PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

الفلكي الجزائري نضال قسّوم للنصر:

وزارة الشؤون الدينية ارتكبت أخطاء جسيمة في رصد الأهلة و لا يصح إتباع السعودية

يرى البروفيسور الجزائري نضال قسّوم الباحث في الفيزياء و علم الفلك بالجامعة الأمريكية بالشارقة، أن وزارة الشؤون الدينية ارتكبت «أخطاء جسيمة» لدى  رصد الأهلة خلال الأعوام الماضية، كما انتقد قسّوم الذي عمل إلى جانب كبار علماء وكالة الفضاء «ناسا»، إتباع السعودية في الأعياد الدينية رغم أن الرؤية على ترابها كثيرا ما تكون «غير صحيحة» و «مُخالفة للقواعد الفلكية»، و في حوار خصّ به «النصر»، دعا الباحث في علم الفلك الإسلامي، إلى مراجعة المنظومة التعليمية التي يتلقاها طلبة العلوم الشرعية ببعض البلدان المسلمة، و ذلك لما يعتريها من «خلل» أدى إلى ظهور تيار متطرف قال أنه يرهن مستقبل الشعوب.

  حاورته: ياسمين بوالجدري

 

 بداية ألا ترون أن الدول الإسلامية أهملت علم الفلك رغم أسبقية قدماء علمائها في الاهتمام به؟ حتى أن عام 2015 اختير ليكون سنة الضوء الدولية، احتفاء بمرور مائة قرن على شروع الحسن ابن الهيثم في أبحاثه..

فعلا.. لم تهتم الدول العربية و الإسلامية بعلم الفلك منذ قرون، حتى أن معظم المراصد التي بنيت حديثا بالمنطقة، كمرصد الجزائر و مرصد بيروت، كانت من إنجاز المستعمر، باستثناء مرصد قطامية خارج القاهرة، الذي بنته الحكومة المصرية قبل 50 سنة، لكنه لم يعد يحتضن أبحاثا معتبرة منذ عقود، كما أن جامعات العالم العربي التي يدرس بها تخصص علم الفلك، تعدّ على أصابع اليد الواحدة.
إنجازات المسلمين في عصرهم الذهبي كانت كثيرة و عالية المستوى، حيث أقبلوا على كل العلوم بشغف، و لم ينظروا للعلوم بمنظور نفعي محض كما نفعل نحن اليوم، أين صار الجميع يسأل “ما الفائدة من علم الفلك؟”، و قد كتبت كثيرا ردا على هذا السؤال لتبيين أهمية و فائدة علم الفلك، في ظل التخلف الفكري و الثقافي و الحضاري الحاصل، فقرآننا هو الذي وجّهنا إلى النظر و التفكر و التدبر، و لم يصر على المنفعة بمفهومها الضيق، و حتى حديث “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع”، يجب أن يُفهم كما طبقه علماؤنا القدامى، بشكل أوسع يشمل الفكر و التدبر، ناهيك عن أهمية علم الفلك في عدد من العبادات كالصلاة، الصيام و الحج، و في المعاملات التي تشمل الآجال و تسديد القروض و قضاء الديون و غيرها.

لا تكاد تخلو مناسبة دينية إسلامية إلا و يُثار الجدل و يكثر الحديث حول وجوب اعتماد الحسابات الفلكية عوض الرؤية المجردة للأهلة، برأيكم أي من الطريقتين أصح من الناحية الشرعية؟

ليس هناك تعارض أو حتى تخيير بين الحساب و الرؤية، فالحسابات تتم على أساس معايير تم استنباط معظمها من عدد كبير من الأرصاد بالعين أو بالأجهزة، و معظم الفقهاء اليوم يقبلون بالرؤية بالأجهزة و لا يصرّون على الرؤية العيانية، لكن أولا يجب الوعي بأن تحديد الشهور مسألة حضارية، أي أنها تهم المعاملات مثل العبادات.. لا يجب النظر إلى تحديد الشهور من باب “متى يبدأ رمضان أو ينتهي؟”، بحيث يترتب عن ذلك أيضا نتائج اجتماعية عديدة، بتحديد العطل و مواعيد السفر و حجز المركبات و قاعات الأنشطة و الاجتماعات، سواء الوطنية أو الدولية، لذلك فلا يمكن أن يتم تحديد الشهور بانتظار مساء “ليلة الشك” ثم حدوث اللغط بشأن الرأي الذي يجب أن نأخذ به أو البلد الذي نتبع رؤيته، مع ما ينتج عن ذلك من عدم معرفة الناس مسبقا لجداول أعمالهم و أنشطتهم الدينية  و المدنية.
تحديد رمضان و الأعياد كان يتم قديما بالطريقة التقليدية أي بالرؤية في ليلة الشك، عندما لم تكن هناك إمكانية موثوق فيها لتحديد بداية الشهر، لكن التنبؤ صار الآن عالي الدقة، على الأقل قُطريا أو جهويا، و لذا علينا أن نأخذ بأفضل الطرق، و هو ما كان يفعله النبي (ص) في كل الأمور التي يجد فيها خبرة ما عند أحد.
ما أخلُص إليه هو أن التنبؤ و وضع تقويم مسبق، لا يتنافى مع سنة الرؤية و الخروج لتحري الهلال، فالفلكي سيقول للناس “ليلة كذا لا تخرجوا فالهلال غير موجود في السماء أو لا يمكث وقتا كافيا يسمح برؤيته”، أو “في هذه الليلة أخرجوا بهذه المنطقة و لا تحاولوا في تلك”؛ ورغم أننا سنعرف مسبقا متى رمضان و متى العيد، إلا أن الناس سيخرجون و سيؤكّدون تنبؤ الفلكيين، و هكذا يسعد الكل.. لكننا لن ننتظر أن يرى الناس الهلال أو لا حتى نقرر متى يبدأ الشهر، فتلك مسألة صار العلم قادرا على مساعدتنا فيها بشكل عالي الدقة.

ما تعليقكم على حالة الجزائر خاصة وأن وزارة الشؤون الدينية لم تعد في الآونة الأخيرة تعتد بحسابات جمعية “الشعرى” لعلم الفلك؟

ليس لي أن أحكم على ما تقوم به وزارة الشؤون الدينية هذه الأيام، فلست مُلمّا بكل الإجراءات التي تتم.. لكن كنت قد انتقدت، قبل بضعة سنوات، الوزارة عندما ارتكبت أخطاء جسيمة في هذا الصدد، مثل قبولها شهادة شخص أو بضعة أشخاص، في الوقت الذي أجمع فيه فلكيو العالم على أن الهلال لم يكن قابلا للرؤية في القطر الجزائري، فمثل هذا القرار يسيء لسمعة الجزائر و حكومتها، بالرمي بالعلم جانبا، و قد كنا نحن السبّاقين في تقديم مسألة الشهور الهلالية بجانبيها الفلكي والفقهي، في كتاب صدر في الجزائر أولا ثم بلبنان قبل 20 سنة، حيث تداوله المختصون و اعتبروه قفزة نوعية، فكيف تتراجع الجزائر إلى مؤخرة القافلة في تعاملها مع هذا الموضوع!
للجزائر مرصد و عدد كبير من الفلكيين المختصين و كذلك أنشط الجمعيات الفلكية في العالم العربي مثل جمعية “الشعرى”، بالإضافة لاحتضانها فقهاء واعين و دارسين للموضوع، فلماذا لا نجمع على أفضل الحلول و نكون قدوة لغيرنا؟.. أنا تحت خدمة الجزائر في هذا المجال و رهن الإشارة.

يرى البعض أنه من غير المنطقي إتباع تقويم السعودية في الأعياد الدينية بالنظر للبُعد الجغرافي، كما تحولت رؤية الهلال برأي آخرين إلى مسألة سياسية، إذ يتعمد المعارضون للسعودية الاختلاف مع تواريخ إعلانها عن مواعيد الأعياد، بينما يتوافق آخرون مع الرياض حتى لو لم تثبت الرؤية ببلدانهم، هل أنتم مع هذا الطرح؟


تقويم السعودية يستخدم لأغراض مدنية فقط، كتحديد تواريخ دفع الرواتب و الفصول الدراسية، لكن بالنسبة لرمضان و العيدين، يتم الاعتماد على الرؤية فقط.. و للإجابة عن السؤال التالي “هل نأخذ برؤية السعودية أم لا؟” علينا أن نعلم أنه إذا حدثت الرؤية بالسعودية بشكل صحيح، فإنها ستكون أسهل في المغرب العربي، لو كان الجو صحوا.. و بالنسبة للجزائر فمعروف أن مساحتها كبيرة و لا تكون كل سمائها غائمة في ليلة ما، سيما و أن شهر رمضان يحل هذه الأعوام في فصل الصيف، لكن كثيرا ما تكون الرؤية المعلنة بالسعودية غير صحيحة، حسب الفلكيين و معطيات تلك “الرؤية”، التي تعتمد على مكث قصير جدا للهلال، بما يخرق كل المعايير و القواعد الفلكية والفيزيائية، في هذه الحالة لا يصح أن نتّبع السعودية في خطأ، لأننا هكذا سنشجع العالم الإسلامي على عدم الاكتراث بالعلم و الفقه الصحيح.

خلّف تفاوت مواقيت الصلاة و الصيام حسب البلدان، اختلافات كثيرة بين مسلمي العالم، و هو ما كان سببا في إعدادكم بحثا عرض طريقة جديدة لحساب هذه المواقيت، هل يمكنكم إطلاعنا على أهم المقاربات العلمية التي تضمنها؟

نشرنا هذا البحث قبل بضعة سنوات، و قد كان حول مواقيت الصلاة و الصيام بالبلدان الواقعة بشمال الكرة الأرضية، و التي لا تنطبق مواقيتها على القواعد العادية التي يعمل بها المسلمون، في هذه الحالة ماذا يفعل المسلمون الذين يعيشون مثلا بالنرويج، أين لا تغيب الشمس أحيانا و لا يحدث لا عشاء و لا فجر! هل يتوجب تطبيق قاعدة “الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر”؟
العلماء المسلمون قدّموا في السابق بعض الحلول باتباع “أقرب البلاد المسلمة” أو حساب السبع الأول و السبع الأخير من الليل أو غير ذلك من الحلول، التي وجدنا أن نقائص هامة تعتريها، كما أنها لا تنفع إطلاقا في المناطق و الفترات التي لا تغيب فيها الشمس أو لا تشرق... لذلك قدّمنا طريقة فلكية جديدة و مبتكرة تنفع في كل تلك المناطق والفصول، في الحقيقة يصعب شرحها هنا و يطول، لكن العرض الذي قدّمته بمؤتمر أبوظبي موجود بالفيديو على الإنترنت لمن أراد العودة إليه.

أسالت تحاليل وتفسيرات الباحث الفلكي لوط بوناطيرو الكثير من الحبر لغرابتها، سيما ما تعلق بأسباب الزلازل و تنبؤات وقوعها و كذلك زعمه بأن عدد أيام الأسبوع ستة، ما رأيكم في ما يقول و هل ترون أنه استند إلى أسس علمية؟

كنت قد أوضحت في الصائفة الماضية عقب حدوث زلزال بالجزائر العاصمة و ظهور بعض تلك الطروحات أو “التفاسير”، أن لا أحد من الباحثين المختصين في العالم يقول بمثل هذه الطروحات، حتى أن بعض الأبحاث التي نظرت في مدى تزامن النشاط الشمسي مع الزلازل على الأرض، لم تجد أي ترابط علمي يذكر.. على الباحثين و المسؤولين و الإعلاميين أن يستندوا إلى العلم الصحيح، و يجب أن نسأل دائما عن الأدلة و لا ننجر خلف التصريحات الرنانة، فهذه هي الأمانة و المسؤولية العلمية والإعلامية، إذ يقول تعالى: “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”، و يقول أيضا: “وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلم، إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً”.


في نفس السياق دائما، أثار داعية سعودي اسمه بندر الخيبري الكثير من الجدل مؤخرا، عندما قال أن الأرض ثابتة و علّل كلامه بآيات قرآنية، هل ترون أن مثل هذه التصريحات من شأنها تشويه صورة الإسلام و المسلمين لدى الغرب؟

فعلا، من المؤسف أن يظهر رجل يحمل علما شرعيا و يحاضر لطلبة جامعة في القرن الواحد و العشرين، ليؤكد أن الأرض ثابتة لا تدور لا حول نفسها و لا حول الشمس، بل أن يأتي بـ»أدلة» علمية إضافة إلى «الأدلة» الشرعية، و فعلا استهزأت صحف العالم من أمريكا إلى أستراليا بذلك الطرح، و مع التطرف الحاد الذي نشهده ببعض البلدان المسلمة، تساءل العالم: «هل المسلمون لا يزالون في عصر الظلمات؟ وكيف نخرجهم منه؟»
للأسف، من الواضح أن ثمة خلل في المنظومة التعليمية التي يتلقاها طلبة العلوم الشرعية ببعض الأماكن من العالم الإسلامي، و قد أدى ذلك إلى ظهور تيار متطرف حاد، سواء سياسيا و عسكريا أو دينيا و فكريا.. مثل هذا الطرح ليس الأول من نوعه و لا الأغرب، فقد سمعنا مثله حول مسائل علمية أخرى، و من طرف شيوخ و»علماء» جد مشهورين، لا داعي لذكر أسمائهم فالعديد يعرفونهم.. أعتقد أن علينا مراجعة التربية و التعليم المقدّمين للشباب المسلم اليوم، و إلا فإن المستقبل سيكون جد مظلم...

تركزون في أبحاثكم على وجوب دمج العلم الحديث مع النظرة الإسلامية للكون، كيف يكون ذلك في ظل تدني اهتمام الدول الاسلامية بالعلوم؟


لقد تقدم العلم الحديث أشواطا كبيرة و لم يعد فقط قادرا على تفسير كثير من الظواهر الكونية و الطبيعية، بل صار باستطاعته تغيير بعض المخلوقات، بما فيها الإنسان بدماغه و وعيه و حتى شخصيته، و المسلم يحتاج أن يوفق بين نظرته للعالم و للكون، التي يجب ان تأخذ الاكتشافات بعين الاعتبار، و بين تصوّره الإيماني للوجود و للحياة، و من الواضح أن العلم الحديث، مع قدرته العجيبة على التقدم في تفسير ظواهر الطبيعة و الكون بل و التحكم فيها، غير قادر إطلاقا على تقديم فلسفة أو حتى أخلاقيات للعيش و العمل، لذلك أرى أن الإسلام قادر على تقديم تصوّر يوفّق بين الجانبين.