تعتبر زربية بابار بولاية خنشلة، من أجود أنواع الزرابي على المستوى الوطني، وقد سجلت حضورها المتميّز في العديد من المعارض  الدولية لتصنف بين أفضل أنواع السجاد في العالم، و تنال مكانة مرموقة بالنظر لنوعيتها الرفيعة، ما جعل الدولة تسعى للحفاظ على  هذا الموروث الثقافي من خلال جملة إجراءات أهمها  تدعيم المنطقة بمركز وطني للسجاد ضمن البرنامج التكميلي للتنمية، فضلا عن دعم جهود الجمعيات المحلية التي تقود نشاطا مكثفا للحفاظ على هذا المنتوج الفني الأصيل رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجه تسويقه.

كلتوم رابية

34 لونــــا و نوعــــان من النسيـــج
حسب وناسة أيسيل، رئيسة جمعية  إنزار لإحياء التراث، فإن تسمية  السجاد مرتبطة ببلدية بابار جنوب ولاية خنشلة، و هي زربية عالية الجودة باتت تحتل  مكانة مرموقة في عالم السجاد  على المستوى الوطني و حتى الدولي، حيث تحاك يدويا بأنامل حرائر المنطقة  اللواتي يبدعن قطعا فاخرة وأصلية.
ويمر نسيج زربية بابار، بعدة مراحل بالاعتماد على مواد طبيعية، إذ يتم تحضير صوف الأغنام مع بداية فصل الربيع و تجتمع النساء في تقليد التويزة  لغسل الصوف، لتجفف بعدها و  تنفض بالعصا من الغبار  ثم تمشط بالمشط و « القرداش ثم المغزلة» وتلف على شكل خيوط تستخدم لحياكة الزربية، عن طريق  «السداية»، وهي المنسج أو المحمل الذي تصنع عليه المنسوجات الصوفية، إضافة إلى  «الخلالة» أو الأداة الحديدية المستعملة في دق ورص خيوط الصوف الملونة بشكل متواز ومتناسق.
تجلس الحرفية أمام السداية كما أوضحت محدثتنا، وتقوم بنسج خيوط الصوف بطريقة دقيقة و سريعة، وذلك بعدما تختار ما تريده من ألوان، وعددها بالعموم 34 لونا تستخرج من الطبيعية، وباستخدام مكونات مثل السواك و قشور الرمان و الحنة و قشور البصل.
 تحيك النساء حسب وناسة، نوعين مختلفين من الزرابي، يعرف النوع الأول بـ « الدراقا» و تكون زربية خفيفة الوزن مقارنة بالنوع الثاني أو زربية « العقدة « المعروفة بثقل وزنها .
حرفة متوارثة
زبيدة بوطبة، واحدة من الحرفيات المعروفات في المنطقة، وهي رئيسة جمعية القمر للصناعة التقليدية و الزربية، أخبرتنا أنها تعلمت صناعة زربية بابار منذ الصغر، وذلك باعتبار الحرفة موروثا ثقافيا وتراثيا عريقا، موضحة  أنها تجد متعة كبيرة  في تحويل الصوف بكل دقة      و مهارة  إلى لوحة فنية تميزها الرموز والرسومات التي تحمل دلالات  ورسائل تعكس ثقافة فنية غنية، وذلك بالرغم مما تتطلبه العملية من جهد و صبر وعمل قد يستغرق أشهرا.
وقالت، إنها لا تمل من النسيج لحبها الشديد  لهذه الحرفة و تعلقها بها،  ولذلك تتفانى في الترويج لهذه الزربية الأصيلة، من خلال المشاركة في المعارض والمسابقات، وقد توجت كما علمنا منها، بعدة جوائز على المستوى الوطني في مجال حياكة زربية بابار.

وأوضحت،  أنها لا تدخر أي جهد من أجل تلقين الفتيات أسرار الحرفة  وطرق نسج وغزل ودباغة الصوف، باستعمال خليط من المواد الطبيعية،  وهدفها من ذلك الحفاظ على الزربية و تمرير فن صناعتها من جيل إلى أخر، خاصة أنها  زربية  معروفة على المستوى الوطني وقد بلغت شهرتها دول العالم، و احتلت مراتب أولى في تظاهرات عديدة، ما جعلها تنافس في الجودة السجاد الإيراني العريق.
مشروع للتطوير و العصرنة
من جانبها، أكدت رئيسة جمعية الأصالة و الإبداع، نورة سالمي للنصر  أن الجمعية استفادت من عدة مشاريع في إطار البرنامج الذي يموله الاتحاد الأوروبي والمسير من طرف  وزارة الداخلية  و الجماعات المحلية، لفائدة 10 بلديات على المستوى الوطني بينها بلدية بابار، حيث تعمل هيئتها على تجسيد عدة نشاطات في إطار المشروع الموسوم بـ         « تطوير و عصرنة زربية بابار»، مع دراسة موجهة حول رموز         وأشكال الزربية بالتنسيق مع دكاترة في الأنثروبولوجيا.
وقد تم حسبها، تنظيم أكثر من 10 جلسات ميدانية مع حرفيات المنطقة  و مختصين في المجال، ناهيك عن برمجة دورات  تكوينية  منها ما يتعلق برقمنة جوانب تخص صناعة و تسويق زربية بابار، و الحفاظ على خصوصية المنطقة بالتنسيق مع خبير في المجال من معهد بتيبازة  ومركز التكوين المهني لبلدية بابار، تكللت بحصول 20 حرفية على بطاقة حرفي من غرفة الصناعات التقليدية و الحرف.
كما نظمت في ذات الإطار، دورة تكوينية  تخص إنشاء المؤسسة              وتسييرها و كذلك تسويق هذا المنتوج، و أشرفت مكونة من ولاية تيميمون على دورة  قيمة لمدة 10 أيام، في صباغة الصوف بالنباتات الطبيعية كشور الرمان و الحنة والسواك و الطرطار الذي يستعمل لتثبيت اللون.
وأكدت محدثتنا، أن مشروع تطوير زربية بابار طموح ويهدف أساسا إلى المشاركة في ترقية الصناعات التقليدية من خلال تطوير جودة المنتج ليوافق المعايير الدولية للإنتاج و التسويق على المستويين الوطني        والدولي، لأن حرفة صناعة زربية بابار، تعتبر من أهم النشاطات ذات الأولوية، حيث يتم العمل على تحقيق هدف ترقية الصناعات التقليدية عبر تعزيز قدرات الحرفيات و الفاعلين في الإقليم بهدف الحفاظ على الموروث الثقافي للمنطقة و حمايته من الاندثار و المساهمة في التنمية المحلية.
وقد وجه  هذا المشروع حسبها، للمرأة الريفية بمنطقة بابار، التي توارثت الحرفة عن الأجداد و التي تهتم بالحفاظ عليها وتطويرها دون المساس بقيمتها التاريخية و التراثية، و لقي اهتماما كبيرا من سكان المنطقة و بخاصة المرأة بصفتها الحاملة للحرفة، كما قوبل بدعم من الفاعلين المحليين و حتى على مستوى القطاع الوزاري و المديرية العامة للصناعات التقليدية التي شجعت المشروع، و كذا مدير المعهد الوطني لحماية الملكية و المنظمة الدولية للحماية الفكرية، التي ثمنت كل المجهودات الجبارة لتحقيق نتائج مهمة.
من أجمل و أدق الزرابي الأمازيغية
من جانبه، أكد الباحث في التراث الأمازيغي، جوادي نصراوي   للنصر أن زربية بابار تعد من أجمل  و أدق الزرابي الأمازيغية في المنطقة وذلك لما تحمله رموزها من رسائل، فضلا عن المعاني  الفنية والاجتماعية والروحية للألوان. 
ومن الباحثين من يرى أن  تاريخ صناعة الزربية في الجزائر يعود إلى خمسة آلاف سنة حسب المتحدث، وقد أعطى  الإسلام  للرموز تصحيحات واضحة، فيما يتعلق مثلا بالصليب والقداس اليهودي والشمعدان، وغيرها  من الرموز التي كانت تزين بها الزربية.
و الأصل في زربية بابار، هو صوف الأغنام المتواجدة بكثرة في المنطقة، حيث تبدأ أولى مراحل صناعتها في شهر ماي، أين  يتم جز الصوف من قطعان الأغنام عن طريق عملية اجتماعية قائمة على التعاون وهي «التويزة»، تليها  كما قال، عملية الغسل في وديان المنطقة خاصة وادي بوهروس، الذي تجتمع قربه النساء وفق برنامج محدد لكل عائلة، وتستعمل في هذه المرحلة مواد تنظيف محلية من تراب كلسي ملحي، يضاف إلى الصوف والماء فتصبح القطع بيضاء ناصعة، تأتي بعدها مرحلة التجفيف والتصفية باليد والمشط الذي هو عبارة عن آلة تقليدية لفرد الصوف.
 تليها كما أوضح، عملية «القردشة» و تحويل الكتلة إلى لفافات صوفية بواسطة آلة مصنوعة محليا وهي القرداش، بعدها مباشرة ينطلق الغزل إلي خيوط رقيقة متينة، ثم يأتي دور التلوين أو الصباغة بمواد وحشائش طبيعة.
أما سد الزربية، فهي عملية اجتماعية حسبه، حيث تجتمع النسوة من أجل وضع الخيوط على السداية التقليدية الخشبية بقياسات محددة عن طريق الذراع ثم توضب «السدية» في زاوية الخيمة أو البيت لإنجاز زربية بابار والمرأة البابارية كما أوضح، لا تعتمد على أية خريطة أو قاموس في الإنجاز لأنها حافظة للرموز وكيفية نقشها وبتناظر عجيب.
رمزية تعبيرية وحسابات رياضية

وتعتبر الرموز ومعانيها في زربية بابار، ذات قيمة فنية وتاريخية وأكثرها رموز أمازيغية التسمية والأصل، كما أن زربية بابار تمتاز بحاشية تتكون من أشرطة متوازية تتوزع على مساحتها و توشحها زخارف هندسية أو على شكل زهور يتوسطها شريط مستطيل، و عادة ما يكون على شكل حلبة أو محراب.
وتسمى زربية بابار في المنطقة، بـ «الدراقة» وهي الفاصلة بين النساء والرجال في المناسبات، لأن المجتمع الأمازيغي محافظ جدا، و الرموز الأمازيغية في الزربية، علامات ذات تصاميم متميزة تدل على الحس الفني لمبدعيها واستقلالية خيالهم في التعبير عن أحاسيسهم، أما أشكالها الهندسية فتترجم معتقدات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق و تمتاز الزربية الأمازيغية بحسابات رياضية دقيقة، وهي متوارثة جيلا بعد جيل في المنطقة، مع تجنب أي إضافات تمس بهويتها.
والزربية قبل أن تكون إبداعا كما عبر الباحث، هي مرآة تعكس تاريخ منطقة بابار، و تتبع رموزها  بشكل عام يمكن من معرفة  التاريخ والثقافة التي كانت سائدة، خاصة أن هناك باحثين يرون أن الأشكال التي ترسم تمكن من المعرفة الشعبية وتحديد مدى قدرة الإنسان الأمازيغي على تكييف كل ما يوجد حوله من ظواهر لخدمته، سواء كانت تتعلق بالمناظر الطبيعية والبيئة أو الحكايات والأساطير، وحتى ما يتعلق بالتاريخ و نتاج الاحتكاك والتأثر بالحضارات الأخرى.
والزربية هي لوحة تحتاج إلى فك التشفير والبحث عن دلالاتها فتتصل الرموز في الغالب بالمقدس، وقد كان الرمز في البداية وثنيا متصلا بالطبيعة مثل الشمس والماء والرياح والبحار، وللمظاهر التي تخاطب وجدان الإنسان وعواطفه وتؤثر فيه كآلهة الحب والجمال. ويجسد رمز الشمس مثلا، في دائرة يتوسطها قرص صغير، وترسم الأرض كدائرة  بأربعة أقسام، ويعود التراث الأمازيغي كما قال الباحث في التراث جوادي نصراوي، إلى ما قبل التاريخ، ونجد من بين الرموز المكررة فيها المعبودات على غرار الشمس والحمل والخصوبة والنجم والعقرب والماء.
ويحمل المعين المشير إلى الخصوبة ليوحي إلى الربط القوي بين شيئين أو أشياء متناقضة مثلا، فيما يرمز العقرب للقوة و هو رمز الموت أيضا ويوضع العقرب على حاشية الزربية في الغالب، تعبيرا عن الشهامة والقوة والحماية،
لكل لون حكاية
أما ألوان زربية بابار، فيغلب عليها الأحمر والأسود والأصفر لتتناسق مع الرسومات والدلالات العقائدية والفنية حسبه،  كما أن الصباغة أو دبغ الصوف يكون بألوان طبيعية مستخلصة من بعض الأعشاب والنباتات المتواجدة بمنطقة بابار، تجنى دائما في فصل الربيع وتجفف وتطحن لتستعمل في دبغ خيوط الصوف وإنتاج ألوان مختلفة، وذلك بعد غلي الصوف والأعشاب لمدة زمنية، ثم غسلها وبعد تجفيفها تلف وتستعمل لصناعة « دراقة بابار». كما تسمى محليا.
وتوظف في عملية الدباغة، قشور الرمان وأعواد السواك والزعفران و أوراق شجرتي الكاليتوس و الزيتون والكركم والعرق الأصفر و غيرها من الأعشاب الأخرى المعروفة لدى حرفيي المنطقة، فاللونان الأسود والأبيض ناتجان مباشرة من الصوف الطبيعية للغنم، أما اللون الأحمر (دم غزال ) فهو ناتج عن غلي خيوط الصوف مع أحجار حمراء موجودة بالمنطقة وتسمى بالأمازيغية إيونكن، و نحصل على الرمادي بخلط الصوف البيضاء والسوداء، أما الأصفر فينتج عن طريق مزج قشور الرمان والعرق الأصفر والزعفران الذهبي و السواك، و يستخلص اللون الرمادي من السواك والحنة، و  الأزرق باستعمال بودرة النيلة، أما بقية الألوان فتنتج عن طريق تخفيف وزيادة كمية الأعشاب كما أوضح الباحث في التراث الأمازيغي.
مشروع مركز دمغ السجاد ببابار

 وقد استفادت بلدية بابار، ضمن البرنامج التكميلي للتنمية الذي خص به رئيس الجمهورية ولاية خنشلة، من مشروع إنجاز وتجهيز مركز لدمغ السجاد، بلغ إنجازه نسبة متقدمة فاقت 90 بالمائة، وذلك في إطار  مساعي الدولة للحفاظ  على هذا الموروث الثقافي من الاندثار وحماية الهوية.
ويهدف المركز، لتسهيل عملية تصدير السجاد خارج الوطن و منح العلامة الجماعية لزربية بابار، وكذلك  استغلال القدرات الحرفية الإنتاجية مع تجميع الحرفيين المنتجين للزربية  في مكان عمل و إنتاج موحد يخضع لمعايير الشغل المناسبة، و  تلبية حاجيات المنتجين للزربية و النسيج و خلق مناصب شغل.
ومن شأنه أيضا، أن يلعب دورا كبيرا في إبراز الزربية و المكنون التاريخي و الحضري لها، من خلال العلامة الجماعية التي تساعد على المحافظة على المنتوج و تعد بمستقبل واعد لزربية بابار، التي ستعرف ترويجا على المستويين الوطني و الدولي.
وللمحافظة على هذا الموروث الثمين، يجري تأهيل دائم و مستمر للعنصر البشري في المجال، و التأسيس لقاعدة علمية ثابتة من خلال الاعتماد على مراجع تاريخية صحيحة تمكن من إعداد برامج تكوين تستجيب لمتطلبات هذه الحرفة، و تساعد على إدخال طرق جديدة         وعصرية في عالم الزربية بمختلف أنواعها و أشكالها، مع ضبط البرنامج المناسب لتأهيل اليد العاملة.
مشكل التسويق يعيق ترقية المنتج

ورغم كل الجهود يواجه الحرفيون  عراقيل عديدة أهمها مشكل التسويق بسبب عدم وجود معارض ومحلات لعرض وبيع زربية بابار على مدار السنة، ناهيك عن نقص الطلب على منتوجهم بالنظر لغلاء أسعارها  مقارنة بالزرابي الحديثة التي تنتجها المصانع، وهي منافسة يعتبرونها غير عادلة على اعتبار أن السجاد اليدوي يتطلب جهدا ومواد أولية مكلفة، ما جعل الإنتاج يتقلص ومعه تتزايد  مخاوف  الحرفيين من ركود منتوجاتهم، وعليه يطالبون الجهات المعنية باقتراح حلول لمشكل الترويج لهذا السجاد لما يمثله من تراث مادي عريق و ترقية تسويقه باعتباره مفخرة للجزائر.
وكان وزير السياحة و الصناعات التقليدية مختار ديدوش، قد دعا الحرفيين إلى الاعتماد على التسويق الإلكتروني، خلال زيارته شهر جانفي الماضي لولاية خنشلة، و شدد على ضرورة التنسيق مع غرف الصناعة التقليدية للمشاركة في التظاهرات التجارية والحرفية سواء داخل الوطن أو خارجه، و العمل على ترويج المنتوجات خاصة زربية بابار  وكذا الاستفادة من عرضها على مستوى الهياكل الفندقية، معطيا توجيهات للحرفيين لمواكبة التطور التكنولوجي و استغلال وسائل التواصل الاجتماعي و مختلف المنصات الإلكترونية في الإشهار تماشيا ومتطلبات التجارة الحالية، بغية إنجاح التسويق.                         
ك. ر

الرجوع إلى الأعلى