يؤكد البروفيسور عبد اللطيف بوروبي أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم السياسية جامعة قسنطينة3 أنّ نص مشروع تعديل الدّستور، شمل بعض الضوابط القانونيّة التي تُحدِّد العمل السّياسيّ وكيفية الوصول إلى السلطة إن طُبِقَت في الواقع تُعتبر نقلةً نوعية نحو تكريسٍ فعليّ لمبدأ أساسيّ وهو الدّيمقراطيّة التداولية. ولكن على أن تكون –حسب قوله- مصحوبة بآليات فعليّة مجسدة لهذه الأحكام العامة في الواقع الميداني ولا تبقى مجرّد شعارات. كما يُقدم بعض قراءاته لنص مشروع تعديل الدستور، ولبعض مواده الجديدة، بنوع من التحليل والتوضيح وببعض المقاربات من زاوية أكاديمية.البروفيسور بوروبي للإشارة، له عِدة منشورات وطنية ودولية بتعداد 25 دراسة (بين كُتب ومقالات، حول الدراسات الأمنية والاستراتيجية والتنظيمات السّياسيّة)، آخرها دراسة في مجلة «شؤون الأوسط» بلبنان نُشرت في صيف 2020، حول النزاعات الإثنية في منطقة الساحل الأفريقي.
حاورته/ نــوّارة لــحــرش
كيف هي قراءتك لنص مشروع تعديل الدستور. وهل ترى أنّ مواد الدستور الجديد تتكيف أو تتماشى مع المتغيرات السّياسيّة الجديدة؟
عبد اللطيف بوروبي: تضمن مشروع تعديل الدستور باِعتباره أوّل ورشة إصلاحات بعد وصول رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى الحُكم في 12 ديسمبر2019، رغم جائحة كورونا، وتراجع المداخيل والتأكيد على أنّه لا اِستدانة خارجية، ولا طبع للنقود، توجهٌ أوّل يؤكد على دور عِدة مؤسسات وهيئات وطنية قائمة لها أهميّتها في تسيير الشأن العام، وتدعيمها بأخرى مُستحدثة، من مُنطلق إعطاء دفعة جديدة للواقع التنمويّ الّذي هو «كارثي» للخروج من نظامٍ مُفلس سابق أوصلنا إلى شللٍ تام في مُعظم القطاعات سواء الاِجتماعيّة، أو السّياسيّة، أو الاِقتصادية بخلق عملية تكامل ديناميكية في مُختلف القطاعات بهدف الرُقيّ وترقية المُجتمع الجزائريّ تجسيداً لشِعار: «جمهوريّة جزائريّة ديمقراطيّة شعبيّة»، دون المسّاس بالثوابت.
أمّا التوجه الثاني: هو أنّ هذه الأحكام الدّستورية العامة الجديدة، يجب أن تُرْفَق بآليّات قانونيّة ضامنة لتطبيقها من قوانين عضوية وعادية في الواقع الفعليّ حتمية مشروطة لإنجاحه في الواقع. إذن هي عملية إصلاحية بمراحل عديدة مُتكاملة لا يمكن التفكير في مرحلةٍ دون أخرى. فَمِن التوجه الأوّل والتوجه الثاني يجب أن نفهم هذه المقاربة الإصلاحية الجديدة، وليس كلّ توجهٍ على حِدة.
فدستورٌ جديد يقوم على أحكام دستورية غير قابلة للتغير مُرتبطة بالثوابت حول الطابع الجمهوري والدّين واللّغة (المواد:01 و02 و03 و04)، وأخرى بالحريّات العامة (وأنّ الشعب مصدر السلطة المادتين 07 و08)، والدّيمقراطيّة التشاركية (المادة10) السلطات والمؤسسات الدّستوريّة سواء الرقابية أو الاِستشاريّة، يجعلُ من المزايدات السّيّاساويّة لا تُعطي أية حركية للإصلاحات مُستقبلاً.
هذا الدّستور الجديد اّلذي سيُعرض للاِستفتاء في الفاتح نوفمبر2020، يُعطي أولويّة للمُنتخب كمُمثل حقيقيّ للشعب، وبالتالي إعطاءه كلّ الصلاحيات وهو الحلقة الجوهرية في أي تغيير مستقبلي من مُنطلق أنّه يُكرس الحريات العامة ويُحدّد الحقوق والواجبات من حرية الرأي والحق في إنشاء الجمعيات والأحزاب السّياسيّةـ وتكريس بعض الحقوق الإضافية للمرأة وتمكينها اِجتماعيًّا وسياسيًّا، وتحقيق الأمن المُجتمعي من صحة وتعليم، وإمكانية طرح المواطن لاِنشغالاته كفرد أو كجماعة من خلال ملتمسات للإدارة مُتعلقة بالمصلحة العامة. كلّ هذه المكتسبات هي قيمة إضافية للبناء المؤسساتي المستقبلي في الجزائر الّذي هو مُضطرب، وفق حتمية توفر إرادة سياسية حقيقية تدعم بآليات واقعية لتكريس تلك الأحكام العامة، فعليًّا في الواقع وإلاّ ستبقى حِبراً على ورق.
•مُراجعة منظومة القوانين والمؤسسات القائمة تتماشى ومطالب الحَراك المُبارك
هل يمكن القول أنّ مواد مشروع الدستور الجديد هي بمثابة مخرجات لتطلعات ومتطلبات الشعب الجزائري؟
عبد اللطيف بوروبي: تُعتبر مُراجعة منظومة القوانين والمؤسسات القائمة تتماشى ومطالب الحراك المُبارك، للوقاية من الفساد، دون المسّاس بثوابت حول الطابع الجمهوريّ، والإسلام دين الدولة، واللّغة العربيّة اللّغة الوطنيّة والرسميّة، وتامازيغت كلغة وطنية ورسمية، ومن أنّ السلطة ملك للشعب، والشعب يختار لنفسه مؤسساته، ودور المجتمع المدنيّ، والشعب حر في اِختيار ممثليه. والمواد من (13 إلى 16) حول التمثيل الديمقراطيّ والديمقراطية التشاركيّة. والمواد من (35 إلى 37) حول أنّ الجميع سواسية أمام القانون ومعاقبة اِستغلال النفوذ، والدولة مسؤولة على أمن الأشخاص والمُمتلكات وحماية حقوق المواطنين، أساسيّة لتحقيق الاِنتقال الدّيمقراطيّ الفعليّ.
حيث تضمن الدّستور الجديد مقترحات جوهريّة في بعث الأُسّس الفعليّة للاِنتقال الديمقراطي من ذلك عهدتين رئاسيتين متتاليتين أو منفصلتين (المادة 88)، وتحديد العهدة البرلمانية بعهدتين (المادة 122)، وتعزيز مركز رئيس الحكومة وتوسيع صلاحياته (المادة 110)، إبعاد وزير العدل والنائب العام للمحكمة العُليا من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء (المادة 180) مع رفع عدد القُضاة المنتخبين.
هذه الضوابط القانونيّة التي تُحدِّد العمل السّياسيّ وكيفية الوصول إلى السلطة إن طُبِقَت في الواقع تُعتبر نقلةً نوعية نحو تكريسٍ فعليّ لمبدأ أساسيّ وهو الدّيمقراطيّة التداولية. ولكن تكون مصحوبة بآليات فعليّة مجسدة لهذه الأحكام العامة في الواقع الميداني ولا تبقى مجرد شعارات.
فعوض اِستمرارنا في التحليل وفق مقاربة الوصول إلى الدّيمقراطيّة التشاركية، نكون فِعلاً أمام مرحلة جديدة والمجسدة في شكل الدّيمقراطيّة التداولية، من باب التوجه إلى تطبيق مبادئ الحكامة من مساءلة، ورقابة، وشفافية في تسيير المال العام والحفاظ على المُمتلكات.
•دسترة الحَراك كأرضية فعليّة لمنظومة القوانين والمؤسسات الجديدة يُعتبر قطيعة مع المُمارسات السابقة
مشروع تعديل الدّستور، لم يهمل حراك الـــ22 فبراير. إذ قام بدسترة الحراك الشعبي في ديباجة المشروع. كيف تقرأ هذه الخطوة؟
عبد اللطيف بوروبي: يتطلب التوجه نحو جزائر جديدة تكريس أحكام دستورية جديدة، الأحكام التي تُعبر عن واقع المطالب الفعليّة للشعب الجزائري، والتي ظهرت بشكلٍ واضح في حراك 22 فيفري 2019، من التداول الديمقراطي على السلطة، وانتخابات دورية نزيهة، والفصل والتوازن بين السلطات، من خلال إيجاد آليات تكون مرفوقة بمنظومة قوانين ومؤسسات دستورية على المستوى الداخلي، والعمل وفق شرعية دولية بتكريس أهداف الأُمم المُتحدة، والاِتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية.
فالحراك باِعتباره قطيعة مع الممارسات السابقة، ومرحلة مفصلية في تاريخ الجزائر المُستقلة، وبالتالي إبراز هذه المطالب التي فيها توافق، ضرورية لإنجاح الدّستور الجديد مُستقبلاً من مُنطلق «نعم» لمشاركة الجميع و»لا» للإقصاء باِعتبار هذا الحراك المُبارك أحدث تحولات اِجتماعيّة، وسياسيّة عميقة من منطلق أنّ هذا الدّستور الجديد هو الإطار لتقويّة الروابط الوطنية.
فتجسيد الطابع الجمهوري ومكونات الهوية من لغة ودين ببعدها التاريخي، والتركيز على تحقيق السِلم والأمن الدوليين والتنمية المُستدامة هي مُحددات قامت عليها مبادئ السياسة العامة التي تُحدّد توجهات الدولة الجزائرية في الداخل أو في الخارج.
مطالب الحراك المشروعة رغم اِختلافها وتعدّدها وأحيانًا تناقضها هي حالة صحيّة للمُمارسة الدّيمقراطيّة، لكن الأحكام الدّستوريّة هي توافقية وبالتالي نسعى من خلالها إلى الوصول إلى مرحلةٍ من القبول للرأي الآخر وفق منطق من يحكم ومن يعارض، وليس منطق الكل يُعارض، والكل يُساند، وهذا تصور غير منطقي، وبالتالي مطالب الحراك ستجد التأييد لها في السلطة الحاكمة، أو في المعارضة الحزبية، أو في المجتمع المدني، سواء كان مُساندا أو مُعارضا للسلطة. بالتالي مطالب الحراك كأحكام دستورية، ودسترة الحراك كأرضية فعليّة لمنظومة القوانين والمؤسسات الجديدة المرافقة لها، والقطيعة مع المُمارسات السابقة.
•المحكمة الدّستوريّة هي بوصلة البناء المؤسساتي الديمقراطي الحقيقي
ما رأيكم في المادة التي تنص على اِستبدال المجلس الدّستوريّ بالمحكمة الدّستوريّة؟ هذه الأخيرة تقريبًا اِستحوذت على صلاحيات المجلس الدستوري. كيف تنظرون إلى نقل الصلاحيات؟ وهل هذا هو الأفضل في هذه الحالة؟
عبد اللطيف بوروبي: تُعتبر نقلة نوعية فعلاً لتكريس مبدأ أساسي والمُتمثل في حياد الإدارة والفصل بين السلطات تُعوض المجلس الدستوري، فنحن أمام محكمة دستورية، للخروج من الشرعية الثورية والرجوع إلى الشرعية المرتبطة بالاِنتخاب، ومن المقاربة الإيديولوجية التي عرفتها الجزائر منذ الاِستقلال إلى المقاربة البرغماتية، فالمحكمة الدّستوريّة مهمتها حق الرقابة على القرارات المُتخذة أثناء الحالة الاِستثنائية، وتكريس اِختصاصها بالنظر في مختلف الخلافات التي قد تحدث بين السلطات الدّستوريّة بعد إخطار الجهات المختصة.
بالرجوع إلى أهمية هذه المحكمة من حيث المهام، فهي مؤسسة دستورية (المادة 184) ذات طبيعة رقابية مُكلفة بالتحقيق في مطابقة العمل التشريعي، والتنظيمي للدّستور، وفي كيفية اِستخدام الوسائل والأموال العمومية وتسييرها. فهي مؤسسة مستقلة مكلفة بضمان اِحترام الدّستور (المادة 185) أمّا عن تشكيلتها فهي مكونة من 12 عضوا بين مُعين ومنتخب، وفق شروط من سن وكفاءة، وعدم التحزب (المواد 186 و187) يُعيّن رئيسها رئيس الجمهورية ولهم حصانة (المواد 188 و189)، حيث تعتبر ذات أهمية كبيرة في أنّه يمكن لرئيس المحكمة الدّستوريّة أن يتقلد منصب رئيس الدولة في حال الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، وحصول أي مانع لرئيس الحكومة (المادة94)، بمنطق أنّ القضاء «مستقل»، المادة(163). فبالتالي أهمية المحكمة الدّستوريّة هي بوصلة البناء المؤسساتي الديمقراطي الحقيقي.
•الأحكام الدّستوريّة قيمة إضافية جوهرية من أجل تكريس دولة المؤسسات
ما رأيكم في مسألة إسناد مهمة التعيين لحصة البرلمان في المحكمة الدّستوريّة إلى غير أعضائه. ما المراد من هذه العملية أو الآلية؟
عبد اللطيف بوروبي: تفصل المحكمة في مُطابقة النظام الداخلي من غرفتي البرلمان للدّستور (المادة 190) وتنظر في الطعون التي تتلقاها حول النتائج المُؤقتة للاِنتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة والاِستفتاء وتُعلن النتائج النهائيّة (المادة191)، مِمّا يعني هذا أنّه يهدف من وراء ذلك إلى أنّ المحكمة الدّستوريّة لها «طابع رقابي» على النظام الداخلي للغرفتين، كما يمكن إخطارها برفع الحصانة عن نائب المجلس الشعبي الوطني، أو مجلس الأمة أو عدمها، ففي حالة وجود ممثل للغرفتين منتميين للمحكمة سيكون هناك نوع  من تضارب المصالح والتدخل لصالح الهيئة التي ينتمي إليها المُمثل سواء المجلس الشعبي الوطني، أو مجلس الأمة. وبالتالي لتفادي ذلك يكون ممثلين عن الغرفتين ولكن دون أن ينتميا لها، ومن ثمّ تكريس لمبدأ التوازن الفعليّ بين السلطات والاِستقلاليّة وإبعاد هيمنة السلطة التنفيذية المتغولة في كلّ المؤسسات.
في الأخير الإشكال ليس في الأحكام الدّستوريّة التي هي قيمة إضافية جوهرية من أجل تكريس دولة المؤسسات، والتي جاءت شاملة وتعبرُ عن توافق من حيث ما اِحتوته من نقاط اِيجابية واضحة تدعم مسار الإصلاحات السّياسيّة والاِقتصاديّة ببعدها الاِجتماعي، وأخرى تحتاج إلى إثراء من خلال قوانين عضويّة وعاديّة. فإيجاد الآليات التي تُكرسها في الواقع الميداني من خلال منظومة قوانين ومؤسسات مرافقة لها تدعمها فعليًّا وتكون الحامي لتطبيقها حتميّة للعملية الإصلاحية التي بدأت بالإعلان عن التعديل الدّستوريّ. لأنّ الأصل في هذه الأحكام الدّستوريّة والمؤسسات المنبثقة عنها أنّها تعبرُ عن إرادة الشعب المتجسدة في مطالب ممثليه المنتخبين أو المعينين لخدمة الصالح العام.
ن/ل

الرجوع إلى الأعلى