّ به الطّفل الأوّل، لم يتوفر في...

    • ماجر ليس وحده!

      استغرب رابح ماجر غضب الجماهير والصحافة عليه، بعد فترةٍ وجيزةٍ من توليه الإدارة الفنيّة للمنتخب الوطني، لكنّه استعاض عن انصراف الجماهير والصّحافة بالله، الذي قال إنه بقيّ معه.و ماجر ليس أول من «يستقوي» على غيره بالله في حياتنا...

    • الفتوى والبوصلة

      يكتسبُ “شيوخٌ” يدعون معارف  في علوم الغيب وبراعة في تدبير شؤون الدنيا، سلطةً مُخيفة على العامّة التي أصبحت تسترشدُ بهم في أبسط الأمور. وتضعُ إحصائيات كُشف عنها، مؤخرًا، بمركز البحث في الأنتربولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران،...

    • الغِشاءُ والغِشاوة

      تفتقد الجزائر إلى التقاليد العلميّة التي تجعل المواطنين يتعاطون بنزاهةٍ مع الباحثين في مختلف الحقول، بل و يتجاوبون معهم، لأن الأمر يتعلّق بأبحاثٍ لها جدواها في تشخيص مختلف مشاكل المجتمع، مثلما تفتقد، أيضا، إلى صحافةٍ تفرّق بين...

    • بيتُ قاسم

      أغلق الرّجلُ الذي قاد عربَ الشّعرِ إلى بيتِ  العنكبوتِ أوّل مرّة «الجهاتَ»، و اختفى في صمته. لا لوم ولا شكوى. كأنّ ما حدث كان يجب أن يحدث. كأنّ الأسف غير ضروري، لأنه كجبل الملح القديم، لم يَجُد بكأسٍ واحدةٍ من النّبيذ.قبل 22 عاما فتح...

    • «ذاكرة محظيات رمضان الحزينات»!

      يتعرّض طارق رمضان إلى عملية نهشٍ يوميّة في وسائل الإعلام الفرنسيّة بشكل يوحي بأن الأمر يتعلّق بأكبر سفّاح في التاريخ الحديث،و من آخر اكتشافات الصحافة في هذا البلد أن حفيد حسن البنا لم يكتف باغتصاب النساء، بل اغتصب الشهادات...

    • هواءٌ مسموم

      أصبح «خطاب الكراهية» رياضة وطنيّة تُمارسُ على نطاقٍ واسعٍ، وتُتيح فُرجةً على شبكاتِ التواصلِ الاجتماعيّ وبعض المنابر الإعلاميّة التي نبتت خارج حقول الضّبط ومواثيق الشّرف المهني.إذ يكفي تصريحٌ صغيرٌ لتندلع حربٌ تنخرطُ فيها...

    • حجاب

      يتمتّع الماضي بمكانة خاصّة في حياتنا وباحترام  جعله يطمئن في كرسيّ أزمنة أخرى تعذّر وصولها، لأسباب  تخصّها باعتبارها على عجلة من أمرها  و تتعامل مع الأثر كما هو وتتعامل مع البشر في عبوره الآني لحياة قليلة ستنتهي بعد حين، ولا تفتّش عن “الجدّ...

    • سارقُ الخفّ

      منذ خدع صاحبه  عمرو بن عثمان  وتركه حافيا في صحرائه وهو يعبث داخل اللّغة،  وكذلك يفعل في حياة يأبى أن يخضع لشروطها حتى وإن اقتضى الأمر عودة إلى القرية الأولى حيث لا شيء سوى الكتابة.عابث الحياة ليكشف سرّها وعابثته لتختبر صموده فيها حين تُعِرض،...

    << < 1 2 3 4 5 6 7 8 > >> (8)