تعتبر رقية عتامنة، ابنة بلدية الطاهير بجيجل، قدوة للمكفوفين بالمنطقة، فقد استطاعت رغم فقدان البصر، أن تتم مشوارها الدراسي بنجاح و تنتقل إلى عالم الشغل، بعدما تخرجت من جامعة قسنطينة، بشهادة ماستر في اللغة الإنجليزية وكانت ضمن الأوائل في دفعتها، وهي اليوم مستشارة ثقافية تحمل صفة إطار بالجماعات المحلية.

 نجاحها في تحدي الظروف منحها القوة و الإرادة لتقرر تحسين حياة أمثالها ممن فقدوا نعمة البصر، فقررت كما تحدثت عنه للنصر، أن تنير دروبهم من خلال نشاطات نادي « البصيرة» لتعليم المكفوفين الذي أنشأته بالمكتبة البلدية، حيث تحلم اليوم بتعميم التجربة وفتح أقسام متخصصة لتعليم المكفوفين في ظل وجود العديد من المتخرجين من الجامعة و المتعلمين  الذين يجيدون أسلوب البرايل، ما سيسمح حسبها بتخفيف الضغط على المكفوفين و عائلتهم، و تجنيبهم عناء  التنقل إلى ولايات مجاورة للدراسة في المؤسسات المتخصصة.
فقدت بصرها و عمرها ست سنوات
وتعد الشابة رقية من بين الفتيات الملهمات للعديد من زميلاتها       ولشابات أخريات، لكونها مثالا للتحدي و العزيمة، حيث تقضي يومياتها بشكل عادي، بالرغم من فقدانها لبصرها، و تنظم وقتها بين العمل و المنزل، ورغم أنها تعتمد أحيانا على شقيقتها لترافقها إلى مقر عملها بالبلدية، غير أنها عصامية و تقوم بكل شيء بمفردها في غالب الأوقات، وهو ما صنع لها شهرة محليا، حيث استطاعت أن تحقق النجاح بفضل توظيفها الجيد للغة الإنجليزية في تدريب المنخرطين في النادي التعليمي الذي أنشأته، و يعد مشروعها الأول من نوعه لفائدة المكفوفين بالولاية.
شدنا خلال حديثنا إلى رقية شخصيتها القوية، و طموحها الكبير في الحياة و ما تحلم به من إنجازات و نجاحات، كانت كثيرة الحمد وهي تسرد علينا تفاصيل قصتها، و لم تكن حياتها سهلة أبدا كما قالت، فالشابة التي تبلغ من العمر 33 سنة اليوم، فقدت بصرها وهي طفلة لا يتجاوز سنها ست سنوات، بسبب إعاقة مكتسبة خلفيتها مرض أصاب عينها و أضر بنور عينيها الذي بدأ ينطفئ تدريجيا مع مرور السنوات، لتصبح كفيفة كليا وهي تلميذة في  السنة الرابعة ابتدائي.
قالت الشابة، إن معاناتها بسبب العمى لم تؤثر عليها، بقدر ما أتعبها التعامل مع البشر، خصوصا معلمها الذي لم يأخذ وضعها الصحي بعين الاعتبار في تلك المرحلة، ولم يضمن لها المرافقة المناسبة والضرورية، فقرر والدها إدخالها إلى مدرسة خاصة بالمكفوفين بولاية عنابة، أين قضت  ما تبقى من مرحلة  التعليم الابتدائي ثم المتوسط، لتعود إلى المدارس العادية وتلتحق بقسم مدمج أتمت فيه مرحلة الثانوية، أين تفوقت و نالت معدل 14 من 20 في شهادة البكالوريا و تم تكريمها من قبل رئيس الجمهورية سنة 2010 ضمن قائمة النجباء، حيث احتلت المرتبة الثالثة في فئة ذوي إعاقة.
دخلت  رقية بعد ذلك، إلى جامعة منتوري بقسنطينة، و اختارت دراسة اللغة الإنجليزية و احتلت مجددا المرتبة الرابعة في دفعتها في الماستر، و تفوقت على 163 طالبا و طالبة، و قالت لنا بأن مراحل دراستها اتسمت في معظمها بصعوبات عديدة و مشقة لا يمكن وصفها، بسبب عدة عوامل، أسوؤها على الإطلاق طريقة التعامل من قبل بعض المدرسين الذين لا يتفهمون وضعية الطلبة المكفوفين حسب قولها، إذ كانت تدرس بصورة عادية و تكتب بطريقة «البرايل»، كما كانت تعتمد على مرافق خلال الامتحانات.
عزيمة و إصرار لتحقق النجاح و تتخرج ضمن أوائل الماستر
أخبرتنا الشابة، بأنها كانت تحلم بالعمل بعد تخرجها سنة 2016 من الجامعة، ولذلك طورت تحكمها في اللغة الإنجليزية، و شاركت في مسابقة الدكتوراه لكن الحظ لم يسعفها، و في سنة 2018 تحصلت على عقد عمل من مديرية النشاط الاجتماعي بالبلدية، ثم سرعان ما أدمجت في منصبها كمستشار ثقافي سنة 2021، وعن نشاطها تقول محدثتنا: « أجد صعوبة في عملي و أحاول قدر المستطاع التأقلم معه، مع ذلك فكرت كثيرا في تقديم إضافة نوعية بحكم طبيعة المنصب الذي أشغله، لذلك قررت إنشاء نادي البصيرة المخصص لفائدة المكفوفين».
 في النادي، تعمل الشابة على تلقين مهارات للمنخرطين في العديد من المجالات على غرار اللغة الإنجليزية التي تتقنها بطلاقة، بالإضافة إلى طريقة « البرايل» و الإعلام الآلي، وهي تخصصات تجيدها بشكل كبير، و تحاول قدر المستطاع إفادة غيرها من خلال مشاركة كل ما تعرفه مع المكفوفين لتسهل حياتهم و تبسط اندماجهم في المجتمع، معلقة : « أنتمي إلى هذه الفئة من المجتمع، و قد مررت بصعوبات عديدة، و أعتقد بأني خير من يوصل الرسالة إلى المكفوفين و يكون أقرب وأقدر على تعليمهم»، موضحة، بأنها تأمل في إنجاز مشروع تعليمي ثان قريبا، حيث فتحت صفحة عبر اليوتيوب لتعليم اللغة الإنجليزية لمختلف الفئات العمرية وقد لقي حسبها رواجا.
طموح لا تحده الإعاقة
كما تطمح الشابة رقية، في أن يتم إنشاء مدرسة متخصصة لفئة صغار المكفوفين بولاية جيجل، تكفيهم مشقة التنقل إلى الولايات المجاورة على غرار قسنطينة و ميلة، موضحة بأنه مشروع ممكن جدا خصوصا مع وجود عشرات الشباب المتخرجين من الجامعات و المتمكنين في مجال التعليم  عن طريق البرايل و في مختلف التخصصات العلمية، وقالت، إن وجود مدرسة مماثلة في الولاية من شأنها أن يسهل عملية تمدرس الأطفال المكفوفين، لأن الظروف الحالية صعبة جدا كونهم يضطرون للبقاء في مؤسسات داخلية بعيدا عن الأهل، و يواجهون مشاكل في التأقلم و الاستمرار في الدراسة.
و تحمل محدثتنا، في جعبتها الكثير من الأحلام و الأفكار بداية بتطوير نادي البصيرة الموجه لفئة ذوي الإعاقة البصرية، داعية السلطات الولائية لمساعدتها و تقديم الدعم اللازم لذلك.
كما تملك رقية موهبة كتابة الخواطر و الروايات، وتأمل في طباعة كتاب خاص بها يكون موجها للجميع بما في ذلك المكفوفين الذين يحق لهم أيضا أن يستمتعوا بالشعر و الأدب.
كـ. طويل

الرجوع إلى الأعلى