PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 19 مارس 2019

محنةُ الطيّب!

يخرجُ من كهفِه قلقاً، يرجمُ العالم.لا شيء يسرّه في هذا الخلاء الواسع. لا شيء في مكانه. يشرعُ في ترتيبِ الأشياءِ و تفكيكِ ما يغضبه. يشرعُ في إلقاء المقولات و التدوينات لإصلاحِ الخللِ. يصرخُ. يهتفُ. يشتمُ.
يستعينُ بلغته المحفوظة في القواميسِ. يستعينُ بالكتبِ التي تناول في الكهفِ. يخطبُ.
كزعيمٍ عريقٍ مستاء من خفوتِ حماسةِ شعبِه إلى خطبه، كشيخٍ  هرمٍ جرى الزمن خلفه وجرى الماءُ لكنه لم ينظر إلى ساعته ولم ينتبه إلى ثقلِ الكلمات على لسانِه ، كمقولةٍ شائعةٍ تُسمعُ بأذن غير مكترثةٍ. كذلك شأن “المثقّف” حامل الهمّ الثقيل، النظيف، الطيّب، صاحب النوايا الحسنة، المستعدّ للتضحيّة بما يحسبُ أنّه ثمين، لائم غيره على تجنّب المذبحِ، ومتبني مشاريع إصلاح «الخللِ”!
لا ينتبهُ إلى ثقلِ الحملِ لا يفكّر في إلقائه أو الاستعانة بحمّالة معدنيّة.
لم يسمع الانفجار الكبير الثاني الذي غيّر النّواميس و المفاتيح وجعل اللّغة المصون التي يفاخر بها عرضةً للانقراض.
في هذه التخوم التعيسة يتحرّك «المثقّف» معرّضا نفسه للأذى والسخريّة والتجاهل في أحسن الحالات. وقد تكون المشكلة، هنا، مشكلته  وقد فاتته قراءة ما يحصل  و هو يأتى على دوره الكلاسيكي  ويخصّ بالحظوة مقاولين و مسيّرين وسماسرة  وساسة يتوفرون على الأسنان المناسبة لأكلِ الأكتاف كلّها، ويمتلكون أدوات «التأثير»  التي أحالت طيّب الذّكر والصّفات «النّضال» على تقاعدٍ غير مريحٍ وأنهت زمن الأفكار.
ثمة مأزق قد تكون هذه أسبابه، وقد تكون أخرى، وقد يكون نتيجة لا تحتاج إلى أسباب لإعلان نفسها. لكنّه مأزق يبدو فيه «الكاتب» الذي ينشدُ الأدوار والتأثير ويريد تبليغ الرسائل، مثيرا للشفقة.
ربما كان على السوسيولوجيا أن تنبّه الناس إلى تغيّر مواقع القيادة والتأثير في مجتمع  يقرأ –إن قرأ- الكتب القديمة، ما دامت «الميديا» قد انغمست في اهتمامات الغوغاء وأسرفت في ذلك.  وربما كان على منتجي الأفكار و «الجمال» أن يعاينوا بأنفسهم سلعتهم «في السوق» ليعرفوا أن العادات الاستهلاكية تغيّرت
و أن الجماهير أصبحت تأكل «أشياء» أخرى.
لم تعد  الأوضاع  كما كانت عليه في زمن الكلاسيكيين الذين حرّكوا المجتمعات، لذلك تبدو حالات تقمّص أدوارهم و الدعوة إلى ذلك غير مجديّة، وليس أمام الكاتب  في مثل هذه الحال، سوى امتلاك المفاتيح الجديدة أو الاكتفاء بدورٍ مهمٍّ  وغير مُجزٍ:إنتاج الجمال والكفّ عن إثارة الصّخب!

    • مـأزق

      دفع ما يحدث في الجزائر مثقفين إلى «جلد الذات»، خشية تأخّر عن حركة التاريخ. لكن هذا السلوك يبدو مبالغاً فيه، فالمثقّف الجزائري صاحب بناء الدولة الوطنيّة بالنقد، ونال امتياز «معاداة النظام» قبل الجماهير بكثير، وجرّب السجن والمنفى...

    • «الأب الأخير»!

      لم تنل السنوات من شغفه بالكتابة، هو الذي اختفى في زمنه الطفوليّ. ولم تنل منه.  وهو يطرقُ باب الثمانين في كامل حيويته، لا يتوقّف عن إعادة  سرد حكايته وكأنّه يرويها للمرّة الأولى. رواية بعد رواية رفع معماره، موظّفا تاريخه الخاصّ الذي يدور حول...

    • «كيكي»!

      يحملُ حقيبته الثقيلة  ويجوب البلدات ملبياً دعوة الدّعاةِ إذا دعوا. لا ثروة له سوى كلمات لازال يعتقد أنها "تصل"، وبعض كتبٍ يعرضها على قراءٍ لازال يؤمن بأنّهم موجودون. قد يجيب على أسئلةٍ حمقاء بسماحة المسلّم بضرورة دفع ضريبة...

    • «المتاهة»

      يطرحُ «الولعُ» بالعسكريّ، أسئلة مُحيّرة، خصوصاً حين يصدر عن الخصوم «المفترضين» للعسكراتيّة، لكنه يُؤشّر إلى حالةٍ معروفةٍ في كلاسيكيات المختصّين الذين يشتغلون على محنةِ الفردِ ونكساتِ الجماعاتِ.في تسعينيات القرن الماضي بلغ الولع بالعسكريّ،...

    • الهوية كعَرَضٍ!

      يطرحُ الإسراف في النّبش عن الجذور مشكلةً غير ظاهرةٍ تدفع إلى القيّام بهذا الفعل لتجنّب غيره، فلا يبحثُ الباحث عن نسبٍ يعتدّ به، مثلاً، إلا مداواة لجروحٍ نرجسيّة، هي نتيجة اضطهادٍ حقيقيّ أو متمثّل.تعلّمُنا كراريسُ علم النّفس، أن...

    • السّائحُ والمُفتي

      حيّرت هجرة قوافل الجزائريين إلى تونس للاحتفال برأس السنة الميلاديّة الصّحافة، التي لم تتوقّف عند إحصاء عابري الحدود، فقط، بل أحصت "خسائر" التّجار المحليين أيضاً. و أُثيرت تساؤلات عن "ضيق" البلد الكبير على أهله في مناسبات البهجة...

    • قُــدَمَــــاء

      استكثـر علينا أصدقاؤنا الفرنسيون الانتساب إلى نادي قدماء البشر، وحاولوا حرماننا من متعة العيْشِ مع الديناصورات والزّرافات وغيرها من الكائنات الجميلة التي هجرت هذه الديّار أو غادرت الكوكب نهائياً، لظروفٍ طبيعيّةٍ أو لطموحٍ ذاتيّ...

    • التوجّس

      يسأل بصوت خافت وملامح جادّة: أرأيت الطائرات؟-أية طائرات؟- الحربيّة التي عبرت الأجواء، وخلّفت دخاناً لم ينتبه إليه أحدٌ.ثم يشتاط غضبا من عدم الانتباه إلى طائرات خلّفت دخاناً قاتلاً في الجوّ، ويقول بتصميمٍ: لن أمكّنهم من القبض...

    • أخطاء صغيرة

      يجلسُ الكاتبُ الكبيرُ ليوقّع كتبه "للزوّار"، لكنّه سيكون مضطرا للشّرح والتبرير والدّفاع والتغاضي والتظاهر بعدم الفهم.يقتربُ شابٌّ من الكاتب ويسأله: هل صحيح أنّك علمانيّ؟يجيبه الكاتب: ما اسم زوجتك؟يقول السائل: أنا غير...

    • تيه

      قد تكون مواقف ترامب هي التعبير القاسي عن حقيقةِ العلاقات الدوليّة، لكنّها التعبير الأصدق، فخلف الموت المعلن تزدهر تجارةٌ رابحة لغربٍ يبحث عن توليفةٍ مستحيلةٍ بين القيّم وتجارة السلّاح، وبين نهبِ الآخر ووعده بالحريّة.ثمّة أشياء...

    • جُنوح

      تقترحُ النّخبُ السيّاسيّة الوطنيّة «الصّراع» كأسلوب عيْشٍ، يظهر مع اقتراب استحقاقات ثمّ يكمن ليظهر متى استدعته ضرورة، في وضعٍ يؤشّر إلى أنّ العوامل التي رافقت تأسيس الدولة الفتيّة،مازالت مستمرّة إلى المراحل الأخيرة من «البناء»،...

    • اقتراح الموت!

      يقترحُ بعض السّاسة على الشبابِ، تأجيل الحياة أو تسريعها، من خلال الدعوات المتكرّرة إلى "غرسِ ثقافة التضحيّة بالنّفس" من أجل الوطن أو الأمة.. في محاولةٍ لتحبيب الموت إلى أشخاصٍ لم يموتوا بعد.قد تكون هذه المقولة مجرّد لازمة تجري...

    • الشيخُ و الأكل

      أثيرت عاصفةٌ، في الأيام الأخيرة، حول حرمان الشيخ من الأكل مع اللاعبين الصّغار!تبدو المسألة مثيرةً للشّجن في بلدٍ يمتّع فيه الشيوخ بنوعٍ من التبجيلِ، يحظون بموجبه برعايةٍ في مسائل تتجاوز الأكل إلى غيره من «الملذّات»، وبطاعةٍ...

    • عاشَها إلى آخر نفس

      كان يحتاج فقط إلى صوتٍ مجروحٍ ليكسّر "الشّرط " القاسي في صناعة النّجوم. لم يكن طويلاً ولا جميلاً كنجوم السينما، لكنّه اخترق الأزمنة وتحوّل إلى «تروبادور» يتجوّل بين لغاتِ العالم وشعوبه، ويدرّب عشّاقه على مدّ الخطوات في حياةٍ  حافلةٍ...

    • المُرسلون!

      أصبحوا في كلّ مكان ببذلاتهم  الأنيقة ومواكبهم السّريعة وأصابعهم المرفوعة أمام الكاميرات، ستّينيون في الغالب و خمسينيون ، يتحدّثون نفس اللّغة، يقدّمون “رواياتهم” الخاصّة عن الواقع فيبدو أنّهم يرون ما لا يراه غيرهم، لن يتردّدوا في مجادلة المهندسِ...

    • دار قومٍ صالحين!

      تحوّلت "الشكوى" إلى نقطة التقاء بين "المثقّفين" و"العامّة" على شبكاتِ التواصل الاجتماعيّ، الكلُّ يشتكي من منغّص ما،  ويمتدّ هذا "الما" من انتشارِ القاذورات في الفضاءات العامّة إلى تراجعِ مظاهر التمدّن وضعف المقروئيّة وفيضانات الأودية!يشتكي...

    • سُوء الفَهمِ

      تُعاني السينما في الجزائر من «سوء الفهم» تماماً كما تعاني من اختفاء القاعات، وتنسحبُ المعاناة الأولى على سائر الفنون، بعد اختفاء «النّقاد» وبروز «علماءِ الكلام» على شبكات التواصل الاجتماعي وفي بعضِ المنابر الإعلاميّة.وباتت...

    • التباس

      أحيت مُحاولات مواجهة الموسيقى بالصّلاة مخاوف النّخب، التي رأت في هذا النّوع الغريب من الاحتجاجِ عودةً للتيّار المتشدّد الذي خبا في أعقاب الحرب المدمّرة التي عاشتها الجزائر في الأنفاسِ الأخيرةِ من القرنِ الماضي.لكنّ الظّاهرة...

    • كرسيّ معزول

      استغرب الذين مازالوا قادرين على الاستغراب تحوّل  “كتّابٍ” إلى جنود إلكترونيين يدافعون عن قبائلهم وينتصرون لأشخاصٍ لا يجمعهم بهم سوى موقع”سقوط الرأس”، على اعتبار أن الكاتب نزل من شجرةِ السُّلالة و استعاض عن روابطِ الدم والعروقِ الدسّاسة...

    • محنةُ الطيّب!

      يخرجُ من كهفِه قلقاً، يرجمُ العالم.لا شيء يسرّه في هذا الخلاء الواسع. لا شيء في مكانه. يشرعُ في ترتيبِ الأشياءِ و تفكيكِ ما يغضبه. يشرعُ في إلقاء المقولات و التدوينات لإصلاحِ الخللِ. يصرخُ. يهتفُ. يشتمُ.يستعينُ بلغته المحفوظة في...

    << < 1 2 3 4 5 6 7 8 9 > >> (9)