يتبنّى طلبة جامعيون فكرا ربحيا يساعدهم على توفير مصاريف الدراسة و العطل و التحضير للسفر و مواصلة التدرج في الخارج، وهو توجه آخذ في الانتشار بين الشباب و الشابات، الذين لا يكتفون بمنحة التمدرس وحدها، بل يعتبرون الجامعة فرصة للتكوين في المجالات الأكاديمية والحياتية كذلك، عبر ممارسة أنشطة تجارية و تعلم  بعض المهارات المفيدة على غرار تنمية القدرات في مجال الاقتصاد، و إتقان مهارات التفاوض والذكاء الاجتماعي.
  نوفل و ملاك وحسناء، شباب في العشرينيات يدرسون بجامعة صالح بوبنيدر قسنطينة 3، قالوا للنصر، بأنهم يستغلون كل فرصة تتاح أمامهم لتعلم ما يمكن أن يثري السيرة الذاتية التي يعملون على تعزيزها أيضا عبر التكوين الجامعي، حيث يعتبرون الخبرات الاجتماعية التي يستقونها من خلال الاحتكاك بالناس عبر نشاطات كالتطوع  و تتبع قصص النجاح نافذة يطلون من خلالها على العالم و تحمل إليهم رياح المعرفة التي تضاعف أرصدتهم.
التحلي بروح المسؤولية والاستثمار الجيد للمال
يعمل نوفل زيغد (20سنة)، في محل لبيع الهواتف الذكية، أخبرنا بأن دخوله إلى ميدان الشغل في سن مبكرة، أثر على نظرته إلى كثير من الأمور في الحياة، بداية بإدراكه لقيمة الاستثمار الجيد للأموال وتوظيفها في أنشطة تعود عليه بالفائدة.

 قال الشاب بأنه قرر التجربة بمفرده، و استثمر رأس مال صغير وظفه في شراء وإعادة بيع الهواتف، مضيفا بأن ممارسة التجارة تنعش العقل وتجعل الفرد يركز مع كل التفاصيل المتعلقة بها ويرغب في تعلمها، مثل التسويق، والبحث عن استراتيجيات جديدة لزيادة حجم المبيعات، فضلا عن الاهتمام بطريقة التعامل مع الزبون وإتقان مهارات التواصل لكسب ثقته والمحافظة على وفائه للمحل.
 ويرى، بأن الضغط على الزبون من أجل بيع السلعة يؤثر سلبا على العملية، فمن المستحسن أن يكتشف مزايا المنتج بمفرده حتى يقتنع به ويُعرف أصدقاؤه وأقاربه على المحل، فضلا عن أهمية تزويد التاجر زبائنه بالمعلومات الكافية عن الجهاز، وتقديم النصائح التي يحتاجونها.
 ونفى نوفل، أن تكون التجارة عملية روتينية تنتهي بإتمام البيع وتحقيق المال، بل تحتاج أن تُمارس بشغف فضلا عن تطوير استراتيجياتها، والإبداع في الترويج للسلع والابتعاد عن الطرق التقليدية، وذكر الاعتماد على تقنيات الاتصال الحديثة واستغلالها في التعريف بالخدمات التي يقدمها المحل مثل عروض التخفيض، ومعرفة ما يرغب فيه الجمهور وتوفيره مع معدات أخرى تابعة له بثمن أقل، و أكد الطالب بكلية علوم الإعلام والاتصال والسمعي البصري، أن النجاح في التجارة متعلق بالفرص التي يوجدها التاجر لنفسه، واختباره لمختلف التجارب والتعلم منها، فضلا عن الاطلاع على تجارب  الشخصيات الناجحة والتعلم منها.
كما أثر الشغل على الكثير من جوانب شخصية الطالب، حيث قال بأنه عرف قيمة الوقت وأهمية استغلاله فيما ينفع، والابتعاد عن الممارسات السلبية، وأوضح بأن الترفيه في حياة الطالب العامل يصبح شيئا ثانويا مقارنة بالأنشطة المهمة التي يمضي فيها وقته، و الأفضل حسبه أن يقسمه بين الدراسة والعمل.
ترتيب الأولويات لتحقيق الأهداف

أما حسناء نور الهدى سيمر، صاحبة مشروع «نور سي» لإنتاج مواد تزيين الحلويات، فأوضحت لنا، بأنها تعلمت من متابعة مشروعها  والسهر على نجاحه، أن تكون شخصية مسؤولة، كما أدركت أهمية ترتيب أولوياتها لتحقيق أهدافها، بداية بالتوفيق بين الدراسة والعمل وعلقت «لا أريد الاكتفاء بشهادة واحدة عند تخرجي من الجامعة، لهذا قررت تطوير نفسي في مجالات أخرى وتحصيل شهادات مختلفة، حتى أضاعف فرصي في النجاح و التميز».
وأضافت، أنها اكتشفت من خلال صناعة الحلويات، حبها للإبداع وممارسة الفن في اختيار الألوان، وابتكار أشكال مختلفة تصنعها بعجينة السكر، لاسيما الأشكال التي تبرز التراث والثقافة الجزائرية لتزيين حلويات الأفراح والمناسبات مثل، اللباس التقليدي، كما استفادت حسناء من تعلم مهارات التسويق و المعاملات التجارية، عند عرض منتجها على الزبائن سواء في مواقع التواصل الاجتماعي، أو عند محلات بيع الحلويات.
الشابة ملاك بوعون، ذات الثلاثة والعشرين سنة، قالت من جانبها، إنها تعلمت من عملها في تحضير صناديق الهدايا الخاصة بالرُّضع والأطفال، الكثير من الدروس المستوحاة من قصص زبوناتها وتجاربهن سواء في تربية الأطفال أو تجاوز بعض المشاكل الحياتية، إلى جانب التسيير الجيد لمواردها، فعند حصولها على شهادة البكالوريا جمعت مبلغا من المال الذي جاءها كهدية نجاح، واشترت مستلزمات بسيطة طورت بها مشروعها مثل ورق التغليف و الملصقات لتزيين الصناديق، فضلا عن منتجات للعناية الجسدية بالرضع بسعر الجملة، وترى ملاك بأن المرأة يجب أن تتسلح بالدراسة والعمل معا، وتفكر في مستقبلها من أجل إثبات نفسها أولا كعنصر فاعل في المجتمع، وأيضا حتى تحقق طموحاتها  وتنشأ مشروعا خاصا بها تعتمد عليه في تحقيق المال الذي يساعدها على التغلب على مصاعب الحياة، وأضافت الطالبة  في تخصص اللغة الفرنسية بجامعة الإخوة منتوري، بأنها تحب أن تبني نفسها وتطور من إنجازاتها وستظل دائما تعمل على هذه النقطة إلى أن تصل إلى الرضا.
تعلم أساسيات التجارة يساعد على تطوير النشاط
وبالرغم من المتعة التي يجدها نوفل في التجارة، إلا أن هذا لا يخفي الصعوبات التي يصطدم بها الشخص في بداية تعلم أساسياتها، من بينها الخسارة التي يمكن أن يكبدها الزبون للتاجر إذا لم يعجبه المنتج، أو إذا وجد فيه بعض الأخطاء، بالإضافة إلى تأثيرها على التكوين في مجال الدراسة، إذ يتطلب الجمع بين الشغل والجامعة جهدا مضاعفا حسبه.
من جهة أخرى يحب نوفل أن يشعر باستقلاليته، وتحمله لمسؤولية نفسه وعدم تضييع الوقت فيما لا ينفعه، و يقول بأنه اختار مجال الأجهزة الذكية لشغفه بالإعلام الآلي، فاحتكاكه بالهواتف بدأ منذ الصغر و لطالما أحب استكشاف أجزائها وكيفية عملها، وبعد تحصله على شهادة البكالوريا أُتيحت له الفرصة لممارسة نشاط بيع الهواتف وإفادة الناس بما تعلمه خاصة عندما بدأ العمل في محل لبيع الهواتف فور ما اتصل به صاحبه.
و يفكر محدثنا حاليا في الكثير من المشاريع ولا يعتبر الدراسة عائقا لتحقيق ذلك، خصوصا إذا توفر رأس المال الذي يساعد على إنشائها وأردف، بأن الطالب يحتاج فقط إلى تنظيم وقته وفقا لبرنامج يساعده على التوفيق بين الدراسة والعمل.
وينصح الطلبة والشباب بممارسة أنشطة مفيدة بدل تضييع الوقت، أو التوجه نحو بعض السلوكيات الخاطئة التي تحرمهم من فرص كثيرة في الحياة وتهدم صحتهم، خصوصا وأن الإنترنت حاليا توفر لهم مصادر مختلفة ومتنوعة لتعلم الكثير من المهارات التي تساعدهم على دخول مجال التجارة باختلاف أنواعها سواء الكلاسيكية أو الإلكترونية وتطوير أنفسهم فيها والتأسيس لمشاريع مستقبلية.
ثقافات جديدة تكسر القواعد التقليدية

ترى محدثتنا ملاك، بأن رؤية الطالب للأمور تختلف عن البقية، وأرجعت ذلك إلى توفير الجامعة لأفكار مختلفة في مجال المؤسسات الناشئة، فضلا عن احتكاكهم اليومي بباحثين وشخصيات من مختلف الميادين، وهذا ما جعلهم يرفعون سقف آفاقهم واستسقاء أفكار جديدة تكسر الرتابة وقالت الطالبة بجامعة الإخوة منتوري، تخصص لغة فرنسية، بأنها تحاول التجديد في مشروعها من خلال مزج ألوان مختلفة في الهدايا وتقديمها لزبوناتها كتوجه جديد بعيدا عن نمطية الزهري و الأزرق.
وأضافت، بأنه من المهم ترسيخ ثقافات جديدة في تقديم الهدايا، وتغيير النظرة لقيمة الهدية، لأن الهدية الخاصة التي تحضر بعناية و تتضمن تفاصيل شخصية و متميزة، ذات تأثير أكبر على صاحبها خصوصا إن أضيفت إليها لمسة معينة كالاسم، أو التركيز على إبراز شيء يحبه الشخص المعني، وكل ذلك يتضمن ترجمة للمشاعر الصادقة بين الأفراد ومدى معرفة كل واحد بالآخر، واضافت بأن العمل في مجال الهدايا عموما وهدايا الأطفال تحديدا تطور كثيرا، وقد ظهرت الكثير من المنتجات والوسائل الحديثة التي تريح الأم وتساعدها في الاهتمام بصغيرها. وكانت بداية ملاك في هذا النشاط تحديا لنفسها كما أخبرتنا، حيث انطلقت في التجارة لتشحن طاقتها، بعد فشلها لأول مرة في امتحان شهادة البكالوريا، ما جعلها تفكر في البحث عن شيء يساعدها على الخروج من حالة الإحباط التي عانت منها، وبما أنها كانت تحب الأطفال الصغار وتعرف بعض جوانب تربيتهم وما تحتاجه الأم للعناية بطفلها، فقد قررت أن تخصص مشروعها لهم، ولم يتجاوز رأس مالها آنذاك 500 دج اقتنت بها قبعة للأطفال وزينة للشعر، وحامل لهاية و نسقت كل القطع مع بعضها في صندوق زينته ليكون هدية مناسبة، وقالت الشابة، إنها كانت تضيف عنصرا جديدا لقائمة الهدايا  في كل مرة مثل الملابس و الألعاب حسب طلب الزبائن. أما عن أسعار صناديق الهدايا فتبدأ حسبها من 6000دج، و تتحدد حسب طبيعة وقيمة المنتجات التي تضعها في كل صندوق، وقد يصل سعر بعض الهدايا  إلى 17000دج إذا كانت عبارة عن صندوق به كل اللوازم التي يحتاجها الطفل، حيث تركز ملاك على توفير منتجات العناية بالطفل مثل الكريمات وغسول الشعر والجسم، لأن الأم تستعملها يوميا، وتستشير صاحبة المشروع ذوي الخبرة في مجال التربية مثل والدتها أو أمهات أخريات، لتثري أفكارها و تجددها مع الاهتمام بتفاصيل كل مرحلة عمرية. وتعتمد في تشكيل باقة الهدايا على المنتجات الرائجة والجديدة، وكذلك القطع التي تستطيع الأم أن تحتفظ بها كذكرى مشتركة بينها وبين طفلها، مثل تلك اللوحات التي يحفر عليها اسم المولود و تاريخ وساعة ازدياده، فضلا عن وزنه وطوله. وتطمح محدثتنا إلى تطوير مشروعها و الحصول على محل خاص، كما تفكر أيضا، في توسيع العمل و استهداف زبائن آخرين خارج الوطن، وهو ما يتطلب حسبها، خطة مدروسة خصوصا وأن المتعاملين سيكونون من غير ثقافتها وبيئتها.   وعن الموازنة بين العمل والدراسة، أفادت بأنها تضع تكوينها الأكاديمي في المرتبة الأولى، وتمنح الدراسة الأولوية، أما عن إيجابيات ممارسة الطالب لأنشطة توفر له دخلا مهما، فتعتقد بأنها تشعر حاليا بنوع من الاستقرار المادي و الاستقلالية، خصوصا وأن الجامعة تتطلب الكثير من المصاريف لاسيما النقل و الطعام و الطبع و الكتب وغيرها، فضلا عن أن شغل الوقت جعلها تتفادى الملل والفراغ، كما تساعد ملاك أشخاصا آخرين في القيام بنشاطات يكسبون منها عائدا ماليا، فتوجه لهم بعض الأعمال التي لا تستطيع القيام بها بنفسها.
الفراغ يسبب الخمول الذهني ويقتل روح الإبداع

من جانبها، بدأت الطالبة بكلية علوم الاعلام والاتصال والسمعي البصري، حسناء نور الهدى سيمر، في العمل خلال أوقات فراغها في تحضير وبيع الحلويات، ثم قررت كما أخبرتنا، تحويل هذا النشاط إلى مشروع لصناعة منتوج بعجينة السكر والملونات الغذائية لتزيين الحلوى أطلقت عليه  اسم «نور سي» ، وقالت إن ما تصنعه متوفر في مختلف محلات لوازم الحلويات بالمدينة الجديدة علي منجلي، كما ترسل طلبيات إلى زبائن في سطيف و ميلة و باتنة أيضا. وتراقب صاحبة المشروع مواقع التواصل الاجتماعي لتتعرف على أذواق الزبائن و توجهات السوق، وتستعين بآراء صديقاتها والمختصين في المجال لتنويع منتجها، مثل الورود ثلاثية الأبعاد، أو الأشكال الخاصة بالمناسبات العائلية كالختان و نجاح و التخرج و الزواج، و تقول بأنها تبيع منتجها عن طريق الجملة والتجزئة، مضيفة بأن العمل بحب وشغف يجعل النشاط أكثر متعة رغم التعب والصعوبات، كما تركز على إتقان عملها لإسعاد الزبون وتوفير ما يرغب فيه أكثر من اهتمامها بالعائد المادي.و ترى، بأن التعاون بين الشباب وأصحاب المشاريع ساعد على توفير دخل ولو بسيط لأشخاص آخرين، فعندما تواجه حسناء ضغطا في الطلب أو تنشغل بالدراسة تستعين بفتاة أخرى علمتها هذه الحرفة، وفي هذا الصدد، أوضحت بأنها تشعر بالسعادة لأنها استطاعت مساعدة الآخرين كما أنها تسعى لتطوير منتجها وجعله قابلا للاستيراد خصوصا الأشكال التي تروج للموروث الثقافي الجزائري.                       إيناس كبير

الرجوع إلى الأعلى