وصف مشاركون في معركة الجرف الشهيرة، هذه المحطة بالملحمة البطولية، التي اندلعت في 22 سبتمبر سنة 1955، بالجنوب الغربي لولاية تبسة، و لم تكن مواجهات وليدة الصدفة بل حتمية وذلك قياسا بحجم التحضيرات والأحداث المتسارعة التي شهدتها الولاية التاريخية الأولى، بدءا باعتقال مهندس الثورة التحريرية الشهيد مصطفى بن بوالعيد شهر فيفري 1955، وتعيين قيادة جديدة لاستخلافه مرورا بتغيير مقر إدارة الولاية، من خنشلة نحو منطقة الجرف بتبسة المحصنة طبيعيا لإعاقة تقدم جيش الاستعمار، وصولا إلى القرارات الجديدة، الرامية إلى تفادي الأخطاء التي وقعت فيها الثورة خلال أول عشرة أشهر من انطلاقها،  ودون إغفال رغبة مجاهدين في نزال مباشر يكسر شوكة المستعمر الفرنسي، ويكون لأثره بعد محلي ووطني وعالمي.

الجموعي ساكر

راهن خليفة بن بوالعيد ومن معه على هذا الاختبار، في تحد مكشوف للمستعمر، والتأكيد على استمرارية الكفاح المسلح، وفي هذا الإطار أوضح المجاهد الوردي قتال للنصر: «كانت معركة الجرف تحديا للقوات الاستعمارية، بعدما لاحظ القائد شيحاني بشير، نوعا من الفتور والضعف عقب إلقاء القبض على قائد المنطقة مصطفى بن بوالعيد»، ومن منظور المجاهدين فإن فكرة الاحتماء داخل الجرف و إستراتيجية الانقضاض الجبلي من شأنها تقليص حجم فارق القوة بين الطرفين، وكانت القيادة تطمح إلى تحقيق جملة من الأهداف، وفي مقدمة ذلك، رفع الروح المعنوية للمجاهدين والمناضلين واستقطاب المئات للانخراط في صفوف جيش التحرير والعمل على إفشال الدعاية المضادة، التي حاول من خلالها العدو استغلال استشهاد عدد من قادة الثورة، وإلقاء القبض على آخرين، للتأكيد على أن الثورة انتهت بانتهاء مهندسها بن بوالعيد وغيره ولتجسيد هذه الرغبة، عقدت عدة اجتماعات، على غرار اجتماع رأس الطرفة الموسع، من 15 إلى 20 سبتمبر 1955، أين ألقى القائد شيحاني بشير كلمة مطولة، أمام المئات من المواطنين القادمين من تبسة وبئر العاتر والشريعة و خنشلة، جدد فيها تحديه للاستعمار وعملائه، بقوله    « ولا شك أن بينكم من سيسارع للتبليغ عنا ولهؤلاء نقول بلغوا فرنسا بأمانة عن حقيقة المجاهدين»، مطمئنا المناضلين والمشككين والمتخاذلين بقوله « إذا أردتم أن تتأكدوا من نجاح الثورة، فإن ذلك مجسد أمامكم  قيادة عليا بدمها ولحمها توضح لكم معالم الطريق محروسة بـ 300 مجاهد».
 وتشير مصادر تاريخية، إلى أن مخرجات هذا الاجتماع، كانت قد وصلت مسامع العدو، فقام الجيش الفرنسي بتحريك قواته على أكثر من جهة، لتطويق الجرف بعدما علم أن أغلب قادة الولاية التاريخية موجودون في هذا المكان كما علم شيحاني بتلك التحركات، فانسحب ومن معه من القادة إلى رأس الطرفة، على الخيل إلى جنوب وادي هلال، أين يوجد مركز لجيش التحرير في مسحالة، حسب رواية المجاهد قاسمي إبراهيم، وبعد التشاور تقرر البقاء بالجرف ووجه القائد فرقة يتقدمها محمد بن عجرود باتجاه الشريعة، وذلك لمراقبة تحركات العدو وتعطيل حركته عند الضرورة، غير أن أفرادها استشهدوا بمنطقة فرطوطة، وعند وصول شيحاني ومن معه من القادة وهم « عباس لغرور وعاجل عجول وبشير ورتلاني المدعو سيدي حني وفرحي ساعي وعمر البوقصي والوردي قتال» تم تبادل الآراء بشأن الاستراتيجية، التي سيتم انتهاجها في هذه المواجهة، و الاتفاق على التحصن بالجرف، لعدم كفاية الوقت للانسحاب، كما تم تقسيم القلعة إلى عدة قطاعات ومواقع دفاعية تناسب حوالي 300 مجاهد، كانوا مسلحين بأسلحة متواضعة، لا تقارن بحجم الإمدادات التي دعم العدو بها مواقعه، إذ كان حريصا على اغتنام هذه الفرصة للقضاء على ما تبقى مما يسميه بالفلاقة، مستعينا في ذلك بعناصر من اللفيف الأجنبي، وبالطائرات المقنبلة والاستطلاعية والمدافع والدبابات، التي غطت حوالي 5 كيلومترات من مساحة الجرف ووادي هلال.
* المجاهد مسعي لسود
كنا مستعدين رغم أن  المعركة فرضت علينا

عرج المجاهد مسعي لسود، المولود في عام 1929، للحديث عن الظروف التي سبقت المعركة، حيث قال للنصر«بأن معركة الجرف سبقتها عدة مواجهات، ومناوشات مع الجيش الفرنسي، ومنها معركة أم الكماكم والزرقاء وحليق الذيب، الأمر الذي دفع بالعدو إلى تكثيف تواجده، من خلال إعادة نشر قواته، لتكون جاهزة في كل الظروف» واعتبر المتحدث وهو أحد الثلاثة الذين لا يزالون على قيد الحياة، ممن شاركوا في الجرف، بأن هذه المعركة تعد أم معارك ثورة التحرير، وذلك من حيث القوة والنتائج المحققة محليا ودوليا، حيث كانت انطلاقتها في 22 من شهر سبتمبر من عام 1955، و «دامت 03 أيام وليلة من المواجهات الدامية والمتواصلة، واستمرت ارتداداتها إلى 29 سبتمبر 1955، بعد خروج القائد شيحاني ومن معه سالمين، وعن ما إذا كانت المعركة مفاجئة للمجاهدين، نبه المتحدث، إلى أن رفاقه في السلاح كانوا يتوقون إلى هذا الاختبار بالرغم من تباين ميزان القوى، وعلى الرغم من أن بعض الحيثيات فرضت عليهم فرضا، غير أن حنكة رفاقه في الكفاح وبسالتهم في الدفاع والتضحية، قد مكنت من تحقيق انتصار ساحق  كان له الأثر الكبير في تبليغ القضية الجزائرية، وإعادة طرح ملفها في أروقة الأمم المتحدة، وعاد المجاهد بذاكرته إلى خريف 1955، قائلا إنه كان ضمن أفراد كتيبة، القائد حمه بن زروال وفرحي ساعي، وقبل ثلاثة أيام من اندلاع هذه المواجهة، غادروا المناطق الحدودية المشتركة مع تونس وتوجهوا إلى وادي هلال بناء على أوامر من القيادة، وهو ما حال دون حضورهم اجتماع رأس الطرفة الذي انعقد بين 15 و20 سبتمبر بجبل الجرف، والذي خصص للتحسيس بالثورة وحضره المئات من المجاهدين والمواطنين من مختلف الجهات، غير أن وصول هذه المجموعة تزامن مع انسحاب المجاهدين والقادة من تلك المنطقة باتجاه الجرف بعدما علمت فرنسا بمكان وأهمية هذا اللقاء وبعد استشهاد أغلبية من كانوا مع القائد محمد بن عجرود.
 أعطيت بعدها أوامر بتوزيع الكتائب إلى مجموعات صغيرة، مع مراعاة عدم التمركز في مكان واحد وخلال اليوم الأول، استطاع القائد عباد الزين الخروج بكتيبته من موقع المعركة، بعد مناوشات مع القوات الفرنسية وتغيير وجهته، أما مجموعة مسعي لسود، فلم تغامر بالخروج من ذات المنفذ بعدما علمت بانتشار الفرنسيين، ليعيد المجاهدون ترتيب مواقعهم في المنطقة الشرقية للجرف.
 وقد عمد الجيش الفرنسي إلى تقديم آلياته المدعومة بالدبابات والطائرات واللفيف الأجنبي من السينغال والمغرب وتونس، واضطر المجاهدون إلى اتخاذ موقف المدافع والمراقب، لمنع تسلل الجيش الفرنسي للوادي ومنه إلى القلعة وتبعا لخسائر اليوم الأول، قام الفرنسيون بتغيير الاستراتيجية المتبعة باعتماد القصف المدفعي، المسنود بمرافقة طيران الاستطلاع والطائرات المقنبلة و استمر الحال على هذا النحو لمدة ثلاثة أيام متتالية أثبت خلالها الثوار شجاعة ورباطة جأش قل نظيرها غير أن المجاهدين وجدوا أنفسهم في ختام اليوم الثالث، وجها لوجه مع المشاة المدعومين بالدبابات بوادي الجرف، لتدخل المواجهات بين الطرفين فصلا جديدا ومباشرا، أصيب خلالها أربعة مجاهدين بجروح متفاوتة وهم « مسعي لسود و ورشيد بوقرة وسلامة الصادق وكحلة عبد الله» في وقت ظل المجاهد كافي عمار يذود عنهم و تمكن من القضاء على ضابط فرنسي وبعد حلول الليل انسحب المجاهدون من ذلك المكان والتقوا بالقيادة وهناك أكد عباس لغرور قلة الزاد ونقص الخرطوش متوقعا وصول جيش العدو إلى القلعة في الساعة القادمة، مقترحا الخروج من هذا الطوق وتفادي الإبادة الجماعية، وهو الخيار الذي تمت الموافقة عليه باختيار الجهة الغربية كوجهة للخروج، لأنها الحلقة الأضعف في عملية تطويق الجرف.
 حاولت المجموعة الخروج وغنمت في طريقها 6 بغال، كانت تحمل المؤونة والسلاح للجيش الفرنسي، لكن تم لاحقا أخذ ما خف حمله والتخلص من تلك البغال، التي كانت عبئا على المجاهدين، وشاءت الأقدار أن تسقط أمطار غزيرة في تلك الليلة، فكانت بردا وسلاما خصوصا على أولئك الذين كانوا بعيدين عن منابع ومجاري المياه، لكن السيول صعبت حركة تقدم الدبابات، وأعقب ذلك ضباب كثيف خيم على طول الجرف، وهي ظروف استغلها المجاهدون للخروج، مع ذلك أصيب المجاهد علي مسعي بجروح وظل لمدة ثلاثة أيام بين حجرين كبيرين في ذلك الوادي، وبعد تبادل لإطلاق النار بين الطرفين، أسفر عن سقوط عدد من القتلى و الجرحى كانت صيحات الله أكبر والجهاد في سبيل الله حافزا للخروج عقب ليلة كاملة من المواجهة.
 قال محدثنا، إنه قبل بزوغ شمس اليوم الموالي، تمكنت هذه المجموعة المكونة من 12 عنصرا يتقدمهم عباس لغرور وفرحي ساعي، من الخروج وكسر ذلك الطوق وساعد الثوار رفقاءهم في عملية الانسحاب التي تمت في صمت وتحت جنح الظلام بعدما وجد مجاهدون منهم المجاهد مسعي لسود، طبيبا من منطقة خناق لكحل لعلاج الجرحى.
 أما بالنسبة للقائد شيحاني بشير، فقد آثر البقاء مع ثمانية مجاهدين في القلعة، ولكن فرنسا استطاعت معرفة موقعه بعد استدراج أحد المجاهدين لموقع المياه، حيث أغرى الفرنسيون المجموعة المتحصنة داخل الكهف بالخروج مع ضمان سلامتهم الجسدية، لكن شيحاني رفض، فما كان من القوات المعادية، سوى إمطار الكهف بوابل من القنابل واستعمال الغاز لكن شساعة الموقع مكن المجموعة من التوجه إلى الجهة الأخرى من الكهف، واستطاعوا في اليوم السابع اكتشاف منفذ للنجاة.
 وأضاف المجاهد مسعي لسود للنصر، بأن نجاح معركة الجرف كان انتصارا مدويا للثورة، مكن من إسماع صوت الثوار عاليا، كما رفع من معنويات الشعب والمجاهدين، فصار الانتساب للثورة مفخرة، كما ساهمت المعركة في رفع الحصار عن منطقة الأوراس وكذا الشمال القسنطيني لاحقا.
تدابير جديدة سبقت اندلاع هذه الملحمة
تبنى القادة الجدد للولاية التاريخية الخامسة، في صيف 1955 جملة من التدابير الاحترازية لتفادي وقوع الثورة ومهندسيها في الأخطاء السابقة وهو ما وضعه البعض في خانة الاستعداد الجيد لأي مواجهات، ومن بين تلك الإجراءات، السعي إلى كسر الحصار المضروب على الأوراس منذ إلقاء القبض على بن بوالعيد واستحداث مجموعات وفروع لجيش التحرير لضرب الجيش الفرنسي من الخارج وتعيين مجموعات أخرى مهمتها تعطيل تقدم قوات العدو نحو المعاقل الرئيسية للثورة والاعتماد على حرب العصابات والتنقل في مجموعات صغيرة، ناهيك عن تعيين كتائب وقيادات للمناطق، فضلا عن تعيين لزهر شريط على رأس منطقة أم الكماكم، وحمه لخضر عن وادي سوف، وشملت تلك القرارات دراسة كيفية تنويع الخطط الحربية وتعبئة الجماهير والحث على نصب الكمائن لاستدراج القوات الفرنسية خارج المدن والعمل على التعريف بالثورة وبأهدافها لمواجهة الحرب النفسية الممارسة ضد الشعب من قبل فرنسا وعملائها.

معركة الجرف في سطور
المكان: الجرف (100 كم إلى الجنوب الغربي من تبسة)
التاريخ: من 22 سبتمبر 1955 إلى 29 سبتمبر 1955
القوات المشاركة: 40 ألف جندي مدعومين بالدبابات والطائرات واللفيف الأجنبي مقابل 300 مجاهد بأسلحة بسيطة.
الإستراتيجية العسكرية المتبعة: إستراتيجية الانقضاض الجبلي حيث كانت الطبيعة الصخرية بمنطقة الجرف ووادي هلال مساعدة على هذه الإستراتيجية الحربية، التي قلصت من حجم خطر الجيش الفرنسي وصارت تدرس كنموذج لحرب العصابات في المعاهد العسكرية الدولية.
نتائجها: مقتل 700 جندي فرنسي وإصابة 350 آخرين، وإسقاط طائرتين وغنم كميات من الأسلحة واستشهاد 170 مجاهدا وفدائيا وجرح 40 إلى 50 آخرين، ثم انتقام فرنسا من الجزائريين، بإحراق زهاء 30 قرية و« مشتة و دوار»، ولم يمنع ذلك من بلوغ الثورة مسامع المنتظم الأممي آنذاك.
قالوا عن معركة الجرف
العربي بن مهيدي: «يكفينا فخرا أننا لقنا فرنسا في الجرف درسا لن تنساه عن البطولة»
الجنرال بوفور: « تجابه قواتنا أعنف عمليات هجومية في الجرف»
الجنرال بيجار: « كدت أن آكل التراب في جبال النمامشة»
الشاعر محمد الشبوكي: «سلوا حبل الجرف عن جيشنا  يخبركم عن مدى بطشنا»
وقال أيضا: «سلوا الفرنسيين عنا يوم نكبتهم في الجرف كيف حصدنا ماشينا»

الرجوع إلى الأعلى