حقق الأستاذ أحمد بوجريو، نقلة نوعية في إنتاج الفطريات بأعالي بلدية أولاد رابح بجيجل، و استطاع أن يستقل بإنتاج البذور   والثمار عبر مختلف المراحل، ليجمع بذلك بين مئزر المدرس و فأس الفلاح في معادلة يرتبط نجاحها بتخصصه في مجال   العلوم الطبيعية.

درس أحمد، المجال سنة 1987، و دفعه شغفه بعلوم الطبيعة والحياة إلى اقتحام ميدان زراعة الفطريات و إنشاء مشروع فلاحي عائلي صغير على أرض والده، لإنتاج الفطر المحاري، و لا يكتفي اليوم بالزراعة و التسويق فحسب، بل يقدم دورات تكوينية بالتنسيق مع القائمين على قطاع الفلاحة ولائيا، يشرح خلالها تقنيات مبتكرة في زراعة الفطريات     نظرا لتمكنه علميا و تقنيا، حيث يأمل في توسيع نشاطه بعد التقاعد من قطاع التعليم.
خلفية علمية لمشروع ناحج
تقع مزرعته ببلدية أولاد رابح، استقبلنا رفقة أبنائه الصغار وشرح لنا تفاصيل الفكرة منذ بدايتها، وطبيعة النشاطات الفلاحية التي يقوم بها على غرار تربية النحل وإنتاج الفطريات، حيث توجه بنا إلى مستودع صغير كان عبارة عن منزل يتكون من ثلاث غرف، جزء منه مخصص للسكن والبقية عبارة عن فضاء لزراعة الفطريات.
شد انتباهنا التنظيم و الاعتماد على بعض التجهيزات التي قال بأنها ضرورية لإنجاح التقنيات الزراعية، حيث تضمن التحكم في  درجة الحرارة، أوضح محدثنا، أنه بدأ نشاطه منذ سنوات و نجح مع أول تجربة، لأنه يملك خلفية علمية جيدة عن مجال الزراعة بحكم طبيعة تخصصه كمدرس و تكوينه الجامعي بالمعهد التكنولوجي في الثمانينات، فضلا عن مواصلة التعلم أكثر عن زراعة الفطريات، وهو ما جعله يحقق نتائج جيدة من ناحية النوع و الكم.
 وأضاف، بأنه يأمل في نقل تجربته لأبنائه مستقبلا و الاستثمار بشكل أوسع في زراعة الفطريات بأنواعها، خاصة وأن العديد من أصحاب المطاعم صاروا من زبائنه الأوفياء على اعتبار أنه يوفر أحد المنتوجات الفلاحية النادرة بالولاية، التي تعرف طلبا معتبرا على الفطر الموجه للاستهلاك.
استقلالية في الإنتاج
قال أحمد « أنا خريج المعهد التكنولوجي سنة 1987، وأعمل اليوم كأستاذ لمادة العلوم الطبيعية، أحب الفلاحة ولذلك بدأت أولى خطواتي في المجال تمهيد للتخصص فيه بعد التقاعد حيث أنوي أن أوظف معرفتي و خبرتي و كل ما أفنيت سنوات في تعليمه للتلاميذ، في تطوير هذا النشاط و هذه الشعبة تحديدا وذلك لكي أضمن مستقبلا أفضل لأبنائي»       وحسبه، فإن الظروف ملائمة في المنطقة التي تربى فيها بأعالي بلدية أولاد رابح لممارسة نشاط مماثل، لأن الطبيعة عذراء و غير قاسية ولذلك اختار المنطقة لإنشاء مشروع فلاحي عائلي يجمع بين « التكنولوجيا و الوسائل التقليدية».
كما عرج، للحديث عن مختلف الخطوات  التي ترتبط بإنجاح عملية إنتاج الفطريات، قائلا « نقوم بزراعة الفطر المحاري المعروف بالمنطقة وذلك على أشجار البلوط وغيرها، علما أنه يمكن للفطر أن يزرع و ينمو في أي مكان تتوفر فيه مادة السيليلوز، كما يمكن استخدام التبن في العملية لكونه الأكثر وفرة في الجزائر، ويمكن أيضا استخدام الأرز».
و ذكر، بأن أصعب خطوة في الزراعة تتمثل في تحضير «المسيليوم « أو خيوط الفطر لأنها أصل النبتة، بعدها تأتي  مرحلة الإثمار بظهور الأبواغ، ولإنبات الأبواغ، لابد من تغديتها بتوفير الجو الملائم، ولأنه يعد أيضا فلاحا منتجا للعسل، فإنه يستعمل العسل في العملية كما أوضح، وذلك بعد تخفيفه و ليصبح أقل تركيزا وبدرجة معينة تسمح بتغذية الأبواغ التي تجمع لاحقا بطريقة خاصة.
 و بعدما تتشكل خيوط المسيليوم، يتم نقلها حسبه، إلى مرحلة الإنبات (المرحلة الثانية) وذلك على بذور معينة، على غرار الشعير أو أي مادة بها «السيليلوز»، حيث يقوم عادة باستعمال الشعير وتحضير بذوره و تعقيمها جيدا، ثم يحقنها بالميسليوم السائل، و يعد التعقيم حسب أحمد، ضروريا خلال كل الخطوات و المراحل لتجنب التعفن، حيث توضع القارورات التي تمت فيها العملية داخل المعقم في درجة حرارة تتجاوز 110 درجة.
 تأتي المرحلة الثالثة كما أخبرنا، بعد  تحضير القارورة التي تحتوي على البذور،  فيستخرج الميسليوم السائل منها و يحقن مجددا داخل الشعير ثم تنقل البذور إلى الحاضنة، في درجة حرارة معينة تفوق 25 درجة، مع مراعاة الرطوبة.
 بعد مرور 15 يوما، يغزو الميسليوم سطح البذور، و يصبح الفطر جاهزا لنقله إلى التبن، على أن يتم تعقيم التبن قبل العملية بوضعه في درجة غليان مرتفعة لمدة تفوق ساعة      و بعد تجفيفه لمدة يومين، تضاف إليه مادة الجير و نخالة القمح ويمزج الخليط جيدا، موضحا عن هذا الأمر « في هذه المرحلة نقوم بتفريغ الفطر في التبن، و نضعه في الحاضنة وفق شروط، و بعد مرور 21 يوما، يلاحظ ظهور حبيبات صغيرة فنحدث ثقوبا في الدلو الغذائي لكي نتيح لها مجالا     وعندما تنتهي فترة الاحتضان، نمر لوضعه بغرفة أخرى     و هي غرفة الإثمار». مضيفا بأن غرفة الإثمار تتميز بمجموعة من الشروط على غرار نقص درجة الحرارة لتحفيز الفطر على الإنتاج و التهوية و الرطوبة و النظافة الجيدة لأنها أهم شرط.
هكذا ينتج الفطر الجيد
ذكر محدثنا، بأنه في حالة إتباع المراحل بطريقة جيدة، يمكن قطف الثمار مرارا، و كلما كانت عملية الزراعة دقيقة و صحيحة كلما كانت جودة الفطر أفضل، معلقا « أعرف أن اغلب الفلاحين في بلادنا يجدون صعوبة في الحصول على بذور جيدة، والسبب ببساطة هو أنهم لا يستطيعون توفير شروط مناسبة لتحسين نوعيتها بأنفسهم بالنظر إلى محدودية الإمكانيات و نقص التكوين»، مضيفا « هي عملية صعبة      وترتبط مباشرة بخطوات إنتاج الفطر»، وقال إنه ينفرد في مزرعته بإنتاج البذور و القيام بجميع مراحل الإنتاج  ويستعمل كل الإمكانيات الموجودة لديه من العسل وصولا إلى الإثمار، الأمر الذي سمح له ببلوغ الاستقلالية الكاملة في الإنتاج، عكس غيره من الفلاحين الذين يقومون بشراء البذور ويتجهون بعدها مباشرة إلى الزراعة بدل تشتيل الأبواغ. ويطمح أحمد بوجريو، إلى توسيع المشروع العائلي و تركه لأبنائه مستقبلا، مشيرا إلى أن التوسيع يتطلب جهدا وإمكانيات مادية و مالية كبيرة.
يقدم تكوينا في  المجال للإطارات الفلاحية
و لم يكتف الفلاح بالاستثمار في المجال فحسب، بل سعى إلى تطويره من خلال توظيف خلفيته العلمية، إلى جانب مشاركة معلوماته وخبرته  مع إطارات مصالح الفلاحة و مركز تكوين الأعوان التقنيين المتخصصين في الغابات بكيسير، أين يقدم مختلف الشروحات اللازمة و الضرورية لإنتاج الفطريات، وقد حضرنا معه جانبا من العمل التكويني حيث أشار خلال حديثه، إلى أن الهدف من التكوين في المجال هو تحسين الإنتاج و توسيعه، وقال إن تبادل المعارف يسهل التحكم في التقنيات المتعلقة بزراعة الفطر المحاري، إذ يلقن متابعيه الطرق العلمية الصحيحة للعمل.
 وأضاف، بأنه أراد أن ينقل تجربته لأكبر عدد من الفلاحين كذلك ولذلك قرر التنسيق مع مصالح الفلاحة لأجل تكوين إطاراتها بما يسمح بتوسيع دائرة الخبرة لتصل المعلومات     والتوجيهات عن طريقهم إلى الفلاحين ومرافقة الراغبين في اقتحام ميدان زراعة الفطريات.
وحاول الفلاح خلال الدورة تلقين الحاضرين مختلف المراحل، وصولا إلى تحصيل المنتوج و توخي الحذر وإتقان العمل، فيما أكد بعض المشاركين للنصر، بأن للدورة أهمية بالغة لأنها تسمح لهم بالحصول على معرفة أكثر بكيفية العناية بالفطريات و زراعتها، لأنها من الزراعات التي تتطلب الحيطة و الحذر، مؤكدين بأن مبادرة الفلاح نبيلة و ضرورية بالنسبة لمصالح الفلاحة، التي تثمن ما يقوم به أمثاله من المستثمرين و الناشطين في المجال الفلاحي الذين يملكون المعلومة و التقنية، مما يسهل تحقيق نتائج إيجابية على أرض الواقع.
كـ. طويل

الرجوع إلى الأعلى