تعوّل الجزائر كثيرا على المؤسسات الناشئة لتعزيز الإنتاج المحلي وتنويعه وتحقيق إقلاع اقتصادي خارج الريع، حيث ترتكز السياسة الجديدة على اقتصاد المعرفة والرؤية الإبداعية الشبانية. وتشير التقديرات إلى أكثر من 5.000 مؤسسة ناشئة استحدثت في ظرف قياسي، عرف استصدار حزمة من المراسيم والقرارات المرافقة لتوجه الدولة، بداية بالندوة الوطنية للمؤسسات الناشئة  «ألجيريا ديسرابت 2020»، ثم إطلاق الصندوق الوطني لتمويل المؤسسات الناشئة وتهيئة بيئة مقاولاتية رقمية يدعمها القطاع الخاص والمجمعات الاقتصادية العمومية الكبرى والمخابر والحاضنات والمسرعات، وتقودها الجامعة بوصفها حاضنة للأفكار والمشاريع الابتكارية في إطار القرار 75/12 المتعلق بمذكرات تخرج لإنشاء مؤسسة ناشئة أو براءة اختراع. كما تتجلى قوة الإرادة السياسية والاقتصادية، في المرسوم رقم 23-93 الموقع في 5 مارس  2023 والمتضمن حق الموظف في الحصول على عطلة لإنشاء مؤسسة.

روبورتاج: نور الهدى طابي

التزام تترجمه المراسيم والقرارات
أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، أن الندوة الوطنية حول الإقلاع الاقتصادي وكذا الندوة الوطنية للمؤسسات الناشئة «تمهيد لإجراءات ترمي لتحقيق الهدف الأسمى المرجو في الاستثمار في طاقة أبنائنا ومشاريع شبابنا وتعبئتها في سبيل خدمة الاقتصاد الوطني»، وتُرجم هذا الالتزام بترقية الوزارة المنتدبة لاقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة إلى وزارة كاملة الصلاحيات، مع تعيين وزير شاب على رأسها، فضلا عن إصدار جملة من القرارات والمراسيم بهدف توفير نظام بيئي متكامل يضمن سهولة إنشاء المشاريع الشبانية المبتكرة وتوطينها وتمويلها وهو ما يعكسه المشروع الطموح والواعد «سيليكون فالي الجزائر» أو هضبة قسنطينة، التي ستوفر مقرات عالية التجهيز لتوطين المؤسسات الناشئة، في خطوة ريادية وغير مسبوقة تأتي لتعزز الجهود المبذولة لتجاوز المشاكل البيروقراطية عبر تعويض الإدارة بمنصات التسجيل الإلكتروني وعلى رأسها « إبتكار» و «ستارت أب دي زاد».
ويأتي تطوير ورقمنة قطاعات مهمة مثل الطاقة والتعليم والصحة والأمن الغذائي، من بين أهم التحديات التي تركز عليها الدولة في اعتمادها على الشركات الناشئة لتقديم حلول مبتكرة تعتمد على اقتصاد المعرفة، وقد وفرت لذلك هياكل قاعدية أبرزها الصندوق الوطني لتمويل المؤسسات الناشئة، وهي هيئة ذات طابع ربحي واقتصادي ترمي إلى تمكين الشباب أصحاب المشاريع من تفادي البنوك والإجراءات طويلة الأمد، حيث يعتمد التسجيل على أرضية إلكترونية بدأ العمل بها منذ 15 أكتوبر 2020.
تمويل من 5 ملايين دج إلى 150 مليون دج
وكشف وزير اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، ياسين المهدي وليد، خلال لقاء الحكومة بالولاة مطلع السنة، أن الصندوق تمكّن من جمع ما قيمته 58 مليار دينار، من الصناديق الاستثمارية على مستوى ولايات البلاد، وسيزيد هذا الحاصل بحسبه، من استثمارات الصندوق في الشركات الناشئة بشكل معتبر.
كما أشارت التصريحات الرسمية إلى أن عدد مشاريع المؤسسات الناشئة التي مولها الصندوق منذ سنة 2020، فاق 100 مشروع متحصل على علامة أو وسم «شركة ناشئة» وهي شركات تنشط في 18 مجالا عبر 22 ولاية، حيث يوفر  الصندوق إمكانيات تمويلية متنوعة حسب نوعية المؤسسة الناشئة المعنية، تنطلق من 5 ملايين دج كحد أقصى للمؤسسات الناشئة في بدايتها، وتصل إلى تمويل بـ 20 مليون دج للمؤسسات الموجودة حاليا في السوق و 150 مليون دج كحد أقصى للشركات الناضجة. يكون التمويل في إطار مقاربة اقتصادية ولا يطالب المؤسسات الناشئة بالفوائد وإنما يتعامل معها كشريك في رأس المال  المخاطر ويتحمل مع الشريك الربح والخسارة.
«ألجيريا فانتر» بنية تحتية لبيئة مقاولاتية صحية

ومن بين أولويات صناع القرار في الجزائر، تحضير بيئة مقاولاتية صحية للمؤسسات الناشئة والصغيرة، ويعد المسرع  العمومي «أليجريا فانتر»، من الأجهزة المهمة لمرافقة أصحاب المشاريع وحاملي الأفكار وضمان التكوين اللازم للحصول على نماذج اقتصادية قابلة للتنفيذ ومباشرة النشاط.
 ويرتكز عمل «أليجريا فانتر» على التوعية والتكوين في مجالات المقاولاتية المختلفة بما في ذلك الاقتصاد البيئي والنجاعة الطاقوية وإعادة التدوير وتسيير النفايات والطاقات المتجددة والزراعة المستدامة، حيث يقدم فرصا لتطوير وتحسين مهارات المقاولين الشباب  والربط الشبكي مع الجهات المؤسساتية.
«يسير» أعلى «ستارت أب» قيمة في المنطقة
وقد عرفت الجزائر في غضون الثلاث سنوات الأخيرة ورغم حداثة النموذج الاقتصادي الجديد، بروز شركات وأفكار مبتكرة ناجحة من بينها مشاريع احتضنها المسرع العمومي واستطاع أصحابها وهم شباب بينهم طلبة جامعيون، فرض وجودهم وطنيا وتوفير خدمات مستحدثة وعملية، ناهيك عن التألق دوليا.

 في الثامن  نوفمبر 2022، أعلنت شركة «يسير» عن جمع 150 مليون دولار في تمويل السلسلة قصد تعزيز نموّها المحلي وتوسّعها في إفريقيا وفي العالم وهو حدث احتفت به بورصة نيويورك أكبر بورصة في العالم.
وفي بيان لها، أعلنت «يسير»، وهي منصة تسويق إلكترونية أنها جمعت 150 مليون دولار في إطار تمويل من مستثمرين عالميين بارزين أهمهم BOND، وهي إحدى أكبر شركات رأس المال الاستثماري في سيليكون فالي، بمشاركة Y Combinator، أكبر مسرع للمؤسسات الناشئة في العالم وشركات DN Capital ،Dorsal Capital ،Quiet Capital  وStanford Alumni Ventures، بالإضافة إلى مستثمرين استراتيجيين آخرين.
وجاء في البيان: «بعد جمع 193.25 مليون دولار في السنوات الخمس منذ إطلاق الشركة، أصبحت يسير الآن الشركة الناشئة الأعلى قيمة في شمال إفريقيا وواحدة من أعلى الشركات قيمة في إفريقيا والشرق الأوسط». وقد صرّح نور الدين طايبي، المؤسس والرئيس المدير العام ليسير، قائلا: «نتطلع إلى توسيع وجودنا في مناطق جغرافية أخرى لنصبح أول تطبيق ـ سوبر أب ـ  يعتمد عليه العديد من الأشخاص».
« فارم آي» براءة اختراع جزائرية لحل إشكاليات الغذاء
«فارم آي»، واحدة من المؤسسات الناشئة الرائدة في مجال الأمن الغذائي، وهي قصة نجاح كتبها شباب تفوقوا في مسابقة عالمية للأفكار المبتكرة، نظمتها شركة هواوي شهر ماي الماضي في إطار «التكنولوجيا من أجل الصالح العام» أو «تيك فور غود»، حيث قدم الفريق رؤية مختلفة للحلول المتعلقة بضمان الأمن الغذائي من خلال اقتراح ترقية قطاع الفلاحة وحماية محصول القمح تحديدا لما له من أهمية في الجزائر.
وأوضح عضو الفريق والشركة، محمد رياض زيان، بأن الفكرة الرئيسية المسجلة كبراءة اختراع، تتمحور حول حل مشكلة «صدأ القمح» بوصفه واحدا من بين أكبر التهديدات التي تواجه الفلاحين في الجزائر والعالم، لأنها آفة تتسبب في خسارة ما يعادل 22 بالمائة من المحصول، في حال تأخر اكتشاف المشكلة.

وقد توصل الفريق المكون من طلبة وخريجين في الإعلام الآلي وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية، إلى فهم مراحل تشكل المرض وعلاقة ذلك بطريقة الزراعة وتحديد أهم المسببات، وتقرر بناء عليه الاعتماد على طائرة مسيرة تعمل وفق نظام كاميرات قائم على الذكاء الاصطناعي، يمكنّها من التنقل عبر الأرض المزروعة والتقاط الصور وبعث الرسائل للفلاح عبر تطبيق يسهل وصول المعلومة وبالتالي التدخل في الوقت المناسب، مع ضبط استراتيجية المراقبة والتدخل لتقليل التكاليف.

 وحسب المتحدث، فإن التسجيل الإلكتروني كان خطوة مهمة اختصرت الجهد وقلصت الوقت وسهلت تحويل الفكرة إلى واقع والحصول على براءة اختراع، كما لعب المسرع «ألجيريا فانتر»، دورا كبيرا في احتضان المشروع وضبط مساره نحو وجهة اقتصادية ناجعة من خلال المساعدة في إعداد مخطط التسويق والتمويل، كما قدمت وزارة المؤسسات الناشئة، حسب زيان، التوجيه اللازم لتأطير الفكرة بما يتماشى مع متطلبات الاستثمار.
«أسيستا سوان» ريادة وطنية في رقمنة الخدمات الصحية
كما تعتبر مؤسسة «أسيستا سوان»، المختصة في مجال الخدمات الصحية الرقمية، من المؤسسات الناشئة التي استطاعت أن تحقق النجاح وتُنتقى لتمثيل الجزائر في القمة العالمية لريادة الأعمال، المقررة في الشيلي شهر أفريل القادم، حيث قدمت المؤسسة التي أنشأها شباب كونتهم الجامعة الجزائرية، نموذجا جديدا عن الخدمات الصحية أبان عن فعاليته وقدرته على تقديم الحلول الناجعة خلال فترة الجائحة والحجر الصحي، عبر ضمان  الرعاية المنزلية والكشف والفحص للمرضى بوصفها منصة إلكترونية تربط بينهم وبين الأطباء.  

يتواجد مقر المؤسسة بفضاء المؤسسات الناشئة بجامعة صالح بوبنيدر قسنطينة 3، ويشرف طاقمها على تنظيم التعاملات بين الزبائن من المرضى وذويهم و188 طبيبا في مختلف التخصصات، إلى جانب مخابر التحليل، كما يوفر التطبيق خدمة نقل المرضى داخل وخارج الولاية مع مرافقة فريق طبي لضمان السلامة والتدخل عند الاستعجالات وإجراء تخطيط القلب.وحسب ضياء الدين برينات، مسؤول العلاقات الخارجية بالمؤسسة، فإن هذا المجال واعد جدا في بلادنا، مع ذلك فإنه لا يمكن لأي فكرة أن تتحول إلى مشروع، ويتعين على حاملي الأفكار والمشاريع الاطلاع أكثر على كل ما يخص المؤسسات الناشئة وطرق إنشائها وتسييرها وتمويلها، خاصة وأن المناخ مناسب جدا للاستثمار حاليا بالنظر إلى الآليات والميكانزمات التي أقرتها الدولة في إطار مخطط رئيس الجمهورية لخلق اقتصاد شبابي منتج، بمعنى أن الإرادة السياسية موجودة حسبه، حتى وإن كنا بحاجة إلى توسيع نطاق التكوين والتأطير لغرس ثقافة المقاولاتية لدى الشباب ليتحولوا من باحثين عن الوظائف إلى منتجين لها.
وأشار المتحدث، إلى أن هذا المسعى يتطلب اندماجا أكبر للمؤسسات الكبرى في القطاعين العمومي والخاص في عملية احتضان الأفكار والمشاريع الناشئة، فضلا عن مواكبة الإدارة للتسارع الحاصل في عملية التشريع التنظيمي لهذا الإطار الاقتصادي.

واعتبر برينات، بأن وجود وزارة  تعنى بالمؤسسات الناشئة واقتصاد المعرفة تعمل بالتنسيق والتعاون مع وزارة التعليم العالمي والبحث العلمي، يعد دفعا قويا لهذا التوجه الذي تكلل مؤخرا بإنشاء هضبة قسنطينة التكنولوجية لتوطين الشركات الناشئة، وهي مبادرة وصفها بالرائدة إقليميا، تأتي لتثمّن جهودا سابقة تتعلق أساسا بالمعارض التي تجمع الفاعلين الاقتصاديين وتفتح الآفاق والفرص أمام أصحاب المشاريع وحاملي الأفكار للاحتكاك برجال الأعمال والمؤسسات، أين تكون المشاركة محددة دائما بسعر رمزي، وهو أيضا نوع من الدعم المباشر الذي تقدمه الدولة، إلى جانب دعم صندوق التمويل، القلب الذي يضخ دماء الاستمرارية في المؤسسات الناشئة.
قانون الصفقات العمومية دفع قوي للشركات الناشئة
واعتبر ممثل مؤسسة «أسيستا سوان» الناشئة، بأن الكرة حاليا في ملعب الشباب الراغب في ركوب موجة الاقتصاد النامي، خاصة بعد صدور مرسوم رئاسي جديد متعلق بقانوني المالية والصفقات العمومية، والذي يعد بمثابة دفع قوي للشركات الناشئة، التي أدرجت ضمن قائمة المستفيدين من الصفقات، فضلا عن القرار الصادر في الجريدة الرسمية رقم 49، والقاضي بالسماح للموظفين بالحصول على عطلة لمدة سنة قابلة للتمديد لأجل إنشاء شركة ناشئة أو مشروع، وهو بمثابة صك ضمان للشركات الناشئة.
 يبقى التحدي الأهم حاليا حسب برينات، هو تكييف سرعة التشريع مع سرعة تطور الشركات بما يسمح بتفعيل الحلول التي تقدمها في مختلف المجالات، بما في ذلك مجال رقمنة الخدمات الصحية وتطوير الأنظمة والبرامج المنتجة للثروة، والتي تسمح بالتوسع داخل الوطن وتغطية الطلب في مناطق الظل، ثم الانتقال إلى الخارج وضمان العملة الصعبة، مشيرا إلى أن مؤسسته تلقت عروضا هامة من دول كسويسرا وقطر.
 توطين 10 مؤسسات ناشئة بهضبة قسنطينة

المنصة الصحية هي أيضا، واحدة من بين عشر مؤسسات ناشئة تم توطينها بهضبة قسنطينة، أو سيليكون فالي الجزائر وهو مشروع طموح جدا تشرف عليه وزارتا التعليم العالي و اقتصاد المعرفة، يخص إنشاء مدينة تكنولوجية كاملة رائدة إفريقيا تتربع على مساحة 180 هكتارا، لاحتضان المؤسسات الناشئة ومشاريع الابتكار.

وحسب الأستاذة وداد صالحي، مسيرة تكنوبول قسنطينة، فإن الهضبة التي فتحت فضاءاتها منذ حوالي أربعة أشهر، عرفت توطين أول مؤسسة في شهر ماي المنصرم، ليصل العدد حاليا إلى عشر مؤسسات ناشطة بولاية قسنطينة، مجملها حاصلة على الوسم أو لابل مؤسسة ناشئة.
ويتعلق الأمر حسب المسيرة، بمؤسسات خدماتية أو منصات تقدم خدمات إلكترونية في مجالات مختلفة منها الصحة و السياحة و البرمجة التعليمية، علما أن النشاطات موزعة عبر أجنحة متخصصة على غرار جناح للتجارة الإلكترونية و الذكاء الاصطناعي  والاقتصاد الأخضر و الطاقات المتجددة، تضم مؤسسات ناشئة ناشطة في السوق حاليا، وقد استفاد أصحابها من مكاتب مجانية على مستوى القطب التكنولوجي لمدة سنة قابلة للتجديد.
وأوضحت المتحدثة، بأن القطب التكنولوجي مفتوح على مدار الساعة، ويمكن للناشطين فيه الالتحاق به في أي وقت، مع برمجة مرافقة بعدية لتسريع نمو المؤسسات وضمان التكوين في مجالات ريادة الأعمال و التسيير  وإعداد براءات الاختراع وحماية العلامات التجارية  وتوجهات أخرى، حيث يتم التحضير لأيام مفتوحة بهدف تقريب أصحاب المشاريع من الفاعلين الاقتصاديين والإدارات، في انتظار برمجة عملية توطين ثانية لدفعة أخرى من المؤسسات.
وحسب وداد صالحي، فإن الطاقة الاستيعابية للهضبة تزيد عن 400 مكتب أعمال، موزعة على ثلاثة أجنحة فضلا عن توفير 140 غرفة مناصفة بين الذكور والإناث،  على مستوى الإقامات الجامعية، مخصصة لاحتضان أصحاب المؤسسات الناشئة الناشطة ميدانيا بقسنطينة.

الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني
نتوجه نحو بناء اقتصاد منتج
قال  الخبير الاقتصادي والأمين العام للاتحاد الجزائري للاقتصاد والاستثمار، عبد القادر سليماني، بأن الرؤية الجديدة التي تبنتها الجزائر بداية من 2020، والقائمة على اقتصاد المعرفة  والشركات الناشئة،  تعد من الرهانات  المهمة المعولة عليها لأجل تعزيز ركائز الاقتصاد الوطني وبناء قاعدة داخلية متينة ترتكز بالأساس على الشباب حاملي الأفكار والمشاريع والإبداعات لدفع عجلة المقاولاتية و ريادة الأعمال والقطاع الخاص، وهو تحد واعد للتخلي تدريجيا عن الاقتصاد الريعي والذهاب إلى اقتصاد منتج مبني على الأفكار والتكنولوجيا والابتكار خصوصا في خضم الثورة الصناعية من الجيلين الرابع والخامس وموجة الذكاء الاصطناعي الذي غير الخريطة الاقتصادية في العالم، على اعتبار أن ثلث الاقتصاد العالمي صار مبنيا على المؤسسات الناشئة واقتصاد المعرفة، و أكبر عشر شركات في العالم ناشطة في هذا المجال وبدأت كشركات ناشئة لتقديم ابتكارات وحلول للمعضلات الاقتصادية والتجارية والمقاولاتية.

ويمكن القول حسب الخبير، إنه بعد ثلاث سنوات من انتهاج هذه السياسة، هناك تقبل للطرح في أوساط الشباب على مستوى كل القطاعات بما في ذلك الجامعات والمعاهد، وكذا في القطاع الخاص والقطاعات العمومية، وتوجه واضح نحو هذا النمط الجديد في ريادة الأعمال، مع ذلك وجب التنبيه إلى أن الشركات الناشئة تعد تحصيلا حاصلا لبيئة اقتصادية صحية، ولا يمكن أن تقدم دعامة للاقتصاد الوطني دون نسيج قوي ومتكامل يجمع المؤسسات الكلاسيكية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الكبرى.
سليماني قال إن الإحصائيات الرسمية تشير إلى وجود 5000 شركة ناشئة في الجزائر، من بينها أكثر من  1100 حازت على علامة «لابل» شركة ناشئة أو مشروع مبتكر إضافة إلى أزيد من 60 حاضنة أعمال في القطاع الخاص وعلى مستوى الجامعات الجزائرية، التي تدعمت بقرارات لتكريس البعد الاقتصادي على غرار القرار75/12، وهي خطوة تكاملية مهمة بين القطاعات وتعكس النية الجادة حسبه لدعم المؤسسات الناشئة ودفع القطاع الخاص، الذي يحظى بمرافقة مسرعات متخصصة تسعى لفتح أبواب المؤسسات  الخاصة والعمومية كي تكون حاضنة للأعمال، والعدد في تزايد على مستوى المدن الكبرى كما قال، على اعتبار أن ميزة سوق المؤسسات الناشئة هي النمو المتسارع.
وأوضح المتحدث، بأن الدولة هيأت بيئة تشريعية ومالية مناسبة لدعم وتمويل هذه المؤسسات، بطريقة سلسة تعتمد على الرقمنة والشباك الموحد بعيدا عن المعوقات البيروقراطية، ويتجلى ذلك من خلال استحداث وزارة متكاملة لضبط تصور واضح واستشراف لمدى فعالية المؤسسات الناشئة، بوصفها جزءا مهما من منصة الإقلاع الاقتصادي الذي يمكن قراءة معطياته من خلال نسب النمو المحققة والتي بلغت 5 بالمائة، وهي في رأيه، نتاج لجملة قوانين عملية منها قانون لاستثمار الجديد وقانون الصفقات العمومية والشراكة بين القطاع العام والخاص، بالإضافة إلى صندوق تمويل المؤسسات الناشئة.
فرص كبرى لمرافقة الصادرات الجزائرية

ويرى الأمين العام للاتحاد الجزائري للاقتصاد والاستثمار، بأنه من المهم تعميم فكرة احتضان المؤسسات الناشئة خصوصا عند القطاع الخاص، لأن الشركات الخاصة وكذلك المجمعات الاقتصادية العمومية الكبرى، مطالبة بتبني هذا التوجه وتوفير مناخ النشاط الضروري لضمان الاستمرارية والنمو لأنها ستلبي  الحاجيات وتقدم الحلول في عديد المجالات، خاصة وأن هناك «ستارت أب» جزائرية أثبتت تفوقها واستطاعت دخول بورصات عالمية كمؤسسة «يسير»، كما يقترح الخبير الاقتصادي تنظيم جولات تمويلية للتعريف بهذه المؤسسات للحصول على التمويل والدخول في تكاملات اقتصادية وتحقيق الاندماج لأجل انطلاقة اقتصادية شاملة ومستدامة.
وقال الخبير، بأن المشهد العام سيتضح أكثر مع دخول الصناديق الاستثمارية في القطاعين الخاص والعمومي لتعزيز فرص تمويل الشركات الناشئة، بعدما بلغ الرقم حاليا 58 مليار دج، بمعدل استفادة يتراوح بين خمسة ملايين دينار إلى 150 مليون دج لكل مؤسسة، مثمنا ما وصفه برأس المال المغامر الذي يدخل كشريك للفكرة أو المؤسسة الناشئة وهذا ما يشجع الشباب أكثر.يبقى إتباع استراتيجية استثمارية متكاملة وشاملة مهما حسب المتحدث، لإنجاح التوجه نحو اقتصاد المعرفة، بداية بتحيين منظومة الإنترنت وتسهيل المنظومة الضريبية والمالية، وتقوية الخدمات البنكية وتحديث الدفع الإلكتروني والرقمي من خلال تفعيل جاد لإجراءات الدولة بخصوص الدينار الرقمي وقانون النقد والصرف الجديد لضمان دخول العملة الصعبة وكذا انسيابية وسلاسة في الدفع، لأن التعامل خارجي ولا يقتصر على الداخل.
وخلص الخبير الاقتصادي، إلى التأكيد على أن الدولة أصابت في تحديد أولويات النشاط بالنسبة للمؤسسات الناشئة، خصوصا ما تعلق بتطوير مجالات الأمن الغذائي والصحة والتعليم واقتصاد المعرفة، ويأتي العمل على دفع قطاعات أخرى كالمناجم والصناعات التحويلية  وصناعة المركبات والطاقات الجديدة والمتجددة، في مرتبة مهمة أيضا، مؤكدا بأن السوق الجزائرية واعدة جدا، في ظل استهداف السوق العربية والإفريقية وتوفر الفرص الكبرى للدخول ومرافقة الصادرات الجزائرية بطرق مبتكرة.

رئيس اللجنة الوطنية للابتكار البروفيسور أحمد مير
800 «لابل» مشروع مبتكر قدمت في إطار القرار 75 /12
أكد البروفيسور أحمد مير، رئيس اللجنة الوطنية للابتكار وريادة الأعمال بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بأن العمل جاد وحثيث من أجل فتح أبواب الجامعة على المحيط الاقتصادي وتحويلها إلى مؤسسة منتجة، بفضل مخرجات القرار الوزاري 75/12، المتضمن لشهادة مؤسسة ناشئة وشهادة براءة اختراع، والذي عرف تطبيقه عدة مراحل بداية بالتحسيس ثم التكوين وتوفير بيئة مناسبة لنشاط.

وقد التحق بالمنصات الرقمية الموجهة لتسجيل الأعمال المبتكرة أزيد من 11 ألف حامل لفكرة قابلة لأن تكون مؤسسة ناشئة أو براءة اختراع أو مؤسسة مصغرة، وبعد عملية الانتقاء التي أشرفت عليها لجان متخصصة انخفض العدد كما أضاف، إلى 9 آلاف فكرة، وتم توجيه الطلبة بناء على ذلك إلى تصحيح أو تعديل أو تغيير الأفكار لتتماشى مع الآفاق الاقتصادية والتجارية.
وأوضح مدير الدراسات على مستوى المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، بأن عملية المتابعة عرفت تكوين الطلبة ومرافقتهم لإعداد نماذج العمل التجارية للمشاريع الابتكارية، من خلال نظام بيئي ريادي يضم أزيد من 1600 مخبر إلى جانب هيئات بحثية أخرى كمخابر التصنيع وحاضنات الأعمال الجامعية التي قفز عددها إلى 94 حاضنة مجهزة، إضافة إلى 17 دارا للذكاء الاصطناعي لتأطير المشاريع ذات الصلة، وفي نهاية سبتمبر، بدأ تنفيذ النماذج الأولية من خلال توطينها على منصة «ابتكار» وهي عبارة عن وسيط بين حامل الفكرة ومخبر البحث أو التصنيع وغيرها من الهيئات ذات الصلة، وتعد خطوة جبارة لتجاوز العراقيل البيروقراطية.
وقال مير، إنه تم إلى غاية نهاية شهر جويلية الماضي، في إطار القرار الوزاري 75/ 12، وبعد انطلاق عمليات التسجيل على منصة وزارة المؤسسات الناشئة واقتصاد المعرفة بالتنسيق مع اللجنة الوطنية لمنح الوسم «لابل»، منح 234 وسم «لابل» مشروع مبتكر، ووصل عدد المذكرات التي تمت مناقشتها إلى غاية 20 جويلية 2023، إلى 2475 مذكرة، على أن تنطلق الدورة الثانية من مناقشة المذكرات هذا الشهر، لتشمل تلك التي عرفت نوعا من التأخر بسبب عدم اكتمال النماذج الأولية والاختبار خاصة في مجالات الفلاحة والبيولوجيا، ويتعلق الأمر بحوالي 1000 مذكرة تخرج.

وأضاف البروفيسور أحمد مير، بأن اللجنة الوطنية لمنح علامة «لابل» مشروع مبتكر، سجلت لأول مرة منذ إنشائها، أزيد من 2000 طلب للحصول على علامة مشروع  مبتكر في ظرف خمسة أشهر، علما أن هناك مشاريع وجهت لها ملاحظات للتصحيح والتعديل ومن المتوقع إلى غاية 31 ديسمبر، الحصول على الأقل على 500 «لابل» مشروع مبتكر في إطار ذات القرار الوزاري، بالإضافة إلى 234 التي سلمت مسبقا بما يعادل بالعموم 800 مشروع بحلول نهاية السنة الجارية، تمهيدا للانطلاق في المشاريع المرتقبة للسنة الجامعية 2023 ـ2024، وذلك بوتيرة أفضل وخبرة أكثر كما قال، على اعتبار أن 2023 كانت سنة تجريب واختبار للقرار، وقد عرفت تقييم نقاط القوة والفرص والتهديدات، حيث ضبطت على أساسها استراتيجية لتحسين أداء المؤسسات.
6 نماذج صناعية و 36 علامة تجارية ولدت في الجامعة
 وفيما يخص براءات الاختراع، ذكر المسؤول، بأنه تم لأول مرة على مستوى قطاع التعليم العالي، تسجيل 853 طلب براءة اختراع وهي قفزة تعكس أهمية الإستراتيجية العامة للدولة والقطاع لتحسين مؤشرات الابتكار في الجزائر بعدما احتلت المرتبة 115 عالميا، وهو ترتيب لا يعكس القدرات البشرية والبحثية والإمكانيات المادية المتاحة وطنيا.
وتحدث مير، بذات الخصوص، عن تسطير استراتيجية لتحويل براءات الاختراع الوطنية إلى براءات دولية وهو تحد للقطاع لتحسين مناخ الأعمال والابتكار بما يتوافق مع الإستراتيجية العامة للحكومة الجزائرية خاصة وقد تم حسبه، تسجيل  36 علامة تجارية على مستوى مؤسسات التعليم العالمي، تخص بالعموم مؤسسات نائشئة ومؤسسات طلابية مصغرة، إلى جانب  إحصاء 6 نماذج صناعية وأخرى جاهزة للتسجيل خلال شهر أكتوبر، فضلا عن استحداث 104 مؤسسات فرعية تابعة لمؤسسات التعليم العالي، وهو حدث مهم لأنها المرة الأولى منذ الاستقلال كما قال، التي تحوز فيها مراكز التعليم العالمي على مؤسسات فرعية تدعم مدخولها خارج ميزانية التسيير، وتجسد انفتاح الجامعة على المحيط الاقتصادي الذي يعد الالتزام رقم 41 رئيس الجمهورية.                       نور الهدى .ط

عضوا اللجنة الوطنية  للذكاء الاصطناعي محمد سنوسي وبوعلام بن عطالله
المقاولاتية الجامعية مفتاح التحول نحو اقتصاد المعرفة
ثمن العضوان في اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي، الباحثان الجزائريان محمد سنوسي   وبوعلام بن عطالله التوجه الاقتصادي الذي تبنته الدولة، واعتبرا التركيز على تهيئة البنية التحتية الجامعية أهم خطوة لإنجاح السياسية الجديدة القائمة على اقتصاد المعرفة، لأن أغلب المؤسسات الناشئة  التي تحولت إلى شركات كبرى رائدة في العالم كمحرك البحث «غوغل» مثلا، ولدت كأفكار مبتكرة بحثية في الجامعة.

وعليه، يرى الباحث في مجال تكنولوجيا المعلومات و علوم الحوسبة بأستراليا بوعلام بن عطالله، بأن حل المعادلة يرتبط أساسا بتطوير جودة ونوعية البحث و تكييف نظام التكوين وفق مسعى محدد لتحقيق فائض في الأفكار، ناهيك عن الاستثمار في النخب الجامعية واقتناص الأفكار الطلابية الناجحة من بين ملايين الأفكار المنتجة، وذلك بالاستناد إلى معيار الخلفية البحثية و التركيز عليها، ومن ثم دعم الفكرة أو الابتكار تقنيا و ماليا ليتحول إلى مشروع حقيقي متكامل  وهو أمر يستوجب حسبه، سد ثغرة مهمة تتمثل في غياب هيئة متخصصة لتمويل مشاريع الطلبة الباحثين و تطويرها زيادة على ضرورة توسيع دائرة الشراكة والتنسيق والتعاون بين هيئات التعليم العالي و البحث العلمي و وزارة المؤسسات الناشئة واقتصاد المعرفة والمؤسسات الصغيرة للتأسيس لثقافة مقاولاتية متينة.
وقال بن عطالله، بأن هذه الشركات يجب أن تتحول إلى نماذج حقيقية لتحفيز الطلبة الباحثين، وواجهة للترويج للفكر المقاولاتي و ريادة الأعمال وربط حاملي الأفكار بالوسط الاقتصادي، لأن نجاح نموذج مقاولاتي جامعي سيعزز ثقة الشركات الكبرى في المؤسسات الناشئة كدعامة لزيادة فاعلية الآلة الإنتاجية من خلال اقتراح الحلول للمشكلات الاقتصادية، وسيسمح بفتح المجال أمام « ستارت أب» للحصول على تمويل مالي من الفاعلين الاقتصاديين بعيدا عن التمويل التقليدي، ناهيك عن مضاعفة فرص النشاط والشراكة والعمل.
وأوضح الباحث، بأن اقتصاد المعرفة يعتمد بالأساس على الأفكار المبتكرة وعلى نتائج البحث العلمي وإمكانية تفعيلها لإيجاد الحلول و تحقيق التنمية المستدامة، لذلك فإن التوجه نحو اقتصاد معرفي قائم على المؤسسات الناشئة، لا يتوقف على التكوين و المرافقة والمسرعات والحاضنات فقط، بل يرتكز بالأساس على توفير البنى التحتية، ويبقى العامل الأهم هو الاستثمار في العنصر البشري، لذلك يتعين على الدولة كما قال، أن توجد آليات للاستغلال الأمثل للكفاءات الجامعية وتحديدا النخب، والبحث عن فرص لعودة أو للاستفادة من الكفاءات العلمية الموجود في الخارج و تشجيع أبناء الجالية على الاستثمار في الجزائر، والمساهمة في نقل التكنولوجيا والخبرة الفنية والتأسيس لاقتصاد وطني قائم على المعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي يسمح بخلق الثروة   وتقليص النفقات و تقليص استهلاك الطاقة و غير ذلك.

 من جانبه، أكد الباحث الجزائري في مجال الذكاء الاصطناعي محمد سنوسي، بأن الحديث عن اقتصاد المعرفة يوجب الانتقال من البحث النظري إلى التطبيقي والتركيز على تحويل نتائج البحوث الجامعية و الأفكار المبتكرة إلى مشاريع حقيقية منتجة عبر إيجاد ميكانيزمات خاصة لتمويلها داخل الجامعة، مع تحسين بيئة المقاولاتية و الانفتاح أكثر على المحيط الاقتصادي و تحديد أولويات الاستثمار، لأن القيمة المضافة للمؤسسات الناشئة تكمن في ما تقدمه من حلول ومنتجات جديدة وتطوير للخدمات الموجودة في السوق، كما أن لها قيمة اقتصادية تظهر من خلال المساهمة المالية الناتجة عن الجباية والضرائب، و قيمة اجتماعية ترتبط بتوفير مناصب شغل لتحسين حياة الأفراد، و رفع جودة بعض الخدمات كالصحة مثلا.
 وشدد صاحب منصة « نخب»، على أهمية الذكاء الاصطناعي كتوجه جديد رائد يعتمد عليه كثيرا في مجالات استراتيجية كالغذاء و الصحة والتعليم والطاقة، كما أنه من القطاعات التي تتمحور حول العنصر البشري أو الذكاء البشري، لذلك فمن الواجب حسبه، اختيار أفكار المشاريع التي تتوفر فعليا على مقومات النجاح ودفعها وضمان وصولها إلى الفاعلين الاقتصاديين الكبار لتبنيها و جذب الدعم و التمويل.
ويمكن القول حسبه، بأن الحكومة الجزائرية تعرف ألولياتها بشكل كبير و تدرك بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم إضافة نوعية لتحقيق التنمية وتطوير القطاعات المهمة كما أن الحديث عن المؤسسات الناشئة يقود للحديث عن وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة، التي استحدثتها الجزائر تماشيا مع هذا التوجه المستقبلي، فضلا عن فتح المجال ودعم الأفكار الطلابية في الجامعات، وهو ما سيمنحنا لاحقا فرصة مناسبة للانتقاء وسينتج نماذج ناجحة شريطة التركيز على البحث التطبيقي.                              نور الهدى .ط

 

 

الرجوع إلى الأعلى