تعتبر الملاعب الجوارية أكبر متنفس للأطفال والشباب الرياضي بولاية قسنطينة، في غياب مرافق ترفيهية تنسيهم تعب الساعات الطويلة من الدراسة و إجهاد العمل، لكن هذه المرافق العمومية المهملة تحوّ لت في الأعوام الأخيرة، إلى مجال لممارسة «البزنسة» وطريقة سهلة لاستنزاف جيوب عشاق ممارسة الرياضة، و ذلك من طرف أشخاص أحكموا قبضتهم عليها لجني الأموال بفرض إتاوات لا تقل عن 2500 دينار للشهر، على حساب شباب يُفترض أن الملاعب الجوارية أنشئت لأجلهم.
روبورتـــــاج: حاتـــم/ب
وتحولت الملاعب الجوارية إلى الملاذ الأول بالنسبة للشباب، إلا أن بعض الأطراف استثمرت في الوضع وأصبحت تضع شروطا تعجيزية  لبعض الرياضيين من أجل ممارسة هوياتهم المفضلة، وبالتالي حرمان مئات السكان من الاستفادة منها و التخلص من الضغوطات اليومية، فصارت هذه الملاعب تسير بطريقة عشوائية تشبه كثيرا ما نراه في حظائر السيارات غير القانونية، من خلال إلزام الرياضيين بدفع إتاوات.
وقامت النصر بجولة جابت من خلالها عشرات الملاعب الجوارية الواقعة في مختلف أنحاء الولاية، و قد كانت البداية من المدينة الجديدة علي منجلي و تحديدا من ملعب يقع بوسط المدينة، أين وجدنا بعض الشباب يستغلونه في إجراء مباراة، كما تواجد عدد معتبر من المتابعين من وراء السياج، وعلمنا من بعض السكان أن هذا المرفق أنجز قبل نحو 5 سنوات، ورغم أن أرضيته لا تزال صالحة لممارسة كرة القدم، إلا أن السياج المحيط تضرر في بعض الأماكن، وهو ما يتسبب في إتلاف الكرات و يشكل خطرا على اللاعبين في حالة الاصطدام به.
1000 دينار للساعة!
وعلمنا من بعض اللاعبين المتواجدين داخل أرضية الميدان، أن أحد الشباب كان يسير الملعب ولكنه يتواجد حاليا في السجن، ليقوم أفراد عائلته بالتناوب في جمع المقابل المادي من الفرق التي تستغل المرفق، حيث تتراوح ما بين 700 إلى 1000 دينار مقابل كل ساعة، فيما يعتبر هذا المكان من الملاعب التي لا يتم استغلالها كثيرا بسبب نقص الإقبال عليه من طرف سكان الوحدات المحيطة به.
بعدها تنقلنا إلى ملعب يقع في وحدة جوارية قريبة من الأولى، أين وجدنا ملعبا يقع بمحاذاة مسجد، و قد كان خاليا من الرياضيين رغم أننا كنا بالمكان في الفترة المسائية، حيث أخبرنا أحد القاطنين بجواره أن هذا المرفق كان محل نزاع بين إحدى الجمعيات وبعض «المنحرفين» الذين ظفروا بتسييره في النهاية، ليدخلوا في صراع جديد مع «عصابة» أخرى أرادت مزاحمتهم في المكان، الذي لاحظنا أنه غير صالح تماما لممارسة كرة القدم، بعد أن أتلفت أرضيته المعشوشبة اصطناعيا وتمزقت ليظهر الإسمنت، كما لا يتوفر هذا المرفق على مرمى أو خطوط توضح وسط الميدان و التماس، و تعرض محيطه الخارجي للتخريب.
ملاعب تتحوّل إلى حظائر سيارات

وعلمنا من بعض القاطنين بمحاذاة الملعب، أنه تحول إلى مكان لممارسات غير أخلاقية في الليل، «حيث يتواجد به عدد من الشباب لتعاطي المخدرات»، كما أن «مستغله»، مثلما أضاف السكان، مسبوق قضائيا و يتواجد في السجن، ما جعل المرفق يبقى دون صيانة و يصبح غير مناسب للعب، ما يشكل خطرا على الأطفال في حال سقوطهم على الأرضية، رغم أنه أنجز  في السنوات القليلة الماضية.
و بأحد ملاعب حي الاستقلال، و الذي يتم تسييره من بعض السكان، وجدنا أطفالا صغارا يركضون داخله دون وجود أي فرق رياضية، حيث صار غير صالح تماما للعب بعد إتلاف أرضيته، كما أنه يتحول أحيانا لحظيرة لركن المركبات، وكذا إلى مكان لوضع الخرفان في العيد الأضحى، بعد أن كان هذا الملعب يجذب الكثير من الشبان القاطنين في مختلف الوحدات الجوارية بعلي منجلي.
انتقلنا بعدها إلى ملعب يقع وسط مجمعات سكنية من إنجاز مؤسسة «جيكو»، حيث وجدناه مستغلا من بعض الشباب، إضافة إلى تواجد عدد معتبر من المشجعين، و قد كانت حالته الخارجية توحي بأن مسيريه يسهرون على المحافظة عليه ويقومون دوريا بعمليات الصيانة، حيث يعتبر الملعب الوحيد في وسط المدينة الذي يتوفر على أضواء كاشفة، كما كان سياجه الحديدي الخارجي في حالة جيدة و كذلك الأمر بالنسبة للأرضية، إذ يسير من طرف شخصين رياضيين أحدهما لاعب سابق، و خضع مؤخرا لعمليات تجديد.
15 مليونا تدخل شهريا جيوب محتلي  الملاعب!
ويعتبر ملعب «جيكو» من أفضل الملاعب في علي منجلي، ولكن لا يمكن استغلاله بسهولة، حيث يكثر عليه الطلب، وأحيانا يجبر الشباب على الاستنجاد أو البحث عن وساطة من أجل استعماله، وأكد أحد اللاعبين أن الظفر بحصة في الساعات المسائية ضرب من الخيال، فيما يضطر مسيره إلى تمديد أوقات اللعب إلى العاشرة و النصف ليلا، مقابل 2500 دج شهريا.
و تبقى الملاعب الجوارية الواقعة في الوحدات الجديدة على غرار 13 و 15 و17 و 18 في حالة جيدة، خاصة و أن العشرات منها أنجز قبل سنوات قليلة، كما تتوفر جلها على أضواء كاشفة، ليبقى الإشكال الوحيد هو تسيير العديد منها من طرف منحرفين يفضلون بعض المشبوهين في منح الحصص، كما يتوقع العديد من قاطني هذه الأحياء أن تتحول تلك الملاعب إلى أوكار للممارسات غير الأخلاقية مع مرور الوقت، بسبب تسييرها من طرف أشخاص لا علاقة لهم بالرياضة، حسب تعبيرهم.
مسيّرون لا يدفعون أي مقابل للبلديات
النصر اقتربت من بعض المسيّرين الذين أكدوا لنا أنهم لا يكترون الملاعب من أية جهة كانت، ولا يدفعون أي مقابل مادي للبلدية، فيما أسرّ لنا أحدهم أنه يجني حوالي 15 مليون سنتيم شهريا، ويرتفع المبلغ أكثر في فصل الصيف، لزيادة عدد الحصص و وصولها إلى 9 يوميا، بالنسبة للملاعب التي بها أضواء كاشفة، وهو ما يجعل هذه المرافق محل صراع بين مجموعات  تستغل تلك المبالغ في أمور  يصفها سكان بالمشبوهة.

و ذكر السكان الذين تحدثنا إليهم، أن هذه الوضعية دفعت بالأطفال إلى الإسراع نحو الملاعب بعد نهاية فترة الدراسة الصباحية، من أجل ممارسة كرة القدم لأنه يستحيل أن يظفروا بحصص في الفترات المسائية، كما يعجز بعض الشباب البطال عن استغلالها، لأنهم لا يملكون المقابل المادي الذي لا يقل عن 2500 دج شهريا لكل مباراة، خاصة وأن جل الملاعب يتم كراء حصصها بتسبيق شهري، كما يعجز البعض الآخر عن إيجاد فترة للعب بسبب نفاد الحصص ومنحها لمقربين من المسيرين، بينما يلجأ جلهم إلى البحث عن وساطات، حسب من تحدثنا إليهم.
وتختلف  وضعية الملاعب الجوارية    بمختلف  أحياء  مدينة قسنطينة، حيث أتلفت مرافق   تسير من طرف  أشخاص بشكل فوضوي، على غرار ملعب حي ساقية سيدي يوسف «لابوم» الذي بدأ يفقد قيمته من يوم إلى آخر، وأصبح يحتاج إلى عمليات صيانة، رغم أنه يعتبر المفضل للعديد من اللاعبين السابقين في الأندية القسنطينية.
أما ملعب حي «البراشمة» و الذي يعتبر الأكثر شعبية في المدينة، فإن لونه بدأ يسودّ بسبب العديد الكبير من المباريات التي تجرى به، كونه من أقدم المرافق، حيث تسيره إحدى الجمعيات التي تعمل على صيانته بين الحين و الآخر، و لكن أحد أعضائها طالب بالمساعدة أكثر بسبب الصعوبة المادية التي يقول إنهم يمرون بها، ما منعهم من تحسين بعض الجوانب على غرار البساط الأخضر.
كما يُعد الملعبان الواقعان في حي بن بولعيد من أبرز الملاعب في مدينة قسنطينة، حيث يسيران من طرف أبناء المنطقة، وهو ما جعلهما محط أنظار خاصة و أن جل مستغليهما لاعبون ينشطون في الرابطتين الأولى والثانية، كما يعتبران مثالا يقتدى به رغم أن هذه المهمة لم تسند إلى جمعيات، أما الملاعب الواقعة في حي بوالصوف فتختلف وضعيتها من مكان إلى آخر، فيوجد  منها ما لا يزال صالحا، فيما أتلفت أخرى، كما يوجد ملعب بأرضية مهترئة ولا يصلح لممارسة كرة القدم، رغم أنه لم يُسلم بعد ولم يسبق لأي فريق أن استخدمه، حيث قال أحد القاطنين بالقرب منه إن انجراف الأرضية في تلك المنطقة أفشل المشروع.
750 مليون سنويا مداخيل اكتراء الملاعب في عين سمارة
وأكد أحد أعضاء المجلس الشعبي الولائي، خلال آخر دوراته المنعقدة قبل أسابيع، أن بلدية عين سمارة كانت تجني ما يقارب 750 مليون سنويا كعوائد كراء الملاعب الجوارية التابعة لها، ولكن منحها للجمعيات مجانا جعل البلدية تفقد موردا ماليا مهما، وفي المقابل لم تقم تلك الجمعيات بكراء الملاعب مقابل مبالغ رمزية، بل رفعت السعر أكثر في بعض الأحيان.

واتضح من خلال الجولة التي قمنا بها، أن جل الملاعب التي تسيرها الجمعيات لا تزال صالحة بفضل عمليات الصيانة، لكنها تفرض أسعارا  مرتفعة ، حيث تتراوح قيمة الاستغلال  الشهري لمدة ساعة في الأسبوع، بين 2500 إلى 3200 دج، فيما أتلفت كل المرافق الرياضية التي يسيرها منحرفون اتخذوا منها وسيلة لجني المال، كما تسببوا في  حرمان المئات من الأطفال والشباب من ممارسة هوايتهم المفضلة، في ظل عدم مرافقة جل البلديات لهذه المنشآت التي تسير بشكل عشوائي رغم أن كل ملعب يكلف حوالي 300 مليون سنتيم.  وأكد المندوب  بمدينة علي منجلي، فراح عزيز، أن مهمة تسيير الملاعب الجوارية بالمدينة الجديدة، ليست من اختصاص مصالحه، مضيفا أنه لا يعلم إن كانت تلك المرافق تابعة لمديرية الشباب والرياضة أو لبلدية الخروب، فيما اتصلت النصر برئيس اللجنة الثقافة والرياضة بالخروب وتعذر عليه الجواب.أما مندوب  القطاع الحضري سيدي راشد ببلدية قسنطينة ، مزيود صلاح، فأكد أنه منح مهمة تسيير ملعب قيطوني عبد المالك (سميحة)، لإحدى الجمعيات التي تتكفل بكل كبيرة وصغيرة تخصه، موضحا أن الجمعية وجب أن تحوز على اعتماد من مديرية الشباب و الرياضة، كما ذكر أن الملعب مجهز بالأضواء الكاشفة و أرضيته لا تزال صالحة لممارسة كرة القدم.
الوالي يرفض «البزنسة» ويطالب البلديات بالتحرك
وصرح والي قسنطينة، عبد السميع سعيدون،  خلال آخر دورة للمجلس الشعبي الولائي، أنه يرفض رفضا قاطعا أن تقوم بعض الجهات بـ»البزنسة» في مجال الملاعب الجوارية على حساب الأطفال والشباب، وقال المسؤول إنه لم يدع يوما البلديات إلى الاستغناء عن الملاعب، حيث طالب رؤساءها بمنح تسييرها إلى الجمعيات على غرار تلك الدينية والرياضية وذلك وفق ضوابط وبدفتر شروط معمول به من طرف مديرية الشباب و الرياضة، معبرا عن اعتراضه على كرائها للخواص الذين يقومون باستغلالها على حساب الشباب، حيث قال إن الأطفال لا يمكن أن يملكوا مبلغ 2000 أو 3000 دج.
 وأوضح الوالي، أن الغرض الأول من إنجاز الملاعب الجوارية هو استقطاب أكبر عدد من الشباب وإبعادهم عن بعض الممارسات المنحرفة، مؤكدا أن البلدية ليست بحاجة لمبلغ 700 مليون سنتيم أو مليار سنتيم ،إذا كان ذلك على حساب الشباب، كما دعا الجمعيات المسيرة إلى اعتماد مبالغ رمزية.
  ح.ب

الرجوع إلى الأعلى