يسبب الاستسلام للمخاوف والتفكير الزائد في المستقبل، حالة من القلق تخرج أحيانا عن المألوف كونها تستمر مع الشخص وتتطور حسب مدى رضوخه لهذه الحالة، وتُقاس شدة الاضطراب حسب البيئة التي يتواجد بها المصاب والضغط الناتج عنها، فضلا عن الاستعداد النفسي للتأثر بالعوارض التي قد تحصل له، وقد يتفاقم الوضع ليصل إلى الإصابة باضطرابات نفسية خطيرة مثل الاكتئاب، الذي صار شائعا بسبب نمط العيش السريع وثقل الالتزامات والمسؤوليات والتأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي.

إيناس كبير

كشفت منظمة الصحة العالمية، عن معاناة شخص واحد تقريبا من بين كل أربعة أشخاص يعانون من اضطرابات القلق، فيما يعاني ما يُقَدَّر بنحو أربعة بالمائة من سكان العالم حاليا من أحد أنواعها.
 ووفقا لأخصائيين نفسانيين تحدثت معهم النصر حول هذه الاضطرابات، فإن معدل الإصابة بالقلق المزمن سجل ارتفاعا في المجتمع الجزائري أيضا، لاسيما لدى الأطفال.
تزايد معدلات متلازمة القلق في المدن الكبرى

وترتفع نسبة الإصابة بالقلق المزمن بشكل محسوس، في المدن الجزائرية الكبرى وفقا لما أفادت به الأخصائية النفسية والاستشارية الأسرية، نوال مكيد، خصوصا في المجتمعات والأسر أين تتضاعف المسؤوليات فتؤثر على مزاج الأفراد وتفاعلهم مع الأحداث التي تواجههم، و تقول الأخصائية، إن القلق المستمر يلازم الأشخاص ذوي حس المسؤولية العالي، الذين يحبون تأدية الواجبات والمسؤوليات على أكمل وجه ومثالية.
 من جهتها، أوضحت الأخصائية في الطب النفسي العيادي جهاد ذيب   بأن عيادتها تستقبل حالات كثيرة لأشخاص يعانون من القلق المزمن، وحسب المختصتين، فإن القلق بات يصنف  بين اضطرابات العصر، وشرحت ذيب، بأن القلق في درجته العادية و الذي تعاني منه غالبية المجتمعات يأتي ضمن المشاعر الطبيعية للإنسان، وهو يرافق حسبها الأنشطة اليومية والمواقف العادية التي تعترض مهام الشخص، لكنه يتحول إلى قلق مزمن يؤثر على الصحة الجسدية والنفسية عند استمراره لمدة طويلة، وأثناء تعامل الفرد مع أي موقف بتوتر زائد عن الحد الطبيعي.
وأشارت مكيد، إلى أن قياس نسبة انتشار هذا الاضطراب لدى الأفراد يعتمد على حس المسؤولية في التعامل مع المهام اليومية، فيمكن أن نجده لدى المرأة والرجل على حد سواء، وأعقبت الأخصائية، بأن الأطفال أيضا معرضون للإصابة بالقلق المزمن، وقد صادفت  كما أكدت، حالات سببها قلق الطفل على مكانته لدى والديه التي حققها نتيجة تفوقه الدراسي أو بفضل انضباطه أخلاقيا، لهذا يخشى الطفل من فقدان تلك المكانة فيضغط على نفسه ليحافظ على صورته المثالية.
و عقبت الأخصائية النفسانية، بأنه من الطبيعي جدا أن يخطئ الطفل وتصدر عنه هفوات، فانضباطه وسلوكه الجيد لا يلغيان الجانب الطفولي والتلقائية بداخله، حيث تنصح الآباء بتجنب وضع الطفل في خانة المثالية وإلقاء مسؤوليات أكبر من سنه على عاتقه، وعلقت مكيد حول ظاهرة الهوس بالنقاط التي أُصيب بها المجتمع، قائلة بأن لكل طفل قدرات وميزات تختلف عن الآخر ولا يمكن للاختبارات أن تحدد المستوى ووصفت بأن ما يمارسه الأولياء على أطفالهم في الوقت الحالي «بالتعذيب» وهو ما يجعلهم حسبها، على مشارف الدخول في الخطر نفسيا وجسديا.
وأردفت الاستشارية الأسرية، أنه يجدر بالأولياء الاشتغال على تكامل شخصية أطفالهم، بدل الضغط عليهم كي لا ينتجوا طفلا مضطربا يعاني من الهشاشة النفسية.
المبالغة في القلق من المستقبل ومخاوف وهمية
ويعد الخوف من المجهول من الأسباب التي تسيطر على تفكير الإنسان  وشرحت مكيد، بأنه مدفوع بانتظار نتيجة الأسباب التي استدعت الخشية من تحققها، وقالت بأننا لو قارنا حجم مخاوف المصاب بقلقه نجد بأنه يبالغ في ذلك.
ولفتت الأخصائية، إلى عدم الاستهانة بسيطرة القلق العادي أيضا على مهام الإنسان، خصوصا إذا كان يتأثر بسهولة بفعل الضغط، حيث يمكن أن تتدهور حالته ويتفاقم وضعه ليترك زمام التحكم في الأمور للتوتر. وأشارت الأخصائية، إلى أن الفرق بين القلق العادي والمزمن، يكمن في أن الأول يزول بعد فترة قصيرة، فيما يستمر  النوع الثاني لفترة طويلة قد تتجاوز ستة أشهر، ومن بين جملة الأعراض الدالة على الإصابة بالقلق المزمن ذكرت، الأعراض الجسدية مثل الفرط في التنفس، و ارتجاف الأطراف و التعرض لحالات جفاف الحلق أو حالة من الغثيان، وعدم القدرة على التحكم في ردود فعل الجسم، فضلا عن تسارع ضربات القلب مضيفة، بأن كل حالة لها ردود فعل تختلف عن الأخرى حسب تفاعل الجسم، وبالرغم من أنه لا يمكن تشخيص الإصابة بمتلازمة القلق من خلال لغة الجسد فقط، إلا أن ظهور هذه الأعراض يستدعي عرضها على أخصائي نفساني للتأكد من حالة المصاب.
الخوف من فقدان المكانة سبب في القلق المزمن
وذكرت الأخصائية النفسية والاستشارية الأسرية نوال مكيد، بأن الخوف الملازم للقلق تكون أسبابه مسترجعة من الماضي، فيحاول الشخص جاهدا أن يوقف أثر تلك المخاوف ظنا منه بأنه يحمي مستقبله، وتتابع مكيد بأن هذه المحاولات تأخذ عدة أوجه أبرزها القلق العام، أو الرهاب والهلع فضلا عن الوسواس القهري.
ويعد قلق السعي نحو المكانة من الحالات الشائعة لدى أفراد المجتمع موضحة، أنه أكثر شيوعا لدى الأشخاص الذين بذلوا جهدا كبيرا للوصول إلى منصب عمل أو وضعية اجتماعية مريحة، فضلا عن تحقيق مكانة داخل الأسرة، وتُعقب بأنه مع الوقت يقع الشخص تحت وطأة قلق الحفاظ عليها، فيخشى أن تضيع منه بعد كل الجهد المبذول والشوط الذي قطعه من أجل الوصول فيدخل في حالة من القلق المستمر.
ويصنف القلق عموما كما أوضحت مكيد، تحت جذر الخوف، بينما يكمن اختلاف الحالات في الأسباب التي تؤدي إلى هذا الشعور، والتي جمعتها في جملة من النقاط أبرزها الأحكام التي يطلقها الآخرون على الشخص في حالة الفشل و الخوف من المرض، فضلا عن الخوف من الرفض والانفصال عن شريك الحياة.
ولمقاومة سيطرة الهواجس على تفكير الإنسان، تقول مكيد بأنه يجب أن يتحكم في عواطفه ولا ينجرف معها حتى لا تتحول إلى قلق مستمر مضيفة، بأن أنجع طريق هو مواجهة الفرد للمخاوف التي تقلقه حيث يسأل نفسه «ما أسوء شيء يمكن أن يحدث لو تخليت عن القلق المستمر؟»، ناهيك عن الاعتراف بدوافع هذا الخوف، وشرحت الأخصائية بأن الحالة العاطفية المتأزمة تبدأ في التراجع والتفكك عند التفاوض مع الأفكار المسببة لها.
فـكرة خاطئة تتحول إلى اضطراب خطير
ويكون القلق المزمن سببا في الهشاشة النفسية، كما يؤدي إلى الإصابة باضطرابات نفسية أخرى، وذكرت الأخصائية في الطب النفسي العيادي جهاد ذيب، الاكتئاب و الرهاب الاجتماعي على سبيل المثال، وقالت إنه وضع قد يتفاقم إلى أكثر من ذلك.

كما تطرقت ذيب، إلى بعض الأمراض «السيكوسوماتية» وهي التي أدرجها الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن الرابطة الأميركية للطب النفسي، تحت باب الأمراض جسدية الشكل تتأثر بنفسية المريض، مثل القولون العصبي و صعوبات النوم التي تؤثر بدورها على الصحة العقلية، فضلا عن اضطرابات الأكل والمشاكل الهضمية كالشراهة العصبية.
ويصعب أحيانا التنبؤ بالإصابة بالقلق المزمن بحسب الأخصائية، لهذا فإن الوقاية منه تكون صعبة نوعا ما، ومن أساليب التشخيص المعتمدة في الطب النفسي ذكرت المتحدثة، بأن هناك اختبارات ومقاييس نفسية تطبق على المريض، ومن خلال المقابلة تُحدد المواقف الجديدة التي حدثت له وطريقة تفاعله معها، وهكذا يتم تمييز حالات الإصابة بالقلق المزمن والانطلاق في رحلة العلاج، التي أفادت بأنها تأخذ وقتا طويلا خصوصا إذا قاوم المصاب العلاج ولم تكن لديه قابلية للتعافي، أو إذا كان يحمل أفكارا خاطئة حيث يجد المعالج النفسي صعوبات في تغيير قناعاته  مضيفة، بأن المعالج النفسي يستخدم في العادة علاجات معرفية سلوكية  لتصحيح السلوكيات حول بعض المواقف التي تسبب القلق والتفكير المفرط.
إ.ك

الرجوع إلى الأعلى