PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

بلدية رمل السوق الحدودية بالطارف

قــرى معزولــــة و شبـــاب تحـت رحمـــة شبكــات التهـريــب

تشكل معاناة سكان بلدية رمل السوق بالطارف مصدر ثروة شبكات التهريب التي تستغل البطالة المتفشية في أوساط شبابها لاستغلالهم في نشاطها غير الشرعي مقابل مبالغ زهيدة معرضة بذلك حياتهم للخطر ، وهو وضع يقول شباب المنطقة أنهم أجبروا عليه بسبب عدم توفر فرص للعمل في منطقة شبه معزولة.
روبورتـــاج و تصوير: نــوري.ح
 فالمستثمرون ينفرون من هذه البلديات المشكلة من قرى ومشاتي متناثرة ومعزولة، رغم ما تتوفر عليه من امكانيات  غابية و فلاحية،  وما تزخر به من موارد حموية ، فيما تبقى فرص العمل في القطاع محدودة لعدم وجود نسيج صناعي وقلة المرافق الخدماتية .
الحياة في هذه المنطقة الحدودية الفقيرة شبه متوقفة ويوميات سكانها عبارة عن معاناة متعددة الأوجه ، حيث يقضون يومهم في التنقل بين مختلف البلديات المجاورة بحثا عن خدمات صحية  وإدارية وجريا وراء قارورات الغاز، بينما يجبر الأطفال على المشي لساعات للوصول إلى مدارس تقع على بعد كيلومترات من قراهم.
لا ماء ولا طرقات ولا شبكات صرف ، وكأن الزمن توقف برمل السوق عند حقبة بدائية رسمت صورة باهتة،  جعلت الكثيرين يهجرون المنطقة بحثا عن حياة أفضل، فيما يطالب من صمدوا بالسكن والمرافق وفرص شغل تخلصهم من قبضة المهربين.
السلطات المحلية تعد بحياة أفضل وبمشاريع تغير مجرى الحياة وترى في السياحة الخلاص من الوضع البائس، لأن المنطقة جميلة وتحتاج فقط لمن ينفض عنها غبار نقص الإمكانيات وظلم الجغرافيا.
  أزمة عطش على مدار السنة
 من المشاكل التي لم يجد لها سكان رمل السوق  الحدودية و مشاتيها أي تفسير أزمة المياه الشروب التي يعانون منها على مدار السنة وانقطاع هذه المادة الحيوية عن حنفياتهم لمدة تتجاوز الشهر  خاصة خلال فصل الصيف، حيث تتفاقم المعاناة وتزداد ضراوة لدى سكان المشاتي النائية  في ظل عدم   تزوديهم بالصهاريج، مشيرين أنه  حتى وان وصلتهم المياه فإن  نوعيتها رديئة و التموين بها لا يتعدى     نصف ساعة  بالتناوب بين الأحياء مرة كل أسبوع ،في وقت يتواجد بالقرب من البلدية سدان كبيران وهما سد ماكسة  وسد مجودة،    يزودان بلديات ولاية الطارف وعنابة بالمياه الشروب ، بينما يعاني   سكان البلدية العطش طوال السنة، ورغم تخصيص عملية لربط البلديات الحدودية و  مقر البلدية بالمياه من سد ماكسة، إلا أن العملية لم تحقق الأهداف المرجوة، وهو ما أجبر السكان على جلب المياه من الينابيع الجبلية والتزود  من الأودية والمجاري والآبار المهجورة خارج الرقابة الصحية .
  وأضاف السكان بأنه ورغم الشكاوي والاحتجاجات إلا أن الجهات المعنية لم تحرك ساكنا لوضع حد لهذه المعاناة خصوصا وأن الثروة المائية متوفرة، وهو ما أثار استياءهم وتذمرهم ،مشيرين بأن ما زاد الطين بلة اهتراء شبكة التوزيع وقنوات الجر  والتوصيلات غير الشرعية من بعض التجمعات السكانية بغرض سقي  بساتينهم و محاصليهم الفلاحية، في غياب إجراءات ردعية لمحاربة الظاهرة  التي إنعكست سلبا على كمية المياه الموزعة، و  أدت إلى إمتداد الأزمة على مدار فصول السنة.
تـدهور الطرقات و انعدام التهيئة يعزل السكان
   شبكة الطرقات برمل السوق في حالة مزرية جراء تصدعها في العمق،  فقد أصبحت عبارة عن حفر ومطبات،  خاصة الطريق الرئيسي الذي يبقى بمثابة المنفذ الوحيد نحو عاصمة الولاية والبلديات الأخرى،  و الذي لم يمض على تعبيده إلا وقت قصير، غير أن وضعيته   بلغت مرحلة متقدمة من التدهور، و بات يهدد بعزلة البلدية،  فضلا عن  الطرقات الداخلية  التي بدورها توجد في حالة يرثى لها، ما زاد  في متاعب السكان اليومية  و فرض شبه عزلة على بعض الأحياء ، وصعب من حركة تنقل الأشخاص الذين يشكون صعوبة إيصال حاجياتهم المنزلية.
 وتزداد المعاناة  مع مشكلة اهتراء الطريق  والوسط الحضري خلال تهاطل الأمطار، حيث تتحول الطرقات إلى أوحال وبرك من المياه يصعب المرور فيها،  حتى أن المتمدرسين يجدون صعوبة في الالتحاق بمقاعد الدراسة جراء ارتفاع   تشكل برك عميقة،  ما يضطر الأولياء، كما يقول السكان، إلى حمل أطفالهم على ظهورهم  خوفا من تعرضهم  لأي مكروه .
وهذا في ظل نقص  مشاريع التهيئة لإعادة الاعتبار للوسط الحضري ،حيث يؤكد السكان و منتخبون أن الطرقات الداخلية لم تخضع لعملية صيانة أو تجديد على غرار البلديات الأخرى منذ عقود من الزمن، بالرغم من الشكاوي والتقارير المرفوعة .
و تتفاقم حدة المشكلة لدى سكان المشاتي الذين يعانون الأمرين مع اهتراء المسالك والطرقات المؤدية إليهم انطلاقا من مركز البلدية  حتى أن السلطات المحلية تجد صعوبة في ايصال مختلف المساعدات التضامنية للعائلات بمناطق الشريط الحدودي،  نتيجة تدهور حالة طرقاتها ، قبل أن يتم استدراك الأمر مؤخرا بتعبيد  بعض الطرقات في محاولة لفك العزلة عن  تجمعات،  في انتظار التكفل بحالة الطرقات بالمشاتي الأخرى ضمن برامج الدولة .
  أطفال يقطعون الكيلومترات للالتحاق بالمدارس

من أكثر المشاكل التي يطرحها سكان هذه المنطقة الحدودية  النقل المدرسي، وهي مشكلة  مطروحة  بحدة خاصة لدى سكان المشاتي المتناثرة  و المعزولة،  حيث يعاني متمدرسوها متاعب كبيرة يومية للالتحاق بمقاعد الدراسة، وتتفاقم هذه المعاناة خاصة لدى  تلاميذ الطورين المتوسط والابتدائي الذين يجبرون على  النهوض  مع  الفجر  لانتظار وسيلة نقل نفعية،  حيث عادة ما يحشرون مع الحيوانات المتوجهة نحو أسواق الماشية للوصول إلى مؤسساتهم التعليمية ببلديتي عين العسل والقالة، فيما يجبر آخرون على قطع الكيلومترات على الأقدام وسط البراري، ما يعرضهم  لاعتداءات الحيوانات البرية.
 ولا يعود المتمدرسون لبيوتهم إلا مع وقت العشاء وفق ما صرح به أولياء وأطفال،  و تزداد  مشقة  النقل المدرسي  خلال تهاطل الأمطار ، حيث يضطر الأولياء إلى منع أطفالهم عن الدراسة خوفا من تعرضهم لمكروه والمتاعب التي يصادفونها في الالتحاق بمقاعدهم وسط الظلام الدامس مع ساعات الفجر الأولى،  في ظل خطر الحيوانات المتوحشة  والضالة التي تتربص بهم،  الشيء الذي     كان  راء ارتفاع نسبة التسرب المدرسي حسب ما جاء على لسان مواطنين،  حيث أشاروا  أن  قد حرموا من   مواصلة مشوارهم الدراسي خاصة الفتيات،  وهذا خوفا عليهم   من المعاناة مع مشكلة النقل المدرسي و ضعف التغذية المدرسية، على   اعتبار أن  هناك مدارس لازالت تفتقر للمطاعم وأخرى تقدم وجبات باردة، ناهيك عن نقص التدفئة  شتاء .  ويبقى الأمل معلقا على مشروع إنجاز متوسطة  بقرية وادي الحوت ،  من شأنها  إنهاء عناء تلاميذ المشاتي المجاورة .
مطالب بتوسيع شبكة غاز المدينة
ورغم استفادة بلدية رمل السوق الحدودية  مؤخرا من مشروع الربط بشبكة غاز المدينة، إلا أن هذه  الخدمة لم تعمم بعد على كافة الأحياء و  لم تمس كل مشاتي سكان البلدية ، الذين لازالوا يواجهون متاعب يومية كبيرة في التزود  بقارورات غاز البوتان، أمام المضاربة بها وغلاء أسعارها ،  بعد توقف الموزعين عن النشاط بسبب ضعف المردودية، و تتفاقم حدة هذه المعاناة خاصة لدى سكان المشاتي المعزولة أمام  نقص هذه المادة الحيوية  بفعل تزايد الطلب عليها، خاصة عند   تساقط الأمطار و تهاطل الثلوج،  بالنظر للظروف المناخية الصعبة التي تميز المنطقة.
حيث  تبقى  كمية قارورات غاز البوتان المخصصة للبلدية ومشاتيها لا تلبي الحاجيات خاصة مع إرتفاع   الطلب ،ما يجبر السكان  على تأجير سيارات الخواص وقطع الكيلومترات نحو البلديات المجاورة في مسعى الظفر بقارورة غاز رغم بلوغ أسعار   600دينار فما فوق ، فيما تعد  مشاتي الريحان ،المروج ،عين شعرة،وادي الكبير  الأكثر تضرار من المشكل لأنها معروفة بالبرودة  الشديدة ما دفع الأهالي  إلى العودة إلى الاحتطاب .
 ويطالب السكان  المصالح المعنية بفتح نقاط لتوزيع غاز البوتان  عبر مشاتي البلدية للتخفيف من هذه الأزمة  ،مع تشجيع البطالين على خلق مؤسسات في هذا المجال  للتكفل بتوزيع هذه المادة للحد للمشكلة المطروحة، لكنهم يرون أن الحل يكمن  في  توسيع   الربط  بغاز المدينة  الذي يبقى من أهم الأولويات  في الوقت الراهن.  في الوقت الذي أكد فيه رئيس البلدية  عبد النافع صواب عن افتكاك البلدية لمشروع لإيصال الغاز الطبيعي لقرية وادي الحوت خلال زيارة الرئيس المدير العام لمجمع سونلغاز مؤخرا للولاية.
حوامل يلدن في الجرارات و مرضى يعانون الأمرين
بالرغم من تزايد التعداد السكاني الذي شهدته بلدية رمل السوق الحدودية في الآونة الأخيرة إلا أنها تبقى تشكو ضعفا في مجال التغطية الصحية  مع نقص التجهيزات و الأطباء،  ما أرهق المرضى حتى أن العيادة  متعددة الخدمات التي  تدعمت بها  مؤخرا  لم تعد تلبي الخدمات الصحية المطلوبة  لمحدودية إمكانياتها، وفق ما استقيناه من تصريحات، حيث قال من تحدثوا إلينا أن نشاطها    يقتصر  على  بعض الفحوصات البسيطة وتقديم الحقن  و  إسعافات   لا غير ، فيما توجه  اغلب الحالات المرضية والمستعصية    نحو المصالح الاستشفائية لعاصمة الولاية و القالة.
  وتزداد معاناة المرضى  خلال الحالات الطارئة وخاصة في فترات الليل مع انعدام سيارة إسعاف ما يجبر المواطنين على الاستنجاد بالسيارات النفعية والجرارات لإيصال مرضاهم نحو اقرب نقطة صحية، وخاصة الحوامل اللواتي يقول السكان أنهن عادة ما يضعهن حملهن على متن الجرارات والآليات المختلفة وهن في الطريق باتجاه مستشفى عاصمة الولاية على بعد25 كلم.
 و تزداد   المتاعب  مع نقص الخدمات الصحية لدى سكان المشاتى النائية الذين يشكون بدورهم  انعدام التغطية و قطع الكيلومترات من أجل حقنة،  ما  حتم وضع  نساء حملهن بالطرق التقليدية،  رغم ما يشكله ذلك من مخاطر صحية عليهن.
غياب أبسط المرافق الحياتية و مهربون يستغلون الأزمة

يعرف عن بلدية رمل السوق بأنها منطقة للتهريب الحدودي بامتياز وهذا جراء تفشي آفة البطالة في أوساط سكانها وخصوصا منهم فئة الشباب الذين يشتكون  من انعدام فرص العمل  وعدم توفر ابسط المرافق  الشبانية والترفيهية،   حيث تبقى المقاهي ملاذهم الوحيد للعب الأوراق والدوميونو ،وهو ما أجبرهم على الانخراط مع شبكات التهريب التي استغلت ظروفهم الاجتماعية الصعبة للزج بهم في هذا النشاط رغم مخاطره ، خاصة تهريب الوقود  .
ويؤكد السكان بما فيهم الشباب بأنه لولا التهريب لضاعوا جوعا وعوزا بالنظر  لعزلة المنطقة وافتقارها لقاعدة صناعية كان من شأنها  أن توفر لهم مناصب شغل ،فضلا عن عدم استفادتهم من برامج الدعم الفلاحي رغم الطابع الفلاحي للجهة،  وهو ما دفع أغلب العاطلين على التوجه نحو هذا البديل  الذي بات يستقطب شريحة واسعة من السكان  بحكم خصوصيات البلدية  الواقعة على بضعة أمتار من الشريط التونسي.
  حيث أن كل شي يهرب في الاتجاهين حسب الطلب و نوعية السلع المرغوب فيها ،وهو ما يوفر لهم  بعض الدنانير لسد قوة يومهم  قياسا بحجم نشاطهم واستغلال شبكات التهريب الحدودي لهم وما يذره النشاط عليها .
كما يطرح السكان انعدام أبسط المرافق الحياتية وعدم الربط بشبكة التطهير ببعض التجمعات و اهتراء الوسط الحضري وانعدام شبكة الإنارة ببعض الأحياء  والطرح العشوائي لمياه الصرف التي باتت تنذر بكارثة صحية،  وعدم استفادة المجمعات الريفية من التهيئة والربط بالشبكات المختلفة  ونقص برامج السكن وإعانات الريفي للحفاظ على إستقرار السكان وتثبيتهم بمناطقهم .
  و يقول السكان بان الظروف  المعيشية القاسية دفعت ببعض الأهالي إلى هجرة المنطقة والنزوح صوب   كبرى البلديات الحضرية،   لتوفر   مرافق الحياة الكريمة ،ويأمل شباب  وسكان هذه البلدية  النائية الحدودية في التفاتة من السلطات المحلية لفك العزلة الخانقة ودعمهم بالمرافق  الضرورية  لتحسين إطارهم الحياتي والتكفل بانشغالاتهم اليوميـــــــــة .
سلطات تراهن على انعاش السياحة  الحوية
يراهن  أعضاء المجلس البلدي الجديد الذي يتشكل أغلبه من فئة الشباب  على استدراك النقائص المسجلة خلال  هذه العهدة الانتخابية،  و التكفل خاصة بأولويات  السكان على غرار  الربط بشبكة التطهير و  حل معضلة أزمة المياه الشروب،  علاوة على تعبيد شبكة الطرقات والتهيئة الحضرية لإعطاء الوجه اللائق لهذه البلدية النائية الجبلية الحدودية،  أمام تدهور حالتها في السنوات الفارطة من جميع النواحي،  زيادة على  دعم المنطقة ببرامج السكن الريفي،  ومشاريع الدعم الفلاحي، لتطوير النشاط الرعوي والزراعي للحفاظ على استقرار السكان  وتحفيز العاطلين على خلق مؤسسات مصغرة لامتصاص البطالة المتفشية.
 كما يقترح المجلس البلدي  مشاريع، يقول منتخبون أنها كفيلة بتحريك عجلة التنمية المحلية وفك العزلة عن المنطقة  و مشاتيها ،  أعدت بشأنها بطاقات تقنية أودعت لدى المصالح المعنية  خاصة تلك المدرجة في خانة المستعجلة ،و تعمل البلدية جاهدة على تحسين إيراداتها باستغلال كل إمكانياتها وممتلكاتها لتجاوز العجز المسجل في الميزانية، بغية الاستجابة لحاجيات المواطنين في مختلف الميادين والقطاعات .
من جهة أخرى رفعت البلدية طلبا للسلطات المحلية لإدراجها ضمن البلديات الفقيرة  بغية الإستفادة من تجسيد  عمليات هامة ، من شأنها أن تعود بالفائدة على السكان في محاربة الفقر وتحسين إطارهم الحياتي وخلق مصادر الرزق.
وذكر رئيس البلدية عبد النافع صواب أن موقع البلدية الحدودي  ووجودها في أقصى الجهة الشرقية مع الشقيقة تونس ساهم بشكل كبير في  عزلتها و عزوف المستثمرين  عنها، رغم الامكانيات الهامة التي تزخر بها ، خاصة في مجال الفلاحة والغابات، والتي تبقى كفيلة بتحريك عجلة التنمية وخلق مناصب شــــــغل، ناهيك عن تنشيط الفعل السياحي بحكم توفر المنطقة على  منابع حموية بقرية وادي الحوت بمنطقة جبال عين الحمام ،  وكذا عدة مواقع تاريخية  هامة، تعود إلى العصور الغـــــابرة والتي تشكو الإهمال والنسيان.
 وتعول البلدية على إنهاء أشغال الطريق المزدوج المؤدي نحو المعبر الحدودي العيون والذي من شأنه أن يخلق دينامكية وحركية تجارية وإقتصادية وسياحية بالمنطقة التي تتوفر على  كل عوامل النجاح للارتقاء بها إلى مصاف كبرى البلديات العصرية والمتطورة، مع الأخذ ضمن الأوليات دعم التنمية المحلية والتكفل بإحتياجات المواطنين الأساسية .                                
ن.ح