PUBANNASR PUBANNASR
الإثنين 21 جانفي 2019

المارَّة و الصرا و سيدي إدريس بقسنطينة


أزمة النقل معاناة تتجدّد كل خريف بمشاتي بني حميدان  
لم تعرف مظاهر التحضُّر والعيش الكريم طريقا لها نحو مشاتي وقرى بلدية بني حميدان، المعزولة  بقسنطينة، كالمارَّة و طكوك وعين تالة والحويمة، وعديد القرى الجبلية، رغم ضعف الكثافة السكانية بالمنطقة،  حيث لا تتجاوز 14 ألف نسمة، وتتربع على مساحة تقدَّر بحوالي 130 ألف كيلومتر مربع، غالبيتها فلاحية وتدرُّ ذهبا بدل المال، فيما يشقى المزارعون والموَّالون بجهد الأيدي وعرق الجبين لتوفير متطلبات العيش الأساسية، في غياب ظروف لائقة لتمدرس أبنائهم، وكذا غياب إمدادات الغاز والكهرباء والطريق المعبَّد.
روبورتاج: فاتح خرفوشي
صادفنا في طريقنا نحو بلدية بني حميدان وتحديدا المشاتي المترامية وسط الطبيعة الخلاَّبة التي تشكل لوحة طبيعية ساحرة ،  انطلاقا من المارَّة وصولا إلى سفح جبل سيدي ادريس، أو ما يعرف محليا بـ»الصرا» و»الكاف»، مجموعة من التلميذات يعانين صعودا لبلوغ المنازل، والأمطار تتهاطل بغزارة، وعندما سألنا عن السبب، أجابتنا نسرين وزميلاتها المتمدرسات بإكمالية رابح لحنش بأنَّ وسيلة النقل الوحيدة المتوفِّرة ــ وهي حافلة مهترئة من الحجم الصغير ــ لديها مسار واحد ونقاط محدَّدة تبلغها دون غيرها مهما كانت الظروف، ولا يقوم السائق بتوصيل كل المتمدرسين، وهم كثر، ما يضطرُّهم للسير على الأقدام لمسافات بعيدة، حتى في الأحوال الجويَّة الصعبة.
ولم تثنِ الظروف الصعبة التلميذات والمتمدرسين، عموما، من التحدي ومحاولة بلوغ أعلى المراتب العلمية، وهو البريق الذي لم يأفل بعينيّ نسرين وزميلاتها بالدراسة، والتي أثارت انتباهنا بقوة شخصيتها وحديثها عن  مشاكل الجهة  التي تقطن بها، ونقل انشغالات المواطنين، بجرأة وصرامة تخطَّت سنّها، وكأنها صحفية صغيرة أو منتخبة رغم أنها لم تكمل عامها الرابع عشر.
حافلة لعشرات التلاميذ والنقل الجامعي  لوسط البلدية فقط!
أضافت ذات المتحدّثات لـ»النصر» أن المقاعد بالحافلة عددها قليل وأن المركبة ذات حجم صغير، وكثيرة الأعطاب ، ما يجعل خدمة النقل المدرسي متذبذبة، ليزيد الغرباء الذين يستغلون الحافلة المشكل سوءا ، حيث يستعملون حسب التلميذات   الحافلة الخاصة بالمتمدرسين لنقل منتوجاتهم المعاشية كالخضر والفواكه نحو وسط بني حميدان لبيعها، وأضفن أن النقل المدرسي بالمركبة اليتيمة يتم توفيره مرتين في اليوم فقط، ما يضطرُّ الكثيرين للخروج قبل الثامنة صباحا، والعودة مساء حوالي الخامسة، وأحيانا، في فترة الامتحانات يمكث الممتحنون نصف يوم إلى غاية وصول وقت الاختبار بالمتوسطة.
ذات الإشكال طرحته إحدى الجامعيات اللّواتي يعانين رفقة مجموعة أخرى من الطلبة لإتمام التدرج بالدراسات العليا، في غياب النَّقل، حيث تتوقف حافلة نقل الطلبة على مستوى وسط مدينة بني حميدان،  وذلك حتى  في الشتاء ، حسبها ،  ويتدبَّر الطلبة أمورهم في كيفية بلوغ مشاتي المارَّة والصرا والكاف وبني تالة، وغيرها، أمام الخوف من الاعتداءات، وعدم قبول تأخر الشابات في الدخول إلى المنزل لدى العائلات المحافظة، ما يضع  الجامعيات بهذه البلدية الفلاحية النائية،  بين سندان التمدرس ورفع المستوى التعليمي والتخرُّج، ومطرقة الأسرة من جهة وعدم توفُّر وسائل النقل العامة، من جهة أخرى، وهي النقطة الواجب التكفل بها من طرف مديرية النقل وأيضا الخدمات الجامعية للولاية حسبهن.
عزلة شتاء وقارورات البوتان بـ300 دج
واصلنا الاستماع لأهل المارَّة (بتلطيف الراء) في سرد معاناتهم اليومية، وذكروا عدم وجود شبكة الغاز الطبيعي بالبيوت المترامية هنا وهناك، بالقرى والمشاتي المذكورة الواقعة في أعالي بني حميدان، شمالا، وهو ما يجعل الحياة أصعب ممَّا هي عليه أصلا، خاصة في فصل الشتاء، أين تنخفض  درجات الحرارة بشكل رهيب نظرا لعلوّ المنطقة، حوالي 1300 متر فوق سطح البحر، فيما يجد المواطنون صعوبة بالغة في اقتناء  قارورات غاز البوتان، حيث يتحتَّم عليهم بلوغ وسط  مدينة بني حميدان رغم صعوبة ذلك  ، نظرا لأنَّ الثلوج تغلق الطريق، ويصبح مستحيلا المرور عبره، إلا بحضور كاسحات الثلوج.
كما يتوجب على سكان الجهة اقتناء قارورات غاز البوتان قبل هطول الثلوج، وغلق الطريق، إذ يتكفل «الفرود» بعملية جلب هذه المادَّة الحيوية للحيلولة دون موت العائلات بردا وجوعا، مقابل دفع  ما لا يقلُّ عن 300 دج ثمن هذه الخدمة، وأمَّا أصحاب الجرارات والشاحنات فلا يجدون صعوبة للتسوق حتى في ظلّ الظروف المناخية الصعبة، إلا نادرا.
وفي ظل غياب شبكة الغاز الطبيعي، فإنَّ  السكان يتساءلون  عن أسباب عدم  وضع نقطة متقدمة لتوفير قارورات غاز البوتان،  أو  تسطير برنامج للتوزيع الدوري لهذه المادة الحيوية بالنسبة للأرياف المعزولة والمداشر البعيدة عن النطاق  الحضري ، وذلك لتسهيل الحصول على غاز البوتان  خاصة في فصل الخريف والشتاءّ، وتوفير العناء على الفقراء وضعيفي الدخل، وبالمرَّة مساعدة سكان الأرياف والفلاحين والموالين على الاستقرار في ظروف عيش كريمة، على الأقلّ.
العيادة لنصف يوم وطريق مهترئ   
سكَّان المارة و»الصرا»، والمشاتي المجاورة لها بأعالي بلدية بني حميدان، شمالا، بولاية قسنطينة، يطرحون بقوة مشكل نقص الخدمات الصحية بالجهة  والتي وصفوها بالمتدنية بشكل رهيب ،  حيث لا توفر العيادة الصغيرة الموجودة أدنى الكشوف الضرورية والخدمات الصحية القاعدية،   لعدم  وجود الإمكانيات الأساسية لذلك، وأيضا  لاقتصار خدمات  التشخيص الطبي وبعض العلاجات السهلة وحقن المرضى  على نصف يوم، حيث تغلق أبوابها قبيل منتصف النهار وفق ما قاله  لنا سكان،  مشيرين أن المرضى وأصحاب الحالات الاستعجالية ،  لا يجدون مساء أو ليلا، بدًّا من الاعتماد على «الفرود» للتنقل  نحو مستشفيات بلدية ديدوش مراد وزيغود، كونها أقرب الوجهات لبني حميدان وما جاورها.
نقطة أخرى تحدَّث عنها سكان الجهة والقرى المحيطة بها في زيارة «النصر» للمنطقة، وهي اهتراء أجزاء هامَّة بالطريق البلدي المؤدي نحو القرى المذكورة، بدءا  بالمحور المجاور للمقبرة البلدية، غير بعيد عن المكان المسمَّى «الحويمة»، وتزداد الأمور سوءا  صعودا نحو أعالي قمة جبل سيدي إدريس، ودون إغفال جهود البلدية في ترميم أشطر هامَّة على مستوى هذا المحور الرابط بين قلب بلدية بني حميدان والوجهات الأخرى، إلا أنَّ الأجزاء المتضررة تزداد تدهورا مع انهمار الأمطار ، وانزلاق التربة ذات الطبيعة الفلاحية، ما قد يؤدي في الأيَّام القليلة إلى عزلة تامة  للمشاتي.
ووقفنا خلال الزيارة الميدانية للمارَّة و الصرا  نحو جبل سيدي إدريس، بمساء بارد وممطر، على حالات اجتماعية تعيش وضعا صعبا، ولا تجد يد المساعدة،  كحالة السيد «ط. رابح» المصاب بمرض الرعاش ولا يستطيع توفير قوت اليوم لعائلته المتكونة من بنات وابن و زوجته ، واضطرار ابنه البكر الذي لم يتجاوز الـ17 من العمر، لترك مقاعد الدراسة والعمل في رعي البقر والغنم لإيجاد مدخول شبه قارّ لأفراد العائلة.
وبدا المنزل خاليا  من كل المحتويات المساعدة على العيش في ظروف إنسانية كريمة، رغم قناعة أهله، والمطالبة بمساعدة بسيطة من البلدية وكذا مديرية الشؤون الاجتماعية، لمنح إعانة إضافية بعد تلك المقدمة في إطار البناء الريفي، لمنع دخول مياه الأمطار إلى البيت ، وتوفير بعض الأغراض للعائلة المعوزَّة ، وهي حالة ضمن العشرات بالمنطقة المحتاجة لأموال صندوق العائلات الفقيرة والمعدومة، في انتظار التفاف رجال المال والأعمال وفلاحي بني حميدان ميسوري الحال لتنظيم حملات لرفع الغبن عن العائلات التي تعيش تحت خطِّ الفقر.
رئيس المجلس الشعبي البلدي لبني حميدان  رابح جعفر
 خواص لإيصال الغاز وميزانيات إضافية لبقية النقائص
جمعنا اتصال برئيس بلدية بني حميدان الفلاحية بامتياز، للحديث معه عن البرامج التنموية بالمنطقة، ومستقبل المشاريع لتجاوز  النقائص التي يعاني منها المواطن البسيط بالمشاتي المذكورة ،  أجاب الـ»مير» رابح جعفر بأنَّ قضية الغاز الطبيعي مطروحة وبإلحاح في البلدية، وأكّد أنَّ الجهة هي الوحيدة إضافة لنقطة أو نقطتين، فقط، التي لا تزال تعاني هذا الإشكال، حيث سيعكف المجلس على تقديم دراسة تقنية للوالي لتسريع منح ميزانية ضمن المخططات البلدية أو الدعم الولائي لتجسيد الربط بالغاز الطبيعي، مبديا استعداده للتعاقد مع أحد الخواص لتقريب غاز البوتان من المواطنين ضمن اتفاقية مع مؤسسة «نفطال».
كما تترقب البلدية تسريح إعانة مماثلة لإصلاح أشطر بالطريق البلدي على مسافة 7 كيلومتر وصولا لحي «الحويمة»، و7,5 كيلومتر صعودا إلى جبل سيدي إدريس، وهناك  بطاقة  تقنية المعدَّة منذ  عام 2015، حسب رئيس البلدية رابح جعفر، وتنتظر التجسيد، للسبب المذكور، معلنا صراحة مسؤولية مديرية الصحة في الحرص على ضمان التغطية الصحية وبرمجة مناوبات الطبيب والممرضين بالعيادة الموجودة بالمارَّة، وهذا الأمر خارج عن نطاق صلاحياته.
ووعد جعفر بتخصيص ميزانيات إضافية سواء البلدية أو الولائية لتصحيح النقائص وخلق المزيد من المشاريع الهامة ببلديته، التي تستحقُّ، حسبه، مكانة أحسن نظرا لكونها منتجة للدخل خارج قطاع المحروقات، ويمكن الاستثمار في الفلاحة والزراعة وتربية الأبقار والمواشي لرفع الاقتصاد المحلي، وحتى الوطني، بشرط توفير المزيد من الاهتمام لها، وضمان العيش الكريم لمواطنيها بدعم الإنجازات الحضرية، وتوفير الخدمات على غرار الغاز الطبيعي واستفادات البناء الريفي، وغيرها.
ف/ خ