تتحوّل الألوان في يد الفنانة التشكيلية والحرفية نجيبة نافع، إلى إكسير حياة تنثره على مواد مهملة من الزجاج والأواني و العلب والأقمشة التي تمنحها حياة ثانية داخل ورشتها التي تعبق فنا، حيث تحوّلها إلى قطع مميّزة  تسرّ الناظر إليها، تُستخدم كقطع ديكور لتزيين المنازل أو تُقدّم في شكل هدايا خاصة.

ورشة تكرّم الروح الفنية للمرأة
أمضت نجيبة داخل ورشتها المتواجدة بالمدينة الجديدة علي منجلي، في قسنطينة، قرابة الثلاث سنوات وقد أطلقت عليها اسم «دار يما»، تيمنا بوالدتها وتكريما لجميع الأمهات الجزائريات، اللواتي قالت بأنهن يتفنن في الاعتناء بمنازلهن بشكل مختلف و يضفين سحرا أنثويا عليها، من خلال تزيينها بأجمل القطع والتحف الفنية حتى لو كانت بسيطة.
وتعبر رمزية اسم الورشة، عما توفره لهن من ألواح زيتية مختلفة الأحجام، وتحف نُقشت على الحجر تنطق بمواضيع مختلفة، وأخرى مصنوعة من الجبس عبر تقنية القولبة، فضلا عن الرسم على الأواني الزجاجية وفقا لطلبات الزبونة.
وتمنح صاحبة ورشة «دار يما» عملها كل التركيز والاهتمام منذ التحاقها صباحا ببيتها الثاني كما تصف غرفة العمل، حيث تجدها أمام طاولتها محاطة بعتادها المتنوع و بعلب ألوان تعطي لكل عمل صفة مميزة.
أخبرتنا بأنها تنجز العديد من القطع حسب كل ما تتطلبه الحرفة، فهناك أعمالا أكاديمية نابعة من تكوينها بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة، موجهة أساسا للمشاركة في صالونات ومعارض الفنون التشكيلية فضلا عن المهرجانات الثقافية على المستوى المحلي والوطني، وأخرى تستلهمها من تجاربها في الحياة اليومية والقصص التي تمر عليها، فتأتي برؤية وبصمة فنيتين تعرض نتاجهما داخل الورشة للزبائن والزوار.
وقالت نجيبة، إن نشاط ورشتها لا يقتصر فقط على إنجاز أعمالها، بل تقدم داخلها أيضا تكوينات لهواة الفنون التشكيلية لاسيما الأطفال، الذين يعبرون عن أنفسهم بتجسيد لوحات فنية، تساعدهم على إتقان الرسم والتلوين على مختلف المحامل والخامات وحتى الزجاج، وتلوين الملح بالإضافة إلى الرسكلة والفسيفساء.
الاهتمام بالديكورات ساعد على تجسيد فكرتها
تهتم الحرفية بكل ما هو جديد ورائج في الفن ولا تكتفي فقط بالتعبير عن نفسها في أعمالها، حيث توظف منذ سنوات موهبتها في الفنون التشكيلية في تصميم الديكورات، كما قررت بعد جائحة كورونا المُضي في إنشاء مشروعها الخاص وإخراج منتوجاتها إلى السوق.
وتعتمد محدثتنا على أسلوبين في إنجاز أعمالها وفقا لما أوضحته، فإما تصممها وتصنعها بيديها مثل قوالب الجبس وديكورات الخطوبة والحفلات والفسيفساء، وتشكل لوحات باستخدام قطع الزجاج، أو تعيد تزيين قطع جاهزة يقتنيها الزبائن من المحلات ثم يأتون بها لتكسر الفنانة رتابة تصميمها السابق و تزينها برسومات مختلفة، أو تلونها وفقا لطلبهم كالمزهريات و الأواني الفخارية والزجاجية.
وحسب صاحبة الورشة، فإن هذا النوع من «الديكورات» يشهد إقبالا من طرف الزبائن الذين يحبون الصناعات اليدوية، خصوصا وأنهم يشاركون الفنان في عملية تشكيل القطعة عبر توظيف أفكارهم في إعادة تزيينها، فضلا عن الفئة التي تفضل امتلاك تحف مميزة وفريدة، مضيفة بأن هناك زبائن يشترون بعض الأطقم أو الأواني البسيطة، ثم يأتون بها إلى ورشة «دار يما» لتحويلها إلى قطع مميزة عبر تقنية الرسم على الزجاج، وقد بدأت هذا النشاط سنة 2007، مع توفر المواد الأولية المستخدمة في هذا الفن في السوق الجزائرية.
وأشارت، إلى أن لكل تقنية خصوصيتها وقواعدها الفنية التي تجعل القطعة ذات جودة عالية وأكثر استدامة، كما ذكرت الحرفية بأنها تتبع مجموعة من الخطوات قبل أن تباشر الرسم على الزجاج، بداية من تنظيف القطعة بمواد خاصة، ثم تنقل الرسم الذي حضرته سابقا إلى السطح الزجاجي باستخدام محدد اللون خاص، بعدها تبدأ في توزيع الألوان، وفي الأخير تثبت الرسم باستخدام الحرارة.
وتتميز الفنانة بأعمالها، حيث تحاول دائما أن توفر نماذج جديدة تختلف عن سابقتها، معلقة بأنها لا تحب إعادة تسويق القطعة نفسها، لأن لكل زبون ذوقه الخاص، حيث تحرص على أن يخرج من الورشة وهو راض وسعيد بالتحفة التي تحصل عليها.
وترى نجيبة بأن الفنان يجب أن يتفانى في عمله، ويترك بصمته الخاصة كما تنصح بتجنب التقليد وابتكار أسلوب خاص يميز القطع ويجعلها عصرية، وهذا خدمة للفن فضلا عن إقناع الزبون الجزائري بالمنتوجات المحلية وزيادة اهتمامه بها.
الصناعات اليدوية استثمار في مهارات الفرد
وترى الفنانة التشكيلية والحرفية، نجيبة نافع، أنه و من خلال تجربتها فإن الشخص الذي يقضي وقته في تعلم الصناعات اليدوية يحصد الكثير من الإيجابيات، كما اعتبرتها متنفسا للتغلب على الفراغ واستغلال الوقت في أنشطة مفيدة على الصعيد النفسي والربحي أيضا، لاسيما ما تعلق بتطوير المهارات الفردية وصقل المواهب.
وتواكب الحرف وفقا لنجيبة، تطورات العصر متبعة كل ما هو جديد خصوصا بعد الإقبال عليها من طرف أصحاب المشاريع وتنويعهم في تقديم منتجات تدخل استخداماتها في الحياة اليومية للأفراد.
وقالت، بأن هذه الوتيرة تنبئ بمستقبل زاهر لسوق الصناعات اليدوية الجزائرية، وذكرت بأن الأمر حاليا يتطلب دراسة الأسعار والعرض والطلب حتى تتحول الحرف الجزائرية للمنافسة خارج حدود الوطن.
أكثر من 23 سنة في رحاب الفن
شقت الفنانة والحرفية طريقها نحو الفن التشكيلي منذ نعومة أظافرها  مثلما أخبرتنا، وقد لعبت رعاية والدها لشخصيتها الفنية دورا في تحديد مشوارها، حيث أخبرتنا أنه كان يشتري لها مجموعات متنوعة من دفاتر التلوين التي تحتوي على مواضيع شيقة، مثل عالم البحر والأسماك والمناظر الطبيعية، التي فتنت الفتاة نجيبة آنذاك، وفجرت ينابيع الفن بداخلها فشغلها الرسم والعيش داخل الألوان، وهي تكتشف في كل مرة تأثيرها على الأشياء من حولها، وتجريب تغيير حالتها الأولى إلى أخرى مميزة وذات لمسة إبداعية، وعبرت قائلة بأن الفن يمثل الحياة بالنسبة إليها، وهي التي منحته أكثر من 23 سنة من عمرها. وتربطها علاقة خاصة بلوحاتها التي وصفتها بالجنين الذي تعيش أمه مراحل تكوينه ثم نموه إلى غاية اكتماله، فكل لوحة في نظرها تحمل قصة خاصة منذ أن كانت مجرد فكرة، ثم تقفز من مخيلتها فوق الورق أو القماش لتسرد حكاية، أو لتحمل رسالة إنسانية يُبلِّغها الفن عبر الخطوط والألوان المتجانسة.                   إيناس كبير

الرجوع إلى الأعلى