أثارت الباحثة الجزائرية المختصة في مجال البيولوجيا، الدكتورة كريمة آيت عيسى، اهتمام الرأي العام بعد تحصلها على تمويل من الجمعية الأمريكية للسرطان لإتمام بحوثها حول الحد من الآثار الجانبية للعلاج بالأشعة لدى المتعافين من السرطان، وهو مشروع تفصّل فيه خريجة جامعة بجاية في حوار حصري للنصر، كما تكشف عن طموحاتها في مجال البحث العلمي، و تروي قصة نجاحها التي لم تخل في بداياتها من بعض العقبات ضمن رحلة بدأت من الجزائر، ثم إلى فرنسا لتحط بها في الولايات المتحدة.
حاورتها: ياسمين بوالجدري
بعد تخرجكِ من جامعة بجاية سافرتِ إلى فرنسا، أين تخصصت في البيولوجيا الجزيئية والهيكلية والخلوية ثم في أمراض القلب و الشرايين، وهما تخصصان يبدوان مختلفين، كيف حدث هذا الانتقال وما الذي ميّز هذه المرحلة من مسارك العلمي؟
بالفعل، عندما تخرجت من جامعة بجاية في جويلية 2006 في فرع هندسة البيولوجيا، سافرت في أكتوبر من السنة نفسها إلى فرنسا. هذا المسار لم يكن متوقعا لأنني لم أكن متأكدة إن كنت سأسافر إلى فرنسا. لقد أخافني هذا الأمر خاصة أنني لم أكن أعرف شخصا هناك ولا يوجد لدي صديق أو مرافق يسافر معي. كان ذلك بمثابة تحد لشخص لم يسافر يوما في حياته، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بفتاة.
واجهتُ تحديات للاندماج في مناخ البحث بفرنسا وأمريكا
وصلت لنانسي ودرست بجامعة لورين ماستر في البيولوجيا الجزيئية والهيكلية والخلوية ثم أتممت الدكتوراه في علوم الحياة و الصحة، وهكذا بدأت الأبحاث في مجال الطب الحيوي وأمراض القلب والأوعية الدموية. لقد كان أمرا صعبا قليلا بسبب الاختلاف في نظام التعليم العالي بين الجزائر و فرنسا، حيث حصلت بجامعة بجاية على الكثير من النظري والقليل من الجانب التطبيقي، لكن المسار الدراسي الذي اجتزته بها كان جيدا جدا و لم أندم عليه فقد كان اختيارا مناسبا.
واصلت الدراسة وكان ذلك تحد لأنني اتجهت لنظام وثقافة جديدين، وكذلك حياة أخرى لأنني كنت بمفردي، ما جعل عملية الاندماج صعبة، لكنها كانت جزءا جيدا من مساري وأعتقد أنني كنت محظوظة.
الولايات المتحدة كانت محطتك الثانية وذلك بداية من 2013، حيث عملت كباحثة بمدرسة الطب بجامعة “إيسترن فرجينيا”، ما طبيعة الأبحاث التي قمت بها هناك؟
بفرجينيا، كان ما قمت به ضمن تربص ما بعد الدكتوراه، بمثابة امتداد لما بدأته في الدكتوراه، ضمن أمراض القلب والشرايين وتحديدا ارتفاع ضغط الدم الذي حاولت تحديد مصدره طيلة عامين كان خلالهما الاندماج في نظام جديد آخر، أمرا صعبا، زيادة على عائق اللغة، لكنني استطعت الاندماج والتوصل إلى طريقة بحث أخرى. طيلة مساري استمررت في البحث لفهم ميكانيزمات حدوث أمراض القلب و الشرايين، فهناك أمراض تحدث بسبب البيئة، التلوث، التدخين، أو الاشعاع، أو أشعة الشمس أو الإكثار من تناول الدهون و السكريات، كما قد تنتج عن أمراض جينية أو عن أمور لم نستطع شرحها، وهو ما أحاول فهمه بمعرفة كيفية تطور هذه الأمراض قصد إيجاد علاجات لها.
في مدرسة الطب بـ «ويسكونسن» أجريت أبحاثا في البيولوجيا لتنتقلي سنة 2018 إلى جامعة إيوا وهنا شهد عدد المقالات العلمية التي نشرتها ارتفاعا. هل للأمر علاقة ببيئة البحث العلمي المناسبة أم بعوامل أخرى؟
في ويسكونسن أجريت من 2015 حتى 2018، تربصا في ما بعد الدكتوراه، وهنا ركزت أكثر على أمراض القلب، هذا الأخير الذي يحتوي على الشرايين التاجية التي يحدث بها انسداد  ولو تطور الأمر إلى توقف تدفق الدم بها، قد يتوقف القلب عن النبض، أو يحدث قصور في وظائف هذه العضلة بمرور الوقت.
العمل هنا كان أكثر إثارة للاهتمام لأنني استطعت الاطلاع على حالات مرضى لهم هذا النوع من المشاكل، حيث حصلنا على عينات منهم، ما سمح بنشر ورقتين علميتين والتقدم أكثر في البحث. بصراحة مساري بمدرسة الطب في ويسكونسن كانت الأفضل، لأنها علمتني أشياء كثيرة سواء في البحث أو في الحياة بصفة عامة.
بالفعل، نشرت أبحاثا كثيرة بسبب البيئة المناسبة، ولكن أيضا لأن موضوع البحث كان عميقا. لقد حصلت على فرص للوصول إلى عينات وتطوير أفكار البحث.
أركز على حماية الدماغ  والقلب من العلاج بالأشعة
عندما قدمت إلى ايوا، كان الأمر مهنيا أكثر، حيث بدأت العمل، وبدأت في تطوير أفكاري ولم أصبح متربصة بل أمتلك حرية أكبر في أبحاثي.
ركزت في عملك على أمراض القلب والأوعية الدموية التي تبقى واحدة من أبزر المشاكل الصحية بالعالم. كيف يمكن لأبحاثك المساهمة في وقف تطور هذه الأمراض؟
أمراض القلب والشرايين، مسجلة بكثرة في الجزائر والبلدان المتقدمة وغير المتقدمة، ولا يوجد للأسف علاج يسمح بإنهاء هذه المشكلة كلية، ما هو متاح حاليا، وسائل للتخفيف من الأعراض و الوقاية، لذلك نواصل محاولة فهم المرض بحد ذاته.
ما الذي دفعك بعد ذلك إلى الانتقال للبحث في مجال السرطان، وما علاقته ببطانة الأوعية الدموية الدقيقة؟
توجد حاليا علاجات عديدة للسرطان، ومنها العلاج بالأشعة بالنسبة للسرطانات غير المتقدمة. في أغلب الحالات يشفى المرضى، لأن هذه الطريقة فعالة جدا فهي تقتل الخلايا السرطانية وهنا تنتهي مهمة طبيب الأورام ويعود المريض لبيته فرحا، لكن بعد بضع سنوات تتطور لديه أمراض أخرى غير متصلة بالسرطان غير أنها تشكل خطرا كبيرا على صحته.
المشكلة الأكبر هنا هي أمراض القلب والشرايين والتي تمس أيضا الدماغ، وهي أمراض نعلم أن سببها، في حالات الناجين من السرطان، العلاج بالأشعة المستخدم في كل أنحاء العالم, والذي لا يمكن التخلي عنه، لكنه يحدث للأسف أعراضا جانبية والعضو الأكثر تأثرا هو القلب وكذلك الأوعية الدموية الدقيقة.
هذه الأوعية حساسة لكنها تلعب دورا مهما في فيزيولوجيا الانسان ما يؤثر على كامل الجسم، فتحدُث أمراض عصبية لأن الدماغ لن تصله الكمية الكافية من الأوكسجين والأغذية اللازمة التي يحصل عليها عبر الدم، ونعلم أن الدماغ هو العضو الذي يعني عدم وصول الأوكسجين إليه، أن الشخص سيموت، لذلك فإن عملي يهدف إلى معرفة كيفية حماية الشرايين وحتى الدماغ، وتطوير وسائل وعلاجات وقائية لتجنب تطور أمراض القلب والشرايين.
البطانة الموجودة داخل الشريان مهمة لأنها تضبط كل وظائفه وضح الدم عبر كامل الجسم، وإذا تضررت هذه الطبقة بسبب العلاج بالأشعة أو عوامل أخرى، فإن الشريان لن يعمل ويُعوِّض ذلك بضربات ذات سرعة أكثر، ما قد يسبب أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
أثبتتِ أن العلاج بالأشعة يحفز بروتينا يتلف الأوعية الدموية الدقيقة، لذلك تقترحين حلولا لتثبيط هذا البروتين. ما هي العلاجات التي توصلت إليها؟
بدأت العمل على هذا الأمر في المختبر، وسيتوسع الأمر إلى باحثين من جامعة إيوا بمشاركة مرضى على نطاق واسع. لم نبدأ التطبيق فعلا، وسنستمر في العمل العام المقبل و للثلاث إلى الأربع سنوات المقبلة.
لا يمكن أن أتحدث عن هذه العلاجات على وجه التحديد، لكن هناك أمور سارت على ما يرام على فئران التجارب بالمخبر، وسنحاول إثبات فعاليتها، لو حدث ذلك سننتقل خلال عام أو اثنين إلى التجارب على البشر.
نحن نعتمد علاجات موجودة لكنها غير مستغلة لهذا الهدف، لذلك لا يمكنني التحدث عنها لأنها تبقى سرية. أركز في العمل على ميكانيزم الحمض النووي للميتوكوندريا الذي يسببه العلاج بالأشعة بما يؤثر على الشرايين، و سنرى إن كانت العلاجات الني نقترحها توقف تحفيز البروتين TLR9 المسبب لتلف الأوعية الدموية الدقيقة وبالتالي الوقاية من الأعراض الجانبية للعلاج بالأشعة.
قد نبدأ التجارب السريرية خلال عامين
بفضل هذه الأبحاث تلقيتِ مؤخرا منحة نقدية من الجمعية الأمريكية للسرطان، المرموقة، ما الذي يمثله هذا الانجاز بالنسبة لك؟
هو تمويل ليس كبيرا مقارنة بما يحتاجه البحث العلمي بأمريكا، إذ يقدر بـ 30 ألف دولار، لكنه سيسمح لي بالتحضير لمشروعي الأكبر وهو محاولة التعمق في مسألة تجنب الأعراض الجانبية للعلاج بالأشعة وتجسيد ما أطمح إليه. هذا أمر مهم جدا وشرف لي، لأنه يسمح لي القيام بأشياء كثيرة، وقد بدأت في العمل فعلا من خلال جمع بعض البيانات وإجراء تجارب بالمخبر.
سعدت أيضا لأن هناك أشخاصا آمنوا بأن هذا المشروع بحاجة إلى التطوير وتحسين جودة الحياة لدى المتعافين من السرطان، دون أمراض القلب والشرايين، و زيادة أمل الحياة لديهم من 5 أو 10 سنوات إضافية، إلى عدد سنوات أكبر قد يصل إلى 20 و 30 عاما، خاصة بالنسبة للأطفال الذين نسعى لكي يعيشوا حتى 40 و 50 سنة.
بصراحة لست الوحيدة التي أعمل على هذا المجال، لكنني أركز كثيرا على الدماغ وأعتقد أن ذلك مهم جدا للمرضى و للبحث العلمي وتطوير أدوية.
كان مرضى القلب والأوعية الدموية من أكـثـر الأشخاص تأثرا بفيروس كورونا. ما التفسير العلمي لهذا الأمر من منظور الطب الحيوي؟
ليس لدي تفسير. هناك أوراق علمية كثيرة صدرت وتتحدث عن حساسية هذه الحالات، وفي الحقيقة هذا لا يدخل في مجال عملي.
ما الذي تطمحين إلى تحقيقه مستقبلا؟
بالنسبة لمشروعي، أطمح إلى حماية مرضى السرطان من أمراض القلب والشرايين خلال العلاج بالأشعة، الذي يبقى رغم ذلك علاجا فعالا في غياب علاجات مطلقة.
في المستقبل، أسعى للحصول على تمويل أكبر لمشاريعي، صحيح أنني ما أزال شابة في بداياتها من منظور البحث العلمي، لكن أريد تحقيق هذا الأمر بشكل سريع لأحصل على الاستقلالية في البحث وأسير على الطريق الذي أرى أنني سأنجح فيه.
صحيح أننا نحصل في الولايات المتحدة، على رواتب، لكن الوسيلة الوحيدة للاستمرار في البحث العلمي هي تمويل مشاريعنا من طرف الحكومة وتحديدا من معاهد الصحة الوطينة. سيسمح التمويل بتوظيف علماء والتقدم في الأبحاث.
هل تخططين لنقل معارفك للجزائر؟
بكل تأكيد، الجزائر تبقى دائما بلدي الذي أفتخر بالانتماء إليه، وهدفي المطلق هو تقديم أعمالي وأبحاثي هناك ومشاركتها مع جامعة بجاية والجامعات الأخرى المهتمة بذلك. أقوم بنشر أوراقي العلمية والعديد من الجزائريين يقرأونها. أتمنى أن يكون هناك في المستقبل تعاون مع أطباء وعلماء وباحثين جزائريين، للوصول إلى نتائج أخرى وفهم مشاكل أخرى. لا أعلم كيف يمكن فعل ذلك، أكيد ليس الآن، لكن هذا أمر أريد القيام به.
أطمح لتحقيق الاستقلالية في البحث
في الأخير، ما هي الرسالة التي توجهينها للباحثين الجزائريين الشباب؟
أتمنى من الجزائريين سواء كانوا بالجزائر أو خارجها، أن يؤمنوا بإمكانياتهم، إذ من الممكن تحقيق النجاح والأهداف والأحلام، والتقدم في الحياة. كل شابة غادرت البلاد أو بقيت فيها لغرض البحث العلمي، أقول لها إن تحقيق طموحك ممكن، ما تحتاجينه هو الإرادة، الإصرار والإيمان بنفسك، ورسالتي هي «إذا استطعت أنا القيام بذلك، فأنت أيضا يمكنك القيام بذلك».     
ي.ب

الرجوع إلى الأعلى