طرح أمس، المخرج المسرحي الشاب هادي قيرة، في عمله «الزنزانة» قضية الحرية و ارتباطها بالفكر ومستوى التعليم، و هي مسرحية جديدة من إنتاج دار الثقافة مالك حداد، عرضت على ركح المؤسسة وأمام جمهورها، و كانت بمثابة رسالة تخاطب الوعي الجمعي للتأكيد على أن الحرية مبدأ غريزي، لكن الظروف يمكن أن تقيد الإنسان و تجعله يتخلى ويذعن لسجانيه خاصة إذا أثقلته أغلال الجهل.
وبحسب الممثل و المخرج هادي قيرة، فإن  الأحداث ليست سوى انعكاس للواقع الذي استلهمت منه في الأساس، إذ يحكي العمل قصة سجينين أولهما أستاذ يحمل دكتوراه في الأنثروبولوجيا مثقف تتصارع في رأسه الأفكار والأهداف والمبادئ، ويتميز بخطاب نخبوي وشخصية قيادية، أما السجين الثاني الذي يقبع في زنزانته منذ 20 سنة، فساذج وبسيط ينظر إلى الحياة من منظور مختلف ولا يحملها الكثير لدرجة أنه متصالح جدا مع سجنه و يجد صعوبة في فهم وتقبل الأفكار التي يرددها النزيل الجديد.  وفي ليلة من الليالي داخل الزنزانة المظلمة، يحاول السجين الدكتور إقناع السجين الساذج بالهرب، لكن الثاني يرفض ذلك، ويؤكد له بأنه يقبل وضعه و قد أحب حياة الأسر لأنها بسيطة وغير مجهدة، حيث يتوفر لديه الأكل و الشرب و يمكنه أن يختار بين الراحة والنوم أو التجول داخل المربع الضيق بعيدا عن ضغط الحياة و متطلبات العيش بحرية.
يتسبب هذا الاختلاف في الرؤى و التضارب في المبادئ و الأفكار، في مشكلة للدكتور الذي يعجز عن تقبل سلبية النزيل الثاني في الزنزانة فيما ينتزع الأخير من محاولات زميله التأثير عليه و إقلاق راحة عقله نفسه وهكذا ويشتد الصراع بينهما، فيستمتع المشاهد بحوار عميق متشعب، وصفه مخرج العمل بأنه صراع طبقات يعكس بوضوح   الفجوة  المعرفية التي تحدث بين الأجيال وكيف تتأثر المفاهيم و تختلف باختلاف المستوى الذي يحدد المبادئ أيضا. تتواصل الأحداث داخل الزنزانة، و يحاول الدكتور بجهد كبير تغيير أفكار ومبادئ صديقه الساذج، بعد البحث عن نقطة ضعفه للتأثير عليه باستغلالها، فينجح أخيرا في إقناعه بفكرة الحرية  والهروب من السجن التي يكون هناك سجين آخر مؤمن بها حتى النخاع، وهو شخص يسترق السمع لأحاديث النزيلين، لكنهما يتجاهلانه ويحاول هو أن يتظاهر بأنهما غير موجودين، رغم أنه يدور حولهما باستمرار وبحسب حركة عقارب الساعة، ولا يتدخل السجين الثالث فعليا إلا بعدما يقتنع الساذج بالهرب، وهنا يأتي ليخبرهما بأن الحصول على الحرية صعب، و يتطلب خطة  مدروسة و محكمة،  ولحسن الحظ فإنه يعرف طريق الخروج من السجن لأن الخريطة مرسومة على ظهره، وهكذا يتفق معهم على مساعدتهم على الهرب و يتزامن الموعد مع يوم الشهيد.
وقد تضمنت المسرحية عدة لوحات تصور مشهد الهروب يتنقل خلالها المخرج من منطقة إلى أخرى في بانوراما طبيعية قدمتها خلفية صور تنطلق من وسط قسنطينة، مرورا بالرميس و البعراوية، وصولا إلى جبل الوحش أين اختبأ السجينان، اللذان أدى أدوارهما كل من هادي قيرة،  وحسان بوكرسي، حيث أوضح الممثل والمخرج، أن  الموسيقى كانت جزءا مهما في المسرحية، وقد أنجزها محمد بن لفريخ،  الذي قام  باختيار المقاطع لتتناسب مع فكرة الأحداث والحالة الشعورية للأبطال، فمثلت الحماس والخوف  و الاستسلام ثم النهوض من جديد، وأضاف قيرة، بأنه كتب القصة من وحي خياله، و ضمنها مجموعة من الرسائل المتعلقة بالثقة و بدور الوعي في تشكيل حياة الفرد.  أتم الجانب التقني للعمل محمد بلفريخ و فتحي فيلالي، وأسندت الإضاءة لمحمد جيملي، أما السينوغرافيا فقدمها نور الدين مزهود، وتكفل صابر عميرش بالملابس والإكسسوارت.         لينة دلول

الرجوع إلى الأعلى