يعيش الزوجان عبد الهادي و الزهراء ببلدية أولاد يحيى خدروش بأعالي جبال جيجل، و ينشطان منذ سبع سنوات في مجال تقطير النباتات الطبية و العطرية، الذي يعد مصدر رزقهما الوحيد، حيث حوّلا منزلهما
إلى مشتلة و مشغل صغير للتقطير، وهي حرفة ورثت الزوجة أصولها من أهلها في قسنطينة أين تعلمت تقطير  الورد والزهر أول مرة، و علمتها لزوجها الذي اختار أن يركزا جهدهما على استخلاص فوائد النباتات الطبية
و استخراج الزيوت منها وبيعها، في مشروع ريفي يلقى نجاحا.


يقضي الزوجان ساعات طويلة كل يوم يجمعان النباتات ويستخرجان مستخلصاتها المفيدة للصحة، ويقصدهما زبائن من داخل و خارج الولاية، حيث يقسمان وقتهما بين تربية الأولاد والعمل، ويضعان برنامجا خاصا لضمان الاحتياجات.
قابلنا السيدة الزهراء وزوجها أول مرة، خلال زيارة لوزيرة التضامن إلى بيتهما العائلي بأعالي بلدية أولاد يحيى خدروش الجبلية، وقد بدا عليهما الانسجام الكبير حينذاك، وأكدا خلال حديثهما للوزيرة تمسكهما بكل ما له علاقة بحرف الأجداد و خصوصا مجال تقطير النباتات الطبية و المنتوجات الفلاحية، حيث قدما نموذجا مثاليا عن عائلة ريفية مثابرة و محافظة على أصالتها.
وجدناهما عند وصولنا في الصباح، منهمكين في تقطير بعض النباتات الطبية و استخراج الزيوت الطبيعية منها، وقد كانا يعملان بجد و تفاهم كبيرين ويكملان بعضهما، و أشارت الزهراء، بأن يوميتهما مشابهة وروتين العمل لا يتغير مع ذلك يسعيان للاستمرار بشغف لأجل تحقيق النجاح، وأشارت خلال حديثها إلى أنها تنحدر من مدينة الجسور و تربت في بيئة معروفة بتقطير ماء الزهر و الورود، وشاءت الأقدار أن تتزوج في بلدية أولاد يحيى خدروش، لتنتقل من الحضر إلى الريف و المحيط الغابي الجميل، فقررت أن تستغل ذلك بشكل إيجابي ، وتستخدم ما تجود به الطبيعة لتحقق دخلا لها ولأسرتها، ففكرت في تقطير الأعشاب  ذات الاستخدامات الطبية كالزعتر و فليو و النعناع، و قد ساعدها زوجها الذي يرافقها مرتين في الأسبوع إلى ولاية سكيكدة، من أجل حضور دورة تكوينية في مجال تقطير النباتات الطبية و استخراج الزيوت، ومع مرور الوقت استطاعت الحرفية التمكن من الحرفة أكثر وتطويرها.
أعشاب و دواجن للنشاط والعيش
تحدثت الزهراء مطولا عن مرافقة زوجها لها و تقديمه للدعم اللازم لتتمكن من التعلم و اكتساب مهارة أكبر في حرفة تقطير الأعشاب الطبية، علما أنهما يعملان معا في إتمام مراحل التقطير و في جمع الأعشاب كذلك، إذ يضطر الزوجان في كل مرة للخروج إلى الغابة و الحقول لجمع مختلف الأعشاب          والنباتات خلال كافة الفصول حتى يوفرا مادة أولية لنشاطهما، وعن ذلك قالت هي " نقوم في كل مرة بالتوجه إلى الغابة من أجل جلب النباتات و الأعشاب الطبية المختلفة، و زوجي في الحقيقة هو خير سند لي لأنه من الصعب علي دخول الغابة بمفردي ، كما أنه يقوم بمساعدتي في عملية الفرز و التجفيف"         وأكدت، بأن تواجده و مساعدته لها سهلا عليها مهمة إتقان وتطوير الحرفة أكثر، حيث جمعتهما الحياة الزوجية و المهنية بشكل جميل حسبها، و وفرت لهما الطبيعة مصدر رزق على اعتبار أنهما يمارسان كذلك نشاطا فلاحيا بسيطا آخر يتمثل في  تربية الدواجن.
أضافت محدثنا، بأنها تقوم بعملية التقطير وفق ما هو متعارف عليه، و توفر مختلف المنتوجات لمستعمليها من مرضى السكري والحساسية و القولون و الزكام و غير ذلك، موضحة بأنها ليست منتجات طبية، بل مستخلصات طبيعية تساعد على تعزيز المناعة وتصفية الجسم، حيث يستعمل مستخلص النبتة حسب الاحتياجات، مؤكدة بأن لديها زبائن من مختلف ولايات الوطن.
تطمح السيدة الزهراء، إلى توسيع المشروع لإنشاء مؤسسة عائلية مصغرة، و توظيف النساء الريفيات وقالت، بأن العديد من سيدات المنطقة يجهلن عملية التقطير، و يلجأن إليها من أجل تعلم استخلاص بعض الزيوت، كما تبيعها بعضهن نباتات عطرية يزرعنها قرب منازلهن.
وأشار  الزوج عبد الهادي، بأنهما اقتحما مجال التقطير منذ سبع سنوات، وجاءت الفكرة صدفة حينما كانت زوجته تقوم بتقطير الورد في البيت خلال الربيع كعادة ورثتها عن أهلها في قسنطينة، وهكذا توسع النشاط ليشمل الأعشاب ذات الفوائد العلاجية على غرار النعناع و الزعتر، حيث يقومان بجمع الورود          والأعشاب المفيدة من الغابة و يستخرجان منها ما ينفع، معلقا "تطورت الفكرة مع مرور الوقت                    وأصبحت توفر دخلا للعائلة، فزوجتي تعمل في المنزل و بالتقطير، بينما أسوق أنا المنتج النهائي وأوفر ما يلزم من مواد أولية".

وأشار، إلى أن العائد قليل ولكنه يفكر دائما رفقة زوجته في مساعدة المرضى بدرجة أولى على حساب توفير المال، مضيفا، بأنه كان يرافقها أسبوعيا إلى مدينة عين قشرة بسكيكدة، لتتعلم و تحصل على تكوين مهني متخصص و شهادة تؤهلها بشكل رسمي للممارسة النشاط.
التفكير في إنشاء مؤسسة مصغرة
ويفكر الزوجان حسب عبد الهادي، في إنشاء مؤسسة مصغرة، وقد باشرا الإجراءات اللازمة لاقتناء التجهيزات المتعلقة باستخلاص الزيوت، تمهيدا لتوظيف نساء من المنطقة و تشجيع المرأة الريفية، موضحا، بأن العديد من النسوة بالمنطقة يقمن ببيع النباتات الطبية و الأعشاب لهما، وقد تحول هذا النشاط البسيط إلى مصدر رزق لعائلات أخرى.
قال الحرفي، إن تقطير النباتات و الورود و استخلاص الزيوت ليس مجرد عملية صناعية، بل تراثاً ثقافياً تقام له طقوس خاصة مستمدة من تقاليد عريقة، و تعرف العديد من الولايات بهذه الحرفة العريقة، ما جعل السلطات بعاصمة الشرق قسنطينة، تقر مهرجانا وطنيا لتعلن من خلاله عن بداية موسم التقطير، حيث تنتشر المعارض في الهواء الطلق لبيع الماء المقطر المستخلص من نباتات النعناع و اللافندر والعطرشة، فضلاً عن مختلف أنواع الزهور والورود، و تشيع أجواء احتفالية في وسط المدينة على طول الرصيف المحاذي للحديقة العمومية، إضافة إلى بيع المشاتل والورد الصالح للتقطير، والأواني المستعملة في العملية.
 واستخدام ماء الزهر المقطر من العادات الشعبية السائدة في الجزائر حسبه، بخاصة في مدن مثل قسنطينة والجزائر العاصمة وميلة والبليدة وتلمسان، ويستخدم لتعطير مذاق الحلويات التقليدية مثل البقلاوة والمقروط، كما يستخدم في تزيين مجالس القهوة والشاي عند استقبال الضيوف أو في الأعراس   وتقطير النباتات ذات الاستخدامات العلاجية، عادة شائعة في المناطق الجبلية، وهي ثقافة تكرست أكثر في السنوات الأخيرة بعد ظهور بعض الدورات التكوينية في المجال، أين تقدم لنساء الريف و الراغبات عموما في تعلم حرفة، معلومات إضافية حول أهمية الغابات و النباتات الطبية المتنوعة التي تزخر بها.
 وتمر عملية التقطير بمراحل عدة وتحتاج إلى بعض المكونات الأساسية كـ"القطار"، أي إناء التقطير، وهو عبارة عن قدر من النحاس الثقيل، مكونة من جزأين منفصلين عن بعضهما، يوضعان على النار، مع كمية من الماء في و الوعاء الداخلي " بقدر الثلث" كما أوضح، ثم تضاف كمية الزهر المراد استخلاصها ويغلق الإناء بإحكام، بعدها يملأ الإناء الخارجي بالماء ويوضع فوق نار هادئة، شريطة التركيز على تجديد ماء الإناء الخارجي كلما زادت سخونته، وتعويضه بماء بارد لبلوغ أقصى درجات التبخر، و بالتالي استخلاص أكبر كمية من ماء الورد.
وتعتبـر، حرفة التقطير من بين الحرف المهددة بالاندثار، بسبب نقص الإقبال عليها و صعـوبة الحصول على النباتات المختلفة، ناهيك عن تعقيد العلمية التي تتطلب الصبر و تعلم التقنية، وتسعى وزارة الثقافة لتجسيد مشروع يرمي إلى عصرنة حرفة تقطير ماء الزهر والورد، قصد تشجيع الشباب على الاستثمار في هذا المجال، و يتضح ذلك من خلال اقتراح مشاريع تخص حماية الحرف التقليدية من الاندثار  واختيار حرفة تقطير ماء الورد والزهر.            
كـ. طويل 

الرجوع إلى الأعلى