تخوض الهيئات العمومية المحلية بقالمة سباقا ضد الزمن لتوديع حقبة طويلة من التسيير التقليدي و الانتقال إلى مرحلة جديدة من العصرنة، تكون فيها الرقمية المتطورة حقيقة مجسدة على أرض الواقع، بما يمكن من الوصول إلى إدارة فعالة شفافة لا مجال فيها لإهدار الوقت و الجهد و المال، و لا معاناة فيها للمواطنين الذين ذاقوا مرارة الإدارة النمطية المنغلقة على نفسها، المحاطة بجدران حصينة حالت بينها و بين آمال و أحلام الجزائريين المتطلعين إلى عالم التطور، و الإدارة الذكية المتفتحة على المحيط الاقتصادي و الاجتماعي.  و يعد قطاع المعاملات العقارية بولاية قالمة أحد أبرز القطاعات التي بدأت مسيرة الرقمنة بفعالية كبيرة، و سنحاول من خلال هذا الروبورتاج تسليط الضوء على مسيرة الرقمنة بهذا القطاع الاستراتيجي الذي يقود قاطرة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. و قد تابعنا عمل المهندسين و كل الموظفين الساهرين على برامج الرقمنة بمديرية مسح الأراضي ومديرية الحفظ العقاري، التي تصون ذاكرة الأمة المرتبطة بالأرض، رمز الهوية و السيادة و الرخاء، و رأينا الإصرار و العزيمة لإنجاز المهمة باقتدار و إنهاء حقبة طويلة من  التسيير التقليدي المنهك للجهد الوطني، و تحدثنا إلى رجال القانون الذين يتطلعون إلى فضاء رقمي ينهي معاناتهم مع القضايا العقارية الشائكة، و يضع حدا لكل محاولات النهب و الاعتداء التي يتعرض لها العقار بالجزائر.       
روبورتاج:  فريد غربية

* مديرية مسح الأراضي بقالمة نموذج للإدارة الجزائرية الذكية    
بنك رقمي ضخم و تحكم في بيانات المسح و أنظمة الأمان
في مكتب بالطابق الأرضي لمبنى مديرية مسح الأراضي بقالمة تجلس الموظفة براهمية نزهة أمام حاسوب مرتبط بشبكة انترنيت داخلية، تنتظر طلبات المواطنين و الخبراء و الهيئات الحكومية المحلية لاستخراج المخططات الرقمية لأي شبر من تراب الولاية، و بلمسة واحدة على قاعدة البيانات الخطية المخزنة، حيث الآلاف من مخططات الممتلكات العمومية و الخاصة، عبر البلديات ال34 المشكلة لإقليم ولاية قالمة، و في الجهة المقابلة تجلس موظفة أخرى تدير قاعدة البيانات الحرفية التي تضم كل المعلومات المتعلقة بالمعاملات العقارية لكل متر مربع من تراب الولاية.
من هذا المكتب بدأت مسيرة رقمنة قطاع مسح الأراضي بقالمة منذ عدة سنوات، لتضع حدا لأساليب التسيير التقليدية التي شكلت متاعب كبيرة للمواطنين و الدوائر العمومية المحلية ذات الصلة بالعقار، كالبناء و الاستثمار و الزراعة و القضاء، و غيرها من القطاعات الأخرى التي تلجأ إلى بنك المعلومات بمديرية المسح كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
النصر زارت مديرية مسح الأراضي بقالمة و قضت ساعات طويلة بين المصالح و الأقسام المختلفة للاطلاع على التجربة الرائدة في مجال الرقمنة بقطاع المالية بقالمة الذي يضم عدة هيئات كالضرائب و أملاك الدولة و مديرية الحفظ العقاري و مديرية مسح الأراضي، التي سبقت الجميع و قطعت أشواطا معتبرة للانتقال من نمط التسيير التقليدي إلى الرقمنة و التكنولوجيات المتطورة تماشيا مع التوجه الجديد للجزائر المقبلة على ثورة رقمية شاملة في كل القطاعات.
رقمنة شاملة و نموذج حي للإدارة الذكية  
بمديرية مسح الأراضي بقالمة لا يوجد موظف بلا حاسوب، من مكتب المدير إلى قاعة الفحص و الإطلاع على بيانات المسح، الكل يشتغل كخلية نحل محكمة الإتقان لا مجال فيها للفرضية و الاجتهاد خارج بنك المعلومات المخزنة بأمان في سجلات رقمية، تحمل في طياتها كما هائلا من المعلومات الخطية و الحرفية التي يحتاجها المواطنون و الهيئات الأخرى ذات الصلة بالمعاملات العقارية المختلفة.
يقول التقني العامل بمديرية مسح الأراضي بقالمة، قلي ياسين بأن النظام الرقمي يعتمد على 3 برامج رئيسية هي «الآرك ماب 1022» الخاص بالرسم البياني، و برنامج « جيك» الخاص بمعالجة المعلومات، و أخيرا برنامج « جي.سي» الخاص بمعالجة العمل المسحي.
و تبدأ عملية المسح المبرمجة بخروج فريق متخصص إلى المنطقة الجغرافية المستهدفة معتمدا على المخططات القديمة و يتم تقسيم مساحة البلدية على سبيل المثال، إلى أقسام و مجموعات ملكية لتسهيل المهمة، و عندما يكتمل العمل الميداني توضع المخططات الجديدة في البرنامج الرقمي «أرك ماب 1022»، و المعلومات في برنامج «جيك» الذي يقرأ الرسوم البيانية المختلفة و يوضحها للمستخدم و طالب المعلومات، كنوعية التربة و طبيعة القطعة الأرضية الممسوحة هل هي غابية أو زراعية أو أي نوع آخر. ويقدم هذا البرنامج خدمات دقيقة و سريعة للمزارعين و المستثمرين و الهيئات الحكومية المختلفة، و كأنه بطاقة تقنية مفصلة لكل متر مربع من الموقع الممسوح، حيث أصبح بالإمكان معرفة المساحات الزراعية المستعملة و تلك القابلة للاستصلاح، و المناطق الغابية و الاحراش، و الاحتياطات القابلة لتوطين مشاريع الاستثمار، وأصل الملكية، و غيرها من التفاصيل المسحية الأخرى.
و يعد برنامج «جي.سي» بمثابة محطة تحكم في عمل كل قسم من أقسام مديرية المسح، و منه يمكن لمكتب المدير مراقبة نشاط الموظفين بمختلف الأقسام، و توجيههم بما يفيد و يخدم  مردود القطاع و مدى استجابته لانشغالات المواطنين و الهيئات ذات الصلة بقطاع المسح.
و ينقسم هذا البرنامج الهام إلى 4 أقسام هي قسم الشباك، قسم فرق المسح و المعاينة الميدانية، قسم التحديثات و أخيرا قسم التأشير على الملفات النهائية.
ولكل قسم من الأقسام الأربعة لبرنامج «جي.سي» واجهة خاصة على الحاسوب و كلمة مرور تحمي المعطيات الخاصة بكل موظف. و يسمح النظام الرقمي لمكتب المدير بتتبع البريد الوارد و البريد الصادر و إنجازات مختلف المصالح و الأقسام، و العقبات التي تحول دون إنجاز الخدمات و المهام الموكلة للموظفين، و يرسل النظام تنبيهات حول الملفات العالقة و الآجال المنتهية. و يستخدم الموظفون نظام التصوير الرقمي لحفظ كل الوثائق الواردة و الصادرة، و إدخالها إلى النظام الرقمي الذي يعمل على متابعة مدى التكفل بانشغالات المواطنين، و الهيئات المختلفة بأسرع وقت ممكن. ومع النظام الرقمي لا يمكن ان تضيع أي وثيقة تصل إلى المديرية، من المواطنين و الهيئات الأخرى، و لا يمكن لأي موظف أن يتحجج بفقدان الوثيقة و التهاون في إنجاز المهمة الموكلة إليه. و مع التعميم الشامل للنظام الرقمي بمديرية مسح الأراضي بقالمة تكاد السجلات و الوثائق اليدوية التقليدية تفقد أهميتها تماما، لكنه يتم الاحتفاظ بها في قسم الأرشيف للعودة إليها عند الحاجة.
نظام رقمي آمن و لا مجال للتزوير و الاختراق  
 يتميز النظام الرقمي بمديرية مسح الأراضي بقالمة بدرجة أمان عالية، تحفظ المخططات و البيانات الحرفية و المعاملات، من أي اختراق و تزوير مهما تعرضت حواسيب الموظفين للتخريب و السرقة، و تخزن كل المعلومات في محطة رئيسية آمنة يرجع إليها عند الحاجة، بالإضافة إلى الأرشيف التقليدي الممسوح ضوئيا.
يقول المهندس كريم عبدة المشرف على مكاتب الطابق الأرضي حيث تسلم المعلومات و الوثائق، بأن كل المعطيات مخزنة بمحطة البيانات الرئيسية التي لا يمكن الدخول إليها إلا بترخيص و كلمة مرور، مضيفا بأن بنك المعلومات لمديرية مسح الأراضي بقالمة مخزن أيضا بالمديرية الجهوية و المديرية العامة بالعاصمة، بالإضافة إلى قاعدة بيانات مخزنة بأجهزة خارجية محمولة، و مهما تعرضت الحواسيب و محطة البيانات الرئيسية للاعتداء و الاختراق، فإنه لا يمكن التلاعب بالبيانات كالمخططات و الوثائق الحرفية. و أوضح كريم عبدة بأن البيانات و التحديثات و كل العمليات المنجزة تحفظ مرتين في اليوم، الأولى في الساعة الحادية عشرة و النصف صباحا، و الثانية بعد نهاية الدوام اليومي في الرابعة و النصف مساء، و يدون حفظ البيانات آليا بالمحطة الرئيسية للمديرية و محطتي المديرية الجهوية و المديرية العامة.
و يعرف قطاع العقار بقالمة اهتماما بالغا في السنوات الأخيرة، سواء من طرف الملاك الخواص أو الهيئات الأخرى، و زادت المخاوف من عمليات النهب و التزوير و التلاعب بهذا القطاع الاستراتيجي، الذي يعد المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و من ثم جاءت أهمية الرقمنة كوسيلة تكنولوجية متطورة لصد كل أشكال التزوير و التلاعب بمعلومات المسح كالمخططات و البيانات الحرفية.
مخططات رقمية تستخرج عن بعد و تسلم في دقيقة
بعد نهاية المسح الريفي بكل بلديات قالمة أصبحت كل المخططات رقمية بإحداثيات دقيقة لا مجال فيها للخطأ و التلاعب، و أصبح بإمكان المواطن و الهيئات الأخرى استخراج نسخ من هذه المخططات في غضون دقائق قليلة بعد تقديم الطلب و دفع حقوق الخدمة.
و عبر برنامج متطور يتم تحويل كل مخططات المسح عبر تراب الولاية إلى مخططات رقمية، و عند الحاجة يدخل الموظف إلى قاعدة البيانات و من خلال تطبيق إلكتروني  يستخرج نسخة من المخطط تحمل كل البيانات الضرورية كالاسم و اللقب و المساحة و السلم، و إحداثيات المعلم المتعامد و المتجانس، الذي يسمح لصاحب المخطط بإسقاط هذه الإحداثيات على الأرض عن طريق نظام تحديد المواقع «جي.بي.أس» الذي أصبح متاحا للجميع على الهواتف الذكية.  و خلافا للمخططات القديمة فإن خرائط المسح الرقمية الجديدة تعد الأكثر دقة و وضوحا، و تحمل كما هائلا من المعلومات المفيدة للمواطنين و الهيئات الحكومية، و الموثقين و الخبراء الذين ستكون لهم بوابة إلكترونية تسمح لهم بالتعامل مع مديرية مسح الأراضي عن بعد دون الحاجة إلى التنقل واستعمال الطرق التقليدية القديمة.  
وقد عشنا مثالا حيا لأهمية الرقمنة و الإدارة الذكية في بناء الجزائر الجديدة، عندما كنا ننجز عملنا بمديرية مسح الأراضي بقالمة، حيث تقدم موظفون من محافظة الغابات بقالمة إلى مكتب التقني فرحات بن شيكر لطلب معلومات حول طبيعة قطعة أرضية ببلدية جبالة خميسي، عقب اعتداء على العقار هناك.
و بسرعة كبيرة كشف النظام الرقمي بأن الموقع المعتدى عليه ملك لقطاع الغابات، و أن الاستيلاء عليه و البناء فيه ممنوع دون رخصة قانونية.
و قال عضو من فريق محافظة الغابات للنصر بأنهم بصدد تقييم الوضع، و إحالة الملف على القضاء في حال إصرار المعتدين على نهب القطعة الأرضية.

* جمال عرفة مدير مسح الأراضي بقالمة
نعمل على مزيد من التطوير لدعم الإدارة الرقمية الوطنية
يقول مدير مسح الأراضي بقالمة جمال عرفة متحدثا للنصر بأن الرقمنة الشاملة التي حققتها ولاية قالمة في مجال العقار و المسح العام تعد ثمرة جهود مضنية استمرت عدة سنوات و كللت بالنجاح في نهاية المطاف، مضيفا بأن التكوين الفعال و كفاءة الموظفين و إصرارهم على النجاح، هو العامل الرئيسي المساعد على التطور الكبير الذي حققته مديرية مسح الأراضي بقالمة.
و أضاف جمال عرفة بأن الرقمية توفر الجهد والمال و تختصر الوقت الثمين، و تضع حدا للتسيير التقليدي المتعب، و كل محاولات التلاعب و الفساد التي تستهدف العقار باعتباره مصدر النمو الاقتصادي.
و يتوقع مدير مسح الأراضي بقالمة المزيد من التطور الرقمي بقطاعه، و بقطاعات أخرى ذات صلة وثيقة بالعقار كأملاك الدولة و الحفظ العقاري و مكاتب التوثيق و خبراء العقار، مضيفا بأن المديرية العامة لمسح الأراضي بصدد وضع برنامج مسح جديد متعدد المهام تظهر فيه معطيات مهمة كشبكات المياه و أنظمة الصرف و خطوط الإمداد بالطاقة، و المواقع المنجمية و غيرها من المعلومات الأخرى التي تفيد الهيئات الحكومية المختلفة.
و قد عشنا يوما مميزا بمديرية الحفظ العقاري بقالمة و نحن ننتقل من مكتب إلى آخر و من مصلحة إلى أخرى نتابع عمل الموظفين  و هم يطوعون الرقمية المتطورة بمهارة و يتوجهون نحو مستقبل جديد لإخراج الإدارة من النمطية القديمة التي تجاوزها الزمن و لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية و الاجتماعية المتسارعة.                                  فريد.غ

* المحافظة العقارية بقالمة
إرث تاريخي عريق تحت أضواء المسح و الرقمية
في الطابق الأول من مبنى المصالح الخارجية لوزارة لمالية بقالمة يغوص فريق من المهندسين و التقنيين الشباب في عمق أرشيف عريق، يحفظ ذاكرة الأجداد القدامى منذ 140 عاما مضت بين ثنايا سجلات ضخمة خطتها ريشة كتاب التوثيق بإتقان، حتى تبقى شاهدة على حقبة زمنية من تاريخ الجزائر، عندما كانت الأرض و ستبقى رمزا للشرف و الانتماء و الرخاء، فيها المأوى و منها يرزقون.
 شباب كلهم عزم و إرادة لإخراج المحافظة العقارية أو «دار التراب» كما يسميها الأجداد القدامى، من البدائية التي تجاوزها الزمن إلى عصر الحداثة و الرقمية المذهلة، التي قلبت حياة الأمم رأسا على عقب و نقلت البشرية إلى عصر جديد، يختزل علاقات البشر الاجتماعية و الاقتصادية في أنظمة إلكترونية ذكية تتقلص فيها المسافات و يختزل فيها الزمن بشكل مثير.
النصر دخلت قاعة عصرنة نشاطات المحافظة العقارية، التي تسمى اختصارا «الماسياف» لدى الموظفين، و عاشت يوما بين سجلات الأرشيف العقاري، و أجهزة المسح الضوئي العملاقة التي تعمل بلا توقف طيلة ساعات الدوام، في سباق مع الزمن لتحويل الأرشيف اليدوي العريق، إلى سجلات رقمية آمنة تحميه من كل أشكال الضياع و التعدي، في ظل التعاملات المكثفة التي يعرفها قطاع العقار بالجزائر في السنوات الأخيرة.  وقد تابعنا مشاهد حية من مسيرة رقمنة أرشيف المحافظة العقارية بقالمة، مسيرة بدأت باحتشام لكنها اليوم تتوجه بخطى ثابتة نحو مراحلها النهائية، بقيادة مهندسين شباب قرروا رفع التحدي، و وضع حد لمعاناة طويلة، و مخاطر حقيقية ظلت محدقة بالأرشيف الضخم المعرض للاعتداء و التلف تحت تأثير الاستعمال المكثف و عوامل الزمن، و المؤثرات البيئية بمواقع الحفظ.
«الماسياف» خلية نحل تحت الأضواء
أمام ماسح ضوئي عملاق يجلس عامر أمين لتصفح سجلات العقود الضخمة التي تعود إلى مرحلة الاحتلال الفرنسي، أو ما يعرف بسجلات ما قبل 1961، يراقبها بدقة و يقرأ أهم المعطيات فيها قبل تقديمها للماسح الضوئي و نقلها إلى عالم الرقمية المذهل لتظل هناك آمنة من غير سوء، تتداول بلمسة رقمية خاطفة من مسافات بعيدة.
و يعمل الماسح الضوئي بنظام متطور و موحد على المستوى الوطني حتى تكون كل الوثائق مطابقة للمقاييس المعتمدة بقاعدة البيانات الوطنية التي ستدخل حيز الاستغلال عندما تكمل كل المحافظات العقارية عبر الوطن مهمتها، و تمسح كل السجلات و تخزنها بقاعدة البيانات المحلية.
و قد عملت المديرية العامة للحفظ العقاري بالجزائر على دعم هياكلها على مستوى الولايات بالكوادر البشرية المتمكنة و تجهيزات المسح المتطورة، حتى تتمكن من إنجاز مهمة الرقمنة بكفاءة و سرعة.
و تتوفر المحافظة العقارية بقالمة على 3 أجهزة مسح صغيرة الحجم تستعمل لتصوير عقود مرحلة ما بعد 1961، و جهازين كبيرين لتصوير أرشيف المرحلة الاستعمارية.
يقول عبد الحميد موهوب رئيس مصلحة التنظيم و التحليل و الرقابة، و المشرف على الخلية الولائية لرقمنة أرشيف الحفظ لعقاري بقالمة، بأن برنامج الرقمنة يحرز تقدما مشجعا و قد بلغ مرحلته النهائية عندما بدأت عملية المسح الضوئي الرقمي للأرشيف شهر فيفري 2020، و لولا الأزمة الصحية الطارئة التي عاشتها البلاد منذ مارس الماضي لتمكنت المحافظة العقارية بقالمة من قطع أشواط معتبرة من برنامج المسح.
و أوضح المتحدث بأن برنامج  رقمنة أرشيف الحفظ العقاري يمر بثلاث مراحل، الأولى حجز الملاك، و الثانية حجز المعاملات العقارية التي قام بها هؤلاء الملاك على مر الزمن، و المرحلة الثالثة و الأخيرة الجارية حاليا، هي رقمنة الوثائق العقارية من سجلات و بطاقات و أحجام العقود.
و عندما تنتهي هذه المرحلة يقوم المهندسون بإنشاء قاعدة بيانات جديدة و نهائية، تدمج في قاعدة البيانات الوطنية، و بذلك تكون عملية رقمنة قطاع الحفظ العقاري بالجزائر قد اكتملت، و أسست لمرحلة جديدة من الجزائر الحديثة التي تتطلع بشغف إلى عالم الرقمية الذي يوفر الوقت و الجهد و المال، و يضع حدا للإدارة النمطية التقليدية التي تجاوزها الزمن، و أصبحت عرضة للانتقاد و عائقا كبيرا أمام جهود التطور و تحسين الخدمات و رفاهية المواطنين.
و قد أكملت المحافظة العقارية بقالمة المرحلتين الأولى و الثانية، و دخلت المرحلة النهائية الحاسمة منذ أشهر قليلة، و يحرز الموظفون تقدما مشجعا حيث تجاوز مردود جهاز المسح الواحد 10 سجلات في اليوم.
و تساءل عبد الحميد موهوب، كيف سيكون حال أرشيف اقترب عمره من 150 عاما و مازال يتداول و تقلبه الأيادي باستمرار؟ مضيفا بأن النسخة الرقمية ستبقى على حالها آلاف السنين دون أن تتعرض للتلف، و هي نسخة آمنة و محمية بأنظمة متطورة لا يمكن اختراقها.
معاناة مستمرة
 بمحافظة أم تختزن أرشيف 5 ولايات
كل صباح يتجمع المئات من المواطنين أمام شبابيك الطابق الأرضي لمبنى المصالح الخارجية لوزارة المالية بقالمة، لطلب نسخ من عقود الملكية، يقفون ساعات طويلة في طابور لا ينتهي، بعضهم جاء من خنشلة و أم البواقي و سوق أهراس، و البعض من تبسة البعيدة، و المحظوظون هم القادمون من مختلف بلديات ولاية قالمة.
يودعون طلباتهم لدى المحافظة العقارية بقالمة التي تظم أرشيف 5 ولايات و تسمى المحافظة الأم، ثم يعودون أدراجهم، و ينتظرون عدة أيام و ربما شهورا للحصول على الوثيقة التي طلبوها، في مشهد مقرف يختزل عجز الإدارة التقليدية عن مواكبة التحولات الاقتصادية و الاجتماعية التي تعرفها البلاد.
يقول الموظفون العاملون بقاعة عصرنة نشاطات المحافظة العقارية بقالمة «الماسياف»، متحدثين عن طوابير الانتظار، و المستقبل الواعد لقطاع الحفظ العقاري، بأنهم يشعرون بالأسى عندما يرون هؤلاء المواطنين القادمين من مسافات بعيدة لاستخراج وثائق الملكية و هم يقفون في طوابير أمام الشبابيك لتقديم الطلبات و دفع حقوق الخدمة، ثم يعودون إلى منازلهم و ينتظرون موعد إنجاز الوثائق المطلوبة التي مازالت تستخرج بالطريقة اليدوية التقليدية المكلفة للوقت و الجهد.
« نحن هنا نعمل دون توقف من أجل هؤلاء المواطنين، عندما تكتمل رقمنة أرشيف المحافظة العقارية بقالمة و تبدأ قاعدة البيانات المحلية في العمل لن تكون هناك طوابير انتظار و معاناة، دقائق قليلة تكفي لاستخراج الوثيقة المطلوبة و تسليمها، كل هذا سيكون حقيقة مجسدة على أرض الواقع قريبا، و ستتطور الخدمات أكثر عندما تبدأ قاعدة البيانات الوطنية في العمل، عندها ستكون كل الوثائق متاحة عن بعد بالإمضاء الإلكتروني، و كذلك الطلبات و تسديد الحقوق، ستنتهي الطوابير و معاناة المواطنين و الموظفين، سيكون كل هذا حقيقة مجسدة في المستقبل القريب».

* مدير الحفظ العقاري بقالمة
المحافظة الأم تتعرَّض لضغط كبير و النظام الرقمي أصبح ضرورة ملحة  
يتطلع مدير الحفظ العقاري بقالمة ضيف الجيلالي بشغف كبير إلى المستقبل الجديد، عندما يكتمل برنامج الرقمنة على المستويين المحلي  المركزي، و يصبح العمل التقليدي مجرد ذكرى من الماضي المليء بالمتاعب و المستنزف للجهد و الوقت و المال.
و قال ضيف الجيلالي للنصر بأن قطاعه يضم 3 محافظات عقارية، هي محافظة وادي الزناتي، محافظة بوشقوف و المحافظة الأم بقالمة التي تشرف على 11 بلدية، و 5 ولايات في ما يخص أرشيف ما قبل 1961، و لذا فإن الضغط عليها كبير للغاية، و كل الأمل معلق على النظام الرقي الجديد الذي أصبح ضرورة ملحة لمواكبة الجهد الوطني الرامي إلى عصرنة الإدارة الجزائرية، و التوجه نحو مستقبل جديد.  
فريد.غ

* الخبير القانوني و المحامي زهير بومدين
الرقمنة ستضع حدا للنزاعات و النهب و التزوير  
يقول الخبير القانوني و المحامي بمجلس قضاء قالمة زهير بومدين بأن العقار يعد من أكبر المشاكل تعقيدا بالجزائر، و أن الرقمنة هي الحل الوحيد للحد من الفوضى و التلاعب بالعقار و القضاء النهائي على كل أشكال النهب و التزوير و النزاعات العقارية الشائكة التي أخذت أبعادا خطيرة في السنوات الأخيرة، و وصلت إلى حد تعطيل الكثير من المشاريع الاقتصادية و الاجتماعية، و تسببت في نشوب نزاعات دامية أودت بحياة الكثير من الضحايا المتصارعين على الأراضي من أملاك خاصة، أراضي عرش و ممتلكات عامة.
و أضاف زهير بومدين للنصر بأن القضاء أصبح يتحمل عبء التراكمات العقارية بكل أبعادها، و عجز حتى عن التوصل إلى حل قانوني لبعض القضايا العقارية الشائكة التي عطلت جهود التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، مؤكدا بأن تأخر رقمنة قطاع العقار بالجزائر قد ضيع فرصا حقيقية للاستثمار المنتج للثروة و مناصب العمل، و شكل متاعب كبيرة للمواطنين و هيئات الدولة ذات الصلة بهذا القطاع الاستراتيجي الهام.
و ذهب المتحدث إلى القول بأن الرقمنة تحمي الحقوق و تفرض التعاملات الشفافة و تحول دون امتداد الأيادي العابثة إلى الحقائق و المعطيات المتعلقة بالعقار، لتحدث فيها التزوير و التغيير، لنهبها و الاستيلاء عليها بغير وجه حق.  
و يعتقد رجل القانون زهير بومدين بأن السجلات العقارية المخطوطة أصبحت عرضة لخطر التزوير و الطمس، كما حدث بإحدى المحافظات العقارية عندما امتدت أيادي الفساد إلى سجلات عقارية مخطوطة، و نالت منها بطريقة دنيئة ستكون لها آثار مستقبلية متعبة لضحايا هذه العملية الإجرامية، التي ما كان لها ان تحدث لو كانت تلك السجلات مخزنة في نظام رقمي آمن، مضيفا بأن أراضي العرش غير المقيدة في سجل رقمي تعد الأكثر عرضة للمخاطر و كل أشكال النهب و التلاعب عندما يتوفى الحائز الأصلي.
و دعا المحامي الذي خاض معارك قانونية شائكة بقسم العقار بمجلس قضاء قالمة، كل الهيئات ذات الصلة بالعقار كمديريات مسح الأراضي و المحافظات العقارية إلى الإسراع في رقمنة كل المعاملات العقارية، و في مقدمتها العقود و المخططات لحمايتها من كل أشكال التعدي و النهب الذي تتعرض له في السنوات الأخيرة، بسبب ضعف الحماية القانونية و تأخر النصوص التطبيقية للعديد من القوانين الجديدة.
و قال زهير بومدين بأن تأخر مشروع رقمنة قطاع العقار بالجزائر قد انجرت عنه مشاكل كبيرة بينها أحكام قضائية عالقة لم تنفذ منذ مدة طويلة، بسبب التسيير التقليدي لسجلات العقود و مخططات المسح، مؤكدا بأنه لو كان العقار خاضعا للنظام الرقمي لما تأخر تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، و لما انتظر أصحاب الحق كل هذا الوقت للحصول على حقوقهم.
و حسب المتحدث فإنه يوجد مواطنون يملكون مساحات هامة من الأراضي الزراعية لكنهم عاجزون عن استغلالها بسبب النزاعات التي لم تجد طريقها إلى الحل النهائي، جراء الفوضى و الغموض الذي يكتنف المعاملات العقارية منذ سنوات طويلة.
و يتوقع الخبير والمحامي زهير بومدين بأن قطاع العقار سيدخل مرحلة جديدة من العصرنة و التطور بعد انتهاء برنامج الرقمنة الجاري على مستوى المحافظات العقارية و مديريات مسح الأراضي على المستوى الوطني، متمنيا أن تبلغ الرقمنة بقطاع العقار ما بلغته بقطاع العدالة الذي انتقل من مرحلة بدائية متعبة إلى فضاء رقمي مذهل، لم يكن أحد يتوقعه قبل أن يصير حقيقة يعيشها رجل القانون و المواطن على أرض الواقع، معتقدا بأن تأخر الرقمنة بالجزائر ربما كان بسوء نية حتى لا تعم الشفافية و يبقى الغموض المقيت و البدائية يحكمان قبضتهما على كل القطاعات الحيوية في البلاد.
فريد.غ

الرجوع إلى الأعلى