تعرف المنطقة الصناعية بالما بقسنطينة، تحولا ملحوظا في طبيعة بعض الأنشطة في الفترة الأخيرة وذلك مع تزايد عدد المحلات و الفضاءات الخاصة ببيع الأقمشة و مستلزمات الخياطة والطرز و الأثاث وغيرها، و يتعلق الأمر بهجرة جماعية لتجار شارع العربي بن مهيدي نحو المنطقة التي باتت تستقطب الأنشطة التجارية، وهو ما يطرح تساؤلا حول طبيعة هذا التحول وأسبابه و تبعاته على الحركية بوسط المدينة.

 رميساء جبيل

البحث عن أسواق جديدة
اشتهرت قسنطينة فيما مضى بكونها قطبا تجاريا يستقبل مئات التجار بشكل يومي، حيث يقصدونها من مختلف ولايات الوطن، بغرض اقتناء كل ما يلزمهم من أقمشة ولوازم الخياطة والطرز، فزادت بذلك الحركية و اتسع النشاط بالمنطقة، غير أن العشر سنوات الأخيرة عرفت حسب باعة وأصحاب محلات تراجعا كبيرا في المعاملات سببه عدم تطوير البنى التحتية، في وقت ظهرت أسواق أخرى أكثر استقطابا، سرقت زبائن المدينة و أثرت سلبا على نشاط التجارة فيها، خصوصا في بعض الشعب كتجارة الأقمشة، إذ تحول الكثيرون نحو سوق « بابا حسن»  بالعاصمة  و محلات مدينة     « العلمة» لتوفر ظروف أفضل للنشاط، وهو ما بات يهدد مستقبل التجارة في عدد من النقاط الحيوية بقسنطينة، على غرار شارع العربي بن مهيدي، أين يواجه تجار الجملة خطر الإفلاس بسبب الركود و فقدان السوق الشهيرة لزبائنها و لسمعتها، الأمر الذي دفع بغالبيتهم إلى البحث عن البديل، بتغيير عناوين الناشط  و الانتقال إلى المنطقة الصناعية «بالما» بحي بوالصوف، بحثا عن سوق جديدة قادرة على المنافسة و استرجاع الزبائن.
الهاجس الأمني يفرغ «طريق جديدة»
علمنا من تجار غادروا وسط المدينة مؤخرا، و  حولوا تجارتهم نحو المنطقة الصناعية، بأن هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لجملة من العوامل مجتمعة وهي أسباب أثرت كثيرا على مداخليهم في السنوات الأخيرة و دفعتهم نحو الانتقال جماعيا إلى العنوان الجديد، و يتعلق الأمر بالدرجة الأولى بمشكل انعدام الأمن في شارع العربي بن مهيدي و تفاقم الوضع مع مرور السنوات، خصوصا خلال الفترات المسائية.
و أخبرنا تاجر، أن ما دفعه إلى تغيير مكان عمله وترك محل العائلة بوسط المدينة، هو عدم توفر الظروف المساعدة على العمل، فلا أصحاب المحلات في راحة واطمئنان على أرزاقهم، ولا الزبائن والزوار باتوا قادرين على التنقل بأريحية كما عبر، وذلك بسبب ما يتهددهم من خطر الاعتداءات بغرض السرقة، و التي تصل أحيانا إلى غاية  التعرض للضرب، مضيفا أنه سبق و أن كان شاهدا على تعرض سيدة للسرقة بعد مغادرتها لمحله مباشرة، و قد كانت زبونة وفية من مدينة شرقية، خطف السارق حقيبة يدها وكان بها مبلغ 100 مليون سنتيم، ولولا تدخل تجار المنطقة لكان اللص قد تمكن من الفرار، مع ذلك فقد أثرت الحادثة كثيرا على نشاطه وهو ما اضطره للانتقال.
الأمر نفسه أكده باقي التجار، مشيرين إلى مشاكل أخرى تتعلق بضيق الشارع وانعدام أماكن لركن السيارات ومركبات نقل البضائع، ما يضع أصحاب المحلات والزبائن في حيرة من أمرهم حول كيفية إنزال البضاعة أو نقلها، ناهيك عن معضلة « الباركينغ» العشوائي التي فرضها من وصفوهم « بقطاع الطرق»، وهم بطالون يفرضون على الناس الدفع لأجل الوقوف والتوقف في المكان و تحميل أو إنزال البضاعة، زيادة على الازدحام المروري الذي يشهده وسط المدينة بشكل يومي، مع صعوبة السير على طول الطريق، إذ كثيرا ما  يضيع  الزبون أزيد من ثلاث ساعات ليتمكن من الوصول إلى مقصده كما أخبرونا.
تنقلنا بين عدد من المحلات التي افتتحت مؤخرا بالمنطقة الصناعية، و قابلنا تاجرا كان يعيد ترتيب لفافات  الأقمشة في متجر جديد، حدثناه فقال، بأنه يعمل على إفراغ محله بوسط المدينة لينقل كل بضاعته إلى    « بالما» وذلك بعد 20 سنة كاملة من النشاط في         « طريق جديدة»، أما السبب فراجع كما أوضح، إلى تغير الظروف، موضحا أن محله القديم تعرض قبل مدة لعملية سطو خسر بسببها ما يعادل تعب سنوات من العمل في التجارة، إذ قام اللصوص بتحطيم جدار المتجر الذي يزيد عرضه عن 70 سنتيمترا وفتحوا الخزنة وسرقوا كل ما بداخلها.
كما أكد محدثنا، أن غالبية الباعة في الشارع القديم يتعرضون اليوم للتهديد بشكل متواصل، فمنهم من خرب اللصوص  قفل محله بأن سكبوا عليه الغراء، ما استوجب كسره  وإعادة تركيب آخر جديد، ومنهم من وصل المجرمون إلى حد إغراق مدخل محله بمواد مشتعلة كتهديد صريح بإمكانية حرق المكان بكل ما يحتوي عليه.
الترحيلات سبب آخر
تنقلنا إلى وسط المدينة و تحديدا إلى شارع العربي بن مهيدي « طريق جديدة»، لنستطلع الأوضاع، فأخبرنا التجار هناك، أن الترحيلات التي شهدتها المدينة في السنوات الأخيرة و مغادرة كثير من السكان للأحياء القديمة باتجاه علي منجلي و ماسينيسا، أفرغ المدينة و أثر سلبا و بشكل كبير على الحركية التجارية، التي تقل كثيرا بعد الثالثة زوالا و تكاد تنعدم بعد الخامسة  ليتحول الشارع إلى منطقة للأشباح و اللصوص إلى غاية صباح اليوم الموالي.
و يقول التاجر عز الدين، أنه في السابق كان أصحاب المحلات يغلقون ويغادرون وهم مرتاحو البال، لعلمهم بأن أرزاقهم في حماية السكان الطيبين، لكن الوضع تغير كثيرا بعد الترحيلات.   
300 ألف دج تكلفة الإيجار
هذه الهجرة الجماعية نحو المنطقة الصناعية، انعكست مباشرة على أسعار كراء المحلات و فضاءات العرض فيها، وقد علمنا من تجار أن تكلفة  بعض المحلات تصل إلى 300 ألف دج شهريا، حيث استغل أصحاب المستودعات حركة تجار الجملة  ليزيدوا من الأسعار بعد أن كانت في وقت سابق كما علمنا من المستأجرين القدامى لا تزيد عن 60ألف إلى 100ألف دينار حسب مساحة المحل.
وأوضح تجار، أن هذه الزيادات عرقلت انتقال تجار آخرين إلى المنطقة، مشيرين إلى أنهم يعيشون حاليا ضغطا كبيرا بسبب أسعار الإيجار من جهة وتراجع الإقبال من جهة أخرى، فمعظم زبائن قسنطينة تحولوا حسبهم إلى أسواق بيع الأقمشة بالعاصمة و سطيف وبرج بوعريريج، هروبا من المعضلات التي يواجهونها عند التسوق من طريق جديدة.
مغريات العرض والسعر مع زيادة التنافسية
وخلال جولة بين محلات بيع الأقمشة بالجملة في المنطقة الصناعية بالما، وقفنا على تنوع المعروضات واختلافها من محل إلى آخر، منها الموجهة للملابس النسائية و الرجالية وحتى المخصصة لحياكة المفروشات، فيما تختلف الأسعار من محل إلى آخر ولا تبقى ثابتة في حالة البيع لزبون أو الشراء بكمية كبيرة.
وأخبرنا عدد من الباعة وأصحاب المحلات، أن تجمع تجار الأقمشة في بالما، زاد من حدة التنافسية  حيث ينتهج كل تاجر طريقة معينة لجذب الزبائن وتكوين علاقة طيبة ومتينة معهم تدوم لسنوات، ومن بين  الأساليب المعتمدة، تخفيض السعر و البيع بالتقسيط أو التوصيل المجاني لبضاعة المشتري سواء داخل المدينة  أو خارجها.
نزوح بين الرفض والتأييد
عبر تجار بالمنطقة الصناعية وآخرون بطريق جديدة عن تأييدهم لهذا النزوح الذي أتاح لهم ممارسة نشاطهم بكل حرية وأريحية، في ظل توفر الأمن و  اتساع الطرقات وانعدام الازدحام المروري، فضلا عن وجود مساحات أمام المحلات أين يتسنى لهم ولزبائنهم ركن مركباتهم بكل سهولة.
وأضاف محدثونا، أنهم في انتظار التحاق بقية التجار لتصبح بالما، سوقا مخصصا لبيع الأقمشة بالجملة مؤكدين، أن المنطقة كانت خاوية كذلك و يخاف الأشخاص المشي فيها أو العبور منها، لكن مع افتتاح محلات الأقمشة تغير الوضع حيث عرفت حركية خصوصا بعد افتتاح المطاعم أيضا.
فيما أبدى تجار التقينا بهم بطريق جديدة، رفضهم لهذه الحركة، قائلين أن هذا التصرف « غير المدروس» زاد من حدة الوضع بالشارع، إذ فقدوا كثيرا من زبائنهم الذين استقطبتهم السوق  الجديدة، وأنهم غير مستعدين لترك محلاتهم التي يمتلكونها وتأجير أخرى في مكان بعيد، متسائلين عن إمكانية ممارسة التجارة في منطقة صناعية.  
مطالب بإنشاء سوق للأقمشة
و يطالب معظم تجار الجملة  لبيع الأقمشة، سواء الناشطين بالمنطقة الصناعية « بالما» أو بوسط المدينة بتخصيص مكان بعيد نوعا ما عن التجمعات السكانية وإنشاء سوق يضم عددا من المحلات الواسعة لهذا النوع من التجارة، وذلك بغية دفع الحركية واسترجاع الزبائن.
تواصلنا مع مدير التجارة بقسنطينة، للاستفسار عن طبيعة هذا التحول في نشاطات المنطقة الصناعية، فأوضح بأن الموضوع لا يندرج ضمن مسؤوليات المديرية.

الرجوع إلى الأعلى