PUBANNASR PUBANNASR
الأربعاء 14 نوفمبر 2018

"مادور"منجبة العباقرة وحاضنة أول جامعة إفريقية

تطل «مادور» بحجارتها التي أضفت عليها أشعة الشمس لونها الذهبي، كجوهرة متلألئة بين خضرة الحقول و ظلال جبل بوسسو مطوّقها و حارسها، لتغري مقتفي أثر ليكسوس أبوليوس، أول روائي في تاريخ الإنسانية و تدعوهم ببقايا أسوار قلعتها و أبراجها وأعمدتها الضخمة ونصبها الكثيرة، لولوج مدينة الأدباء و الفلاسفة و رجال الدين، و الوقوف على أرض أول جامعة في قارة إفريقيا، ارتادها العباقرة في شتى الفنون الحرة السبعة وعلى رأسهم النحوي ماكسيموس، و كذا لاكتشاف ألقياتها الأثرية و بقايا كنائسها التي لا تزال إلى غاية اليوم قبلة و محجا لأتباع القديس أوغسطين، كما استمرت المنطقة في تزيين سجلها الفخري بأسماء عباقرة جدد إلى غاية يومنا هذا، حيث ولد بأحضانها مصمم أول نظام معلوماتي عربي لاتيني و هو بشير حليمي المقيم بكندا و اختار الطاهر وطار العيش فيها لمدة معتبرة. المدينة الأثرية وجوهرة التاريخ «مادور» أو «مداوروش «الواقعة على بعد 45 كلم جنوب سوق أهراس، الواقعة بدورها في أقصى الشرق الجزائري على الحدود التونسية، احتفظت بتسميتها على مر العصور، و يرّجح علماء الآثار بأن أصل تسمية مداوروش نوميدي، و فضل الرومان عدم الابتعاد عن هذا الاسم وأطلقوا عليها «مادوروس» و «مادوريس» وهو ما يعني الرطوبة والنداوة باللغة اللاتينية، في حين ظهرت في أشهر روايات أول روائي في تاريخ الإنسانية لوكيوس أبوليوس «الحمار الذهبي» بتسمية «مداور»، أما في الفترة الإسلامية فقد عرفت تحت اسم تماديت.المدينة الدرة لا زالت صامدة، متحدية عوامل الزمن و المناخ، وتقف شامخة كشاهد مهم على الحضارات العديدة المتعاقبة على المنطقة، بدءا بالحضارة النوميدية و البونيقية، مرورا بالحضارة الرومانية، فالوندالية والبيزنطية، وصولا إلى الحضارة الإسلامية، قبل الاحتلال الفرنسي الذي بقدر إسهامه  في الكشف عن هذه الثروات التاريخية النادرة، بقدر نهبه لقسط كبير منها وبالتالي إخفاء حلقات مهمة من تاريخ الحضارات القديمة .فوضى العمران وحالة البؤس التي وقفت عليها النصر، ببعض المداشر والقرى المجاورة لمادور منارة التاريخ و منبع العباقرة، جعلتنا نستغرب من المفارقات الملفتة، لمنطقة عرفت منذ الأزل، برخاء العيش ورغده، بفضل وفرة الأراضي الخصبة، و زراعة الحبوب و أشجار الزيتون، التي ساهمت في انتعاش الاقتصاد وازدهار الثروة الفكرية و المعرفية، حيث تحوّلت أغلب الأراضي إلى بور لأن الشباب عزفوا عن العمل في الفلاحة، و فضلوا الاستسلام للبطالة واليأس، كما تعجبنا عند رؤية صور معاناة الناس في التنقل لمسافات طويلة لأجل التزوّد و نقل مياه الشرب لانعدامها بمنازلهم تماما، كانعدام غاز المدينة، و هم يعيشون بالقرب من إحدى أضخم الحضارات تطويرا للمجاري المائية و هي الحضارة الرومانية التي لا تزال حمامات مادور شاهدة على عبقرية مهندسيها ، تماما مثل فن العمارة الذي تعكسه بقايا المدينة الأثرية المتربعة على 109 هكتارات، 25 هكتارا منها تضم آثارا ظاهرة و 7 هكتارات أخرى كانت محل حفريات في القرن الماضي، فيما لا تزال المتبقية مغمورة تحت الأرض، بما فيها آثار المدارس التي كانت مقصدا لطلاب العلم و منبع العلماء.

روبورتاج: مريم بحشاشي  تصوير: شريف قليب

بوابة التاريخ دون إشارة طريق
ما أثار انتباهنا ونحن نقترب من مفترق الطرق بين الونزة و مدينة مداوروش، عدم وجود أي إشارة توحي بوجود مدينة أثرية بالمنطقة، مما يجعل أغلب الزوار يجدون صعوبة في الوصول إليها، لأنهم يسلكون عادة طريق تبسة على اليسار، مثلما قال بعض من تحدثنا إليهم، غير أن الرغبة في اكتشاف سحر المدينة ينسي الشغوفين بالتاريخ و الآثار تعب الطريق، لأن الأمر يستحق العناء، أو هذا على الأقل ما قد يشعرون به و هم يرون القلعة البيزنطية بحصنها المنيع بأعالي التل و بين الحقول، و يتضاعف الإغراء، كلما توغلوا نحو العمق و شاهدوا الأقواس المثيرة التي عجز حتى الفيزيائيون عن تفسير طريقة بنائها،  فوضعوا عدة احتمالات لفهم التصميم العبقري الذي في حال سحب الحجارة المتواجدة في وسطه، يسقط كل المبنى لعدم وجود أعمدة أو دعامات به. و قد رجح بعضهم  رصف أو صب الخرسانة، في حين يرى آخرون  بأنه تم استخدام طريقة الفراعنة في حمل الرمل، دون الوصول إلى التقنية الأصلية التي اعتمدها المهندسون الرومان في تشييد القلاع و المدن بهذه المدينة التي تقع على ارتفاع  930 مترا و حظيت بزيارة شخصيات سياسية من مختلف دول العالم و بشكل خاص سفراء الولايات المتحدة الأمريكية و سويسرا و فرنسا، إلى جانب وفود من رجال الأعمال الخليجيين.
آثار مادور المبهرة، تحتفظ بين ثنايا صخورها بذاكرة أسماء أشهر المهندسين وعباقرة فن العمارة الرومان، وبشكل خاص «فيتريف»، صاحب المجلدات العشرة النادرة في فن الهندسة المعمارية. كما تستوقف الزائر روعة و دقة التخطيط في الأنظمة المائية من شبكات مجاري وخنادق الصرف الصحي وغيرها من الأنظمة التي تعكس مدى تقديس الرومان للماء، و فخامة العمارة التي شيّدت بحجارة محلية استخرجت من المحاجر الموجودة بأعلى الجبال المحيطة بالمدينة، حيث كانت تصقل الحجارة هناك، حسب المختصين.
على غرار المواقع الأثرية الرومانية، تحتفظ مادور بالكثير من النصب الحاملة للنقوش و الرسومات المعبرة عن الحياة العقائدية في ذلك الوقت، حيث تظهر نصب آلهة الأرواح المقدسة بكثرة، وآثار بيت فخم يعتقد أنه كان لكاهن، باعتباره أكثر الشخصيات المقدسة بالمدينة.
و يبدو أن المكان كان مفعما بالحياة والحركة، رغم السكون الكبير الذي يغمره اليوم، لأن كثرة آثار المنازل التي يصل عددها إلى حوالي 30 منزلا، تجعل  الزائر يتخيل الظروف المعيشية هناك قبل قرون، من خلال الوقوف على آثار المعاصر و أدوات الرحي الحجرية الصلبة وغيرها.
و لا يمكن المرور على مادور دون أن يجذب نظرك شكل وفخامة الحصن البيزنطي الذي لا يزال قائما بعد مرور حوالي 15 قرنا على تشييده من قبل الحاكم»سولومون» سنة 536 م والذي تزيد مساحته عن 800 متر مربع، ويحتوي على برجي مراقبة،و قد بني بحجارة ضخمة تم جلبها من مختلف مواقع المدينة الرومانية و وضعت بطريقة عشوائية، حيث تظهر الكثير من النقوش بشكل مقلوب، ربما نظرا لسرعة بناء الحصن، للاحتماء به، لأن السكان كانوا في حالة حرب، حسب مرافقنا.
المدينة تسحر الزائر بكثرة المعالم المثيرة، بما فيها الممرات السرية التي يجهل طولها و المكان الذي تؤدي إليه و إن كان أهل المنطقة يعتقدون بأنها تؤدي إلى موقع أثري آخر بخميسة.
الساحة العمومية بمساحتها التي تصل إلى 923 مترا مربعا و كذا المسرح الذي يعد أصغر مسرح روماني بكامل الإمبراطورية الرومانية من الشرق إلى الغرب والذي يسع  1200متفرج، و به 3 مداخل و أسسه غابينيس الذي خصص له مبلغ  356 ألف «إسلستس»(عملة رومانية)،  امتنانا وعرفانا لأهل المدينة الذين صوّتوا له لتقلد منصب رئيس بلدية.
وأكد السيد بن يزة  بأن أكثر الزوار اهتماما بهذا المعلم المعماري التاريخي، هم الإيطاليون وبشكل خاص المهندسون الذين يزورون المكان، للإطلاع على بقايا أصغر مسرح روماني في العالم.
وهناك أيضا المعابد و الكنائس الثلاث والحمامات وغيرها من الآثار التي لا تزال تحتاج لدراسات لتفسير و شرح الكثير من الأمور الغامضة التي تبقي على أسرار تاريخية مهمة و تترك سلسلة التاريخ تستمر في البحث عن حلقاتها الضائعة، و تزيد من فضول الزائر الذي يلمس آثار التخريب الفرنسية ومحاولات طمس التاريخ من خلال تغيير أماكن نصب عملاقة و وضعها في أماكن لا تليق بها، كتلك الخاصة بإله التجارة عند قدماء الرومان «ماركور» و التي يجهل سبب نقلها إلى الحمامات، لتأكد علماء الآثار بأن مكانها الأصلي بالمعابد.

مادور حامية الثوار
 مثلما حمت القلعة النوميديين والرومان والبيزنطيين من قبل، كانت المدينة الكنز ملاذا للثوار والمجاهدين الذين وجدوا في ممراتها السرية الكثيرة، أفضل مكان لإخفاء الأسلحة و الأدوية والملابس والأحذية، قبل نقلها إلى تونس، أو العكس، و قال الحارس المتقاعد الذي يعرف الممرات أو ما يطلق عليهم «دوامس» عن ظهر قلب، بأن المكان كان يتحوّل ليلا إلى مخبأ للثوار، دون أن يكتشف الجنود الفرنسيين على كثرتهم ما تم إخفاؤه بين أحضان آثار الأسلاف من ذخيرة استعملت في محاربتهم و إخراجهم من البلاد. من أسماء المجاهدين المعروفين الذين مروا أو احتموا بمادور، ذكر محدثنا المجاهد البطل الجنرال عبد الله بلهوشات، وغيره من المجاهدين الذين خانته الذاكرة في استعادة ألقابهم.

من هنا مر النحوي ماكسيم وعالم الفلك كابيلا
تطفو أسماء العباقرة ومشاهير الأدب و النحو والعلوم و الأبطال بمجرّد ذكر اسم «مادور» التي يحملنا الفضول عند تصفح أوراق ماضيها المعرفي والعلمي إلى معرفة المكان الذي ساهم في إنجاب وتكوين شخصيات كأبليوس، الأديب والفيلسوف الأمازيغي النوميدي الذي كان يطلق على نفسه «آبوليوس المادوري الأفلاطوني» و الذي يعد صاحب أول رواية في التاريخ و الموسومة «الحمار الذهبي» أو «التحولات»، وكذا اسم النحوي و صديق القديس أوغستين، «ماكسيم» و عالم الفلك و الكاتب «مارتيانوس كابيلا « و غيرها من الأسماء التي جاء ذكرها في الكتب التاريخية و التي تبعث على الفخر، و يؤكد الباحثون بأن الفضل يعود لمدارسها التي استقطبت المتعطشين للعلم و المعرفة من كل الأقطار و ساهمت في تخرج العباقرة في مختلف المجالات و صنعت لهم أسماء خالدة و مشعة صمدت لآلاف السنين.
وإذا كان الكثيرون يعتبرون مادور مركز أول جامعة بإفريقيا، معتمدين في ذلك على كتابات و مراجع أجنبية عديدة، فإن ثمة من علماء الآثار من يؤكدون بأن خاصية المدينة ترجح بأنها كانت تتوّفر على هيكل علمي في شكل مدارس، لكن ليس بصفة الجامعة، غير أن هذا لا يغيّر حقيقة كونها مركز إشعاع علمي، لا يزال الكثير من العلماء والمختصين في علم الآثار و تاريخ الإمبراطورية الرومانية، يبحثون عن آثار ومعالم حاضرة العلماء والفلاسفة التي تؤكد كل المعلومات التاريخية و أخبار الأولين، بأنها مطمورة في عمق المدينة ـ الأسطورة التي أبت البوح، إلا بنسبة ضئيلة جدا من أسرارها و  ثرواتها، التي أسالت لعاب المحتل الفرنسي، فراح يحاول استخراج ما تكتنزه من آثار مهمة.

مشعوذون للعثور على الكنز
ومن أطرف ما عايشه الشيخ منبه، طيلة عمله بالمدينة الأثرية، ترّدد المشعوذين و الباحثين عن الكنز عليها، حيث كان يتفاجأ بين الفينة والأخرى بزيارة بعض الأشخاص المرفوقين بمشعوذين يقومون بمختلف الطقوس، طمعا في إيجاد القطع الذهبية، وقال أن الرومان كانوا يضعون علامات خاصة على الأماكن التي يخفون فيها كنوزهم وهو ما كان يحاول هؤلاء المشعوذون التوصل إليه، لكن دون جدوى.  
و أسر إلينا باحثون بأن مادور تخفي بين أعماقها إحدى أشهر وأندر أربع لوحات فسيفسائية في العالم، غير أن مرافقنا لم يؤكد أو ينف ذلك، ربما لاعتبارات أمنية، خشية تعرّضها لمحاولات نهب، مثلما حدث مع اللوحات الثلاث التي يرّجح أن تكون شبكة مختصة ومنظمة وراء اختفائها من مواقعها الأصلية بمختلف دول العالم.
 مرافقنا لم ينف، بالمقابل تمتع مادور بعدد هائل من الفسيفساء الجميلة التي لا يزال أغلبها مدفونا تحت الأرض، مشيرا إلى تعمد المشرفين على المعلم، ترك هذه التحف تحت التراب، وعلى عمق يزيد عن 30 سم، لحمايتها من التخريب، سواء البشري أو الطبيعي. ومن أهم اللوحات الموجودة بالمكان فسيفساء الآلهة الفينيقية تيودوراس.

حفلات فاخرة للتمويه على عمليات نهب فرنسية للآثار
يروي الشيخ منبه الأخضري، البالغ من العمر 85 سنة والذي عمل أكثر من 50 عاما كحارس على مادور و يعد أقدم سادن لمعابدها، بأن الفرنسيين الذين كانوا يدركون بأنهم مغادرين البلاد لا محالة، كانوا يحملون كل ما يعجبهم هناك، و يرسلونه عبر السفن إلى الضفة الأخرى، متحدثا عن سكة حديدية في وسط مادور، استغلت لحمل و نقل الآثار و التحف النادرة إلى مدينة تبسة، ثم إلى وجهات مجهولة، مؤكدا بأن مثل هذه السرقات كانت تحدث بعد تنظيم حفلات فاخرة، من باب التمويه، حيث كانوا يعمدون إلى جمع التحف المهمة وترتيبها بين أنقاض الحمامات الرومانية الثلاثة، وعندما يجدون الفرصة يأخذونها باتجاه تبسة.
و علّق الحاج منبه الذي عمل بالمكان منذ 1948، قائلا بأنه لحسن الحظ أن عجائب و ثروات هذه المدينة، لا تزال مطمورة تحت الأرض، و إلا لكانت ضاعت بسبب نهب المستعمر و لامبالاة أهل المنطقة.
و ذكر بأن المستعمر كان يستغل المدينة في السياحة يوما واحدا في الأسبوع، و هو يوم الأحد، لتمكين المسيحيين من القيام بطقوسهم الدينية بالمعابد، فيما كان يمنع العرب من التجوّل بالمكان، ما عدا العاملين في ورشات الحفريات و التنقيب. كما تذكر موقفا طريفا و مخزيا في آن  واحد لزميل له في العمل عثر على  45 قطعة نقدية ذهبية «لويز»، بعد تحطم صخرة حاولوا حملها فانقسمت إلى نصفين، حيث سارع بحملها إلى صاحب العمل بقالمة وكله بهجة وأمل في ثناء هذا الأخير على مجهوده و وفائه، ليصدم يوم توزيع الأجور، من رد فعل الأخير الذي تركه في آخر القائمة، وعند وصول دوره، سلمه ظرفا به» 10سوردي «(عملة قديمة) و قال له اشتر بها حبلا واشنق به نفسك، لتضييعك ثروة وقعت بين يديك بكل سذاجة، وأضاف ساخرا منه: «فرنسا ليست بحاجة إليك».

محج سنوي لأساقفة كنائس أوروبا
أكد رمزي بن يزة، المختص في علم الآثار والدليل السياحي بمادور، بأن المكان يعرف توافد رجال الدين و يشهد تزايد السياحة الدينية به، مشيرا إلى زيارات الأساقفة من مختلف كنائس أوروبا بشكل سنوي، إلى ما تبقى من آثار الكنائس الثلاث التي تظهر معالمها بوضوح، للقيام بطقوس مسيحية و الصلاة و استعادة سيرة القديس أوغسطين و الوقوف على الأماكن التي كان يتواجد بها القديسون و القديسات. وأضاف بأنه في السنة الماضية حضر 45 أسقفا من مختلف دول الاتحاد الأوروبي، و مارسوا طقوسا مسيحية و أدوا ترانيم باللاتينية، مذكرا بأن أغلب الزيارات التي تدخل في إطار السياحة الدينية تتم نهاية شهر أفريل، المصادف لتاريخ وفاة القديس أوغسطين، لكنها في السنوات الأخيرة باتت مرتبطة بفصل الربيع و ليس لها موعد محدّد.
و ذكر محدثنا بأن الأساقفة أثنوا جميعا على ثقافة التسامح التي عايشوها في المنطقة و الجزائر عموما، و علّق كبير الأساقفة، حسبه، بأن «الجزائر بالفعل بلد الحريات»، مضيفا بأن» الإسلام الحقيقي هو الذي رأيناه اليوم هنا».
و أردف بن يزة بأن كل السياح الأجانب المترددين على مادور، يقصدونها بدافع ديني و يسألونهم عن مكان الكنائس القديمة، و أغلبهم يبحثون عن زيتونة القديس أوغسطين، رغم أن هذه الأخيرة تقع في وسط مدينة سوق أهراس، بجانب زاوية سيدي مسعود، و تقول الروايات بأن القديس أوغستين( 354-430 ميلادي) كان يتعبّد و يدرس تحتها.
و اعتبر بأن المؤرخين لم يتعمقوا في البحث بخصوص هذه الشجرة التي تداول بشأنها بأن أوغستين هو من غرسها، رغم تأكيد العديد من علماء الآثار غير ذلك و اعتبار ذلك خطأ، حسبه، لأن الزيتونة كانت موجودة قبل القديس بحوالي ألف سنة، حيث أكد الباحثون، بأن عمر الشجرة حوالي 2900 سنة، في حين أنه مولود في سنة 354 ميلادي، أي في القرن الرابع، غير أنها تبقى الشجرة الروحية لهذا القديس، لأن جل كتاباته و خاصة الاعترافات في «مدينة الله» و «الثالوث»، و الرسائل و المواعظ التي تحمل توقيعه، كتبها تحت تلك الشجرة المقدسة، التي اكتشفتها أولى البعثات الفرنسية الاستكشافية إلى منطقة سوق أهراس سنة 1843، و هي مصنفة كتراث عالمي محمي من قبل اليونسكو.

من هنا مر النحوي ماكسيم وعالم الفلك كابيلا
تطفو أسماء العباقرة ومشاهير الأدب و النحو والعلوم و الأبطال بمجرّد ذكر اسم «مادور» التي يحملنا الفضول عند تصفح أوراق ماضيها المعرفي والعلمي إلى معرفة المكان الذي ساهم في إنجاب وتكوين شخصيات كأبليوس، الأديب والفيلسوف الأمازيغي النوميدي الذي كان يطلق على نفسه «آبوليوس المادوري الأفلاطوني» و الذي يعد صاحب أول رواية في التاريخ و الموسومة «الحمار الذهبي» أو «التحولات»، وكذا اسم النحوي و صديق القديس أوغستين، «ماكسيم» و عالم الفلك و الكاتب «مارتيانوس كابيلا « و غيرها من الأسماء التي جاء ذكرها في الكتب التاريخية و التي تبعث على الفخر، و يؤكد الباحثون بأن الفضل يعود لمدارسها التي استقطبت المتعطشين للعلم و المعرفة من كل الأقطار و ساهمت في تخرج العباقرة في مختلف المجالات و صنعت لهم أسماء خالدة و مشعة صمدت لآلاف السنين.
وإذا كان الكثيرون يعتبرون مادور مركز أول جامعة بإفريقيا، معتمدين في ذلك على كتابات و مراجع أجنبية عديدة، فإن ثمة من علماء الآثار من يؤكدون بأن خاصية المدينة ترجح بأنها كانت تتوّفر على هيكل علمي في شكل مدارس، لكن ليس بصفة الجامعة، غير أن هذا لا يغيّر حقيقة كونها مركز إشعاع علمي، لا يزال الكثير من العلماء والمختصين في علم الآثار و تاريخ الإمبراطورية الرومانية، يبحثون عن آثار ومعالم حاضرة العلماء والفلاسفة التي تؤكد كل المعلومات التاريخية و أخبار الأولين، بأنها مطمورة في عمق المدينة ـ الأسطورة التي أبت البوح، إلا بنسبة ضئيلة جدا من أسرارها و  ثرواتها، التي أسالت لعاب المحتل الفرنسي، فراح يحاول استخراج ما تكتنزه من آثار مهمة.

مدينة الزيتون التي لم يبق لأشجارها أثر
تعد مادور المدينة الأثرية الوحيدة التي اكتشفت بها معاصر الزيتون، و يبلغ عددها 22 معصرة أثرية قديمة، وهو ما يؤكد اشتهار المنطقة بأشجار الزيتون و صناعة زيت الزيتون، كما يؤكد المؤرخون بأن المنطقة كانت تحصي أكثر من 25 ألف هكتار كانت مخصصة لأشجار الزيتون، التي لم يبق لها أثر، و ثمة من يقول بأنها حرقت إبان الحربين العالميتين الأولى و الثانية، و هناك من يرجح أن تكون سياسة الأرض المحروقة، إبان الاستعمار الفرنسي وراء اختفائها، لكن الحقيقة تبقى مجهولة إلى يومنا هذا.
من بين الآثار المهمة المختفية أيضا من مادور والموجودة بالمتاحف الفرنسية، التمثال البرونزي الضخم الذي كان بالميدان العمومي الروماني، والذي يجسد صورة فارس على متن عربة، كما سرقت القطع النقدية، لأن المنطقة كانت معزولة وكان يعرفها بعض الفرنسيين فقط من بينهم بارتيز، الذي بنى نزلا أو بيت ضيافة على أنقاض معبد، و قد حوّل اليوم إلى بيت للباحثين، ينزلون به، كلما قدموا إلى المنطقة من أجل الدراسة الميدانية أو مواصلة الحفريات التي انطلقت السنة الماضية، و ذلك من أجل الاعتماد على الدراسات المحلية، بدل الاستمرار في استغلال المراجع الفرنسية و بشكل خاص تلك التي تركها ستيفن آكصيل، و المركزة على الفترة الرومانية، دون النوميدية، و قد يكون ذلك بدافع طمس الحضارة النوميدية، الذي جعل الكثير من الباحثين الجزائريين يتعاملون معها  بحذر.
 علما و أن الحفريات بدأت في فترة متأخرة و كل ما تم كان عبارة عن مسح في عام 1947، لكن الحفريات الحقيقية بدأت بين 1905 و 1930، حسب الدليل السياحي، الذي قال بأن فريق  الأستاذ و عالم الآثار إبراهيم  بورحلي، بصدد البحث عن سور المدينة النوميدية القديمة، لإبراز معالم حضارتنا و تواجد أسلافنا بالمنطقة قبل الحضارة الرومانية،على حد تعبيره.
من جهته، قال رئيس بلدية مداوروش أحمد زعباطي، بأن بلديته لديها مشاريع لخمس مناطق توسع سياحي، من بينها «مادور» التي خصصت لها مساحة تقدر ب271 هكتارا، لكن لم تتم المصادقة بعد على المرسوم،مضيفا: « نحن نراهن على استقطاب المستثمرين المحليين و العرب و الأجانب، لكن تبقى مشكلة نقص مرافق الإيواء نقطة سوداء، حالت دون استغلال الثروات السياحية التي تتوّفر عليها المنطقة، و رغم ذلك يبقى تضاعف عدد السياح الوافدين من كل أصقاع العالم، حافزا لنا للتفكير في النهوض بالمنطقة التي استفادت من الكثير من المشاريع التي من شأنها إنعاش قطاع السياحة والصناعات و الحرف التقليدية و الاقتصاد عموما، خاصة و أن  مادور تعد من أجمل و أهم المدن الأثرية في العالم».

تضاعف ملفت لعدد السياح
كشف نجم الدين جوامع، مدير الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية بسوق أهراس، بأن عدد السياح إلى مادور تضاعف بأربع مرات، عما كان عليه في السنوات الماضية، موضحا بأن المدينة الأثرية سجلت السنة الماضية  85695 زائرا، في حين لم يتعد عدد السياح عام 2013 ، 24 ألف سائح، مرجعا السبب إلى تحسين ظروف الاستقبال و الإجراءات التي فرضتها الرغبة والإرادة السياسية في حماية المواقع الأثرية المحمية، مثل مادور التي تم تصنيفها كآثار محمية عام1967، بالإضافة إلى مساعي الديوان الوطني لتسيير و استغلال الممتلكات الثقافية المحمية، لإنعاش السياحة بالمعالم الأثرية من خلال تأمينها، حيث رفعت عدد أعوان الحراسة بالمكان إلى 15 حارسا، بعد أن كان بها حارس واحد في السابق، بالإضافة إلى مضاعفة عدد عمال الصيانة إلى جانب الحضور الأساسي و المهم للباحثين في الآثار.
وأضاف بأن المدينة المعلم، لم تسجل أي مظاهر أو حوادث تخريب أو نهب منذ إشراف الديوان على حمايتها، في إشارة إلى عمليات النهب التي طالت بعض النصب و الأحجار التي قام بعض السكان المحليين و استغلوا تلك الحجارة في بناء منازلهم، مما حتم تكثيف الحراسة قبل سنوات. و تابع محدثنا بأن حماية الآثار مهمة الجميع وعلى المواطن أن يكون واعيا بقيمتها التاريخية والحضارية، في إشارة إلى المشاكل التي يواجهها الحراس مع الزوار الذين يلقون بالنفايات ويتركون بقايا الأكل.