سكان يجهلون إصابتهم بأمراض مزمنة وآخرون يمتنعون عن التطعيم
يعاني سكان مناطق ظل ببلدية الخروب بقسنطينة من انعدام الرعاية الصحية ما تسبب في  إصابة الكثير منهم لاسيما الأطفال والنساء بأمراض مزمنة وحتى نادرة دون أن يكونوا على علم بها، مثلما وقفت عليه قافلة طبية أطلقتها مديرية الصحة أول أمس، في حين سجلت في بعض النقاط عزوفا مطلقا عن التطعيم ضد فيروس كورونا، كما امتنع البعض عن إجراء فحوصات طبية روتينية كونهم لم يعتادوا على مثل هذه المبادرات.

روبورتاج: لقمان قوادري

رافقت النصر مديرية الصحة  في اليوم الأول من فعاليات الأيام المفتوحة للترقية الصحة لمناطق الظل، حيث تم التوجه إلى منطقتي ظل بمنطقة قطار العيش، فضلا عن قرية صالح دراجي، كما تمت الاستعانة بأطباء وممرضي ونفسانيي المؤسسة العمومية للصحة الجوارية بالخروب.
وسخرت مديرية الصحة، إمكانيات بشرية ومادية معتبرة، حيث عرفت الخرجة الميدانية مشاركة أطباء متخصصين في الجراحة و الطب الداخلي والأمراض العقلية والمسالك البولية والنساء والتوليد وكذا الأطفال، فضلا عن أطباء عامين و جراحي أسنان وقابلات وممرضات وعياديين نفسانيين، كما تم جلب كميات من لقاحات الأطفال و المضادة لفيروس كورونا.
واتجهت القافلة الطبية صوب منطقة الظل براهمية بمنطقة قطار العيش، حيث وصلنا في حدود الساعة العاشرة ونصف صباحا، أين لاحظنا انعداما تاما لمختلف المرافق الخدماتية أو الصحية.
 وانقسمت القافلة الطبية إلى مجموعتين كل واحدة اتجهت إلى مكان، حيث رافقنا إحدى الفرق المتكونة من طبيبات وممرضات من مختلف التخصصات، لكن المفاجأة أن جل البيوت التي قصدناها رفض أصحابها الاستجابة للفحوصات، ومنهم حتى من لم يفتح الباب نهائيا.
و وجدت الفرقة الطبية صعوبة في إقناع العائلات بإجراء الفحوصات الطبية، قبل أن تقتنع امرأة بإجرائها رفقة أفراد عائلتها بعد أن تحدثت إليها طبيبات من خلال النافذة، حيث استفادوا من فحوصات معمقة لكن أفراد العائلة رفضوا جملة وتفصيلا التطعيم ضد فيروس كورونا، حيث قالت سيدة إن وباء كورونا بعيد عنهم، إذ لا يأتي إليهم أي أحد كما أنهم لا يغادرون القرية الصغيرة إلا نادرا.
لم نعتد على قدوم قوافل طبية بمثل هذا الشكل
ولم نجد خارج المنازل سوى شاب قوي البنية، قال بأنه في صحة جيدة ولا داعي لفحصه، كما أكد رفضه للتطعيم ضد كورونا، و شرح لنا أسباب عدم استجابة جل سكان القرية للفحوصات، إذ صرح « بكل بساطة لم نعتد على مثل هذه المبادرات والقوافل بمثل هذا الحجم وهو ما فاجأنا جميعا فقد كنا لا نعلم أن كل هذا العدد من الأطباء سيزورنا اليوم».
و كانت سيدة في أواخر الستينيات جالسة أمام منزلها، حيث اقتربت منها طبيبة وممرضة وطلبتا فحصها فاستجابت مباشرة، قبل أن تتحدث عن معاناتها من ألم في مفاصلها كما اشتكت من كثرة التوجه إلى دورة المياه والتعب، لكنها قالت بأنها تشعر بأنها في صحة جيدة، و لم تذهب إلى الطبيب منذ فترة طويلة جدا لا تتذكرها، وفق تعبيرها.
و اكتشف الأطباء بعد فحص السيدة، بأنها مصابة بالسكري لكنهم فضلوا ألا يخبروها، حيث طلبوا منها المشي وتناول غذاء صحي كما منحوها وصفة لإجراء التحاليل ودعوها إلى زيارة المؤسسة الصحية، و أكدوا لها بأنهم سيعودون إليها مرة أخرى قبل أن يدعوها إلى الاستفادة من التطعيم ضد كورونا، لكنها رفضت رفضا قاطعا رغم المحاولات الحثيثة من طرف الأطباء والمشرفين على القافلة الصحية.
إقناع قاطني القرى بالعلاج أمر صعب
وأكدت أخصائية نفسانية، أن إقناع سكان القرى والمناطق النائية بعلاج أو فكرة معينة يكون صعبا في غالب الأحيان، كما ذكرت طبيبة لنا بأنهم يجدون صعوبة في إجراء الفحوصات في مثل هذه الخرجات إذ غالبا ما ترفض النسوة إدخال غريبات إلى بيوتهن عندما يكون الرجال غائبين عن المنازل، كما أكدت أن الاستجابة تكون أكبر كلما كانت المنطقة قريبة من الوسط الحضري.
وفحصت الطبيبات سيدتين في بيتين مختلفين، حيث وجدن امرأة تعالج بالأدوية من مرض الضغط الدموي لكن الأخرى مصابة بهذا المرض دون أن تكون على علم بذلك، قبل أن تؤكد لنا طبيبة أن غالبية سكان هذه المناطق يصابون بأمراض مزمنة لسنوات، و منهم حتى من يموت بسببها دون أن يكون هو أو أهله على علم بذلك.

سكان لا يزورون الأطباء إلا نادرا
والتقينا بأحد الشباب القاطنين بدوار براهمية وهو شاب يمتهن الفلاحة والرعي، حيث قال إنه زار الطبيب لمرة واحدة وهو حال جل سكان القرية، حيث أكد أن غالبيتهم محدودو الدخل ولا يتجهون إلا في الحالات الصعبة إلى المؤسسات العمومية الصحية للعلاج، مؤكدا أن الرقابة أو التغطية الصحية منعدمة تماما، قبل أن يستحسن هذه المبادرة  التي وصفها بالإنسانية.
وبعد أن انقسم الوفد الطبي إلى مجموعات صغيرة تمكنت بعض الطبيبات من ولوج بعض المنازل الأخرى، حيث قدمن نصائح طبية للنساء بعد فحصهن لكن كل محاولات الإقناع بالتطعيم ضد كورونا باءت بالفشل، لنغادر القرية في الواحدة زوالا دون تسجيل حالة تطعيم واحدة.
واتجهنا برفقة القافلة الطبية نحو قرية عين صلصال، المصنفة ضمن مناطق الظل بصالح دراجي، أين لمسنا تجاوبا جيدا من طرف قاطنيها مقارنة بقرية براهمية، حيث سرعان ما دخلت الفرق الطبية إلى المنازل لفحص سكانها سواء من الأطفال أو النسوة، و تم الوقوف على حالتين تتطلبان إجراء عملية جراحية كما تم فحص 6 أطفال واشتبه في إصابة أحدهم بالأنيميا والتي تكون ناتجة عن سوء التغذية، حيث قال الطبيب إن التحاليل ستثبت الفرضية.
و شكل أحد الشيوخ الاستثناء ضمن منطقتي الظل التي زرناها، حيث قال إنه تلقى الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لكورونا، لكنه أصيب بالعدوى الشهر الفارط وشفي منها قبل أسابيع، قبل أن يشرح له الأطباء أن تلقي الجرعة الثانية في هذه الأيام غير مناسب وطلبوا منه أن ينتظر لثلاثة أشهر.
«القوافل الطبية الدورية هي السبيل الوحيد للتكفل بمناطق الظل»
وقال الطبيب علال محمد، وهو المدير الفرعي للمصالح الصحية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية بالخروب، إنه ومن خلال الخرجات الميدانية للقرى والمناطق النائية ببلدية الخروب، فقد تم الوقوف على حالات كثيرة لأشخاص مصابين بأمراض مزمنة وحتى أمراض نادرة دون أن يكونوا على علم بها، حيث أن مثل هذه المعاينات هي السبيل الوحيد لاكتشافها في ظل عدم توفر هذه المناطق على مرافق صحية قريبة.
وذكر المتحدث، أنه وعلى سبيل المثال فقد تم الوقوف على حالة لشخص مصاب بمرض فافيزم النادر، كما أن غالبية الحالات المشخصة تتعلق بمرضى مصابين بالسكري وضغط دموي أو فقر الدم في حين أن العديد من الأطفال يعانون من أمراض سوء التغذية وتم الوقوف أيضا على حالات مرض نفسية أو اضطرابات عقلية بسبب الفقر أو العزلة، وهي التي تصنف ضمن خانة الأمراض السوسيو نفسية.
وذكر طبيب ومنسق الصحة المدرسية بدائرة الخروب الدكتور بن ياعة كريم شوقي، أن غالبية الحالات المرضية النفسية للتلاميذ تكون بسبب التأخر المدرسي، إذ أن بعض أطفال قرى الخروب يلتحقون بالدراسة في سن متأخرة، كما وقفوا على إصابة تلاميذ بالتقمل نتيجة نقص النظافة أو مرض الباريتوز «الطفيليات في البطن» نتيجة الشرب من مياه غير ملائمة.
مدير الصحة: الحملة ستستمر لتشمل 189 منطقة ظل
وصرح مدير الصحة عبد الحميد بوشلوش للنصر، أن الهدف من هذه القوافل الميدانية، هو الترقية الصحة لمناطق الظل، وذلك من خلال الكشف عن مختلف الأمراض وتقديم النصائح والتوجيهات الطبية للسكان، مبرزا أن الحملة ستستمر إلى غاية نهاية العام الجاري وستشمل 189 منطقة ظل، مشيرا إلى أن مختلف المؤسسات الصحية الجوارية ستبقى على اتصال دائم مع الحالات المرضية.
وأشار المتحدث،بخصوص التلقيح ضد وباء كورونا، إلى أن الإقبال ضعيف جدا من طرف سكان القرى ومناطق الظل، حيث قال إن الدولة وفرت إمكانيات بشرية ومادية غير مسبوقة وسخرت حافلات وطواقم طبية منذ انطلاق الحملة الوطنية لكن دون جدوى، مشيرا إلى وجود تخوفات لدى سكان هذه المناطق من اللقاح أكثر من الإصابة بفيروس كورونا في حد ذاته، لكنه أكد أن الحملات التحسيسية ستبقى مستمرة إلى غاية تحقيق الأهداف المنشودة وهي تطعيم فئة كبيرة من سكان القرى والتجمعات البعيدة عن الوسط الحضري.
ل.ق

الرجوع إلى الأعلى