أخطط لتقديم دروس للطلبة بالجزائر ومعهد باستور جعلني أدرك معنى البحث العلمي

تكشف عالمة المناعة وعضوة الأكاديمية الأمريكية للعلوم، البروفيسور ياسمين بلقايد، عن تحضيرها لتقديم دروس لفائدة طلبة الجامعات بالجزائر، كما تتحدث في حوار مطوّل للنصر، عن جديد أبحاثها التي تُوظف فهم الميكروبات لتحسين أداء الجهاز المناعي، مع العمل على الكشف عن تداعيات الإصابة بمرض كوفيد 19 على المدى الطويل، و تبرز الأستاذة بجامعة بنسلفانيا والباحثة الأولى في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، الاختلافات التي رصدتها في بيئة البحث العلمي بين فرنسا وأمريكا، لتتطرق إلى مواضيع عدة في أول مقابلة لها مع وسيلة إعلام عربية وجزائرية.

حاورتها: ياسمين بوالجدري

في البداية، هلا أخبرتنا كيف كان لنشأتك بالجزائر دور في تحبيبك في العلوم؟
الكثير من الأشخاص أثروا في خلال طفولتي وجعلوني أصبح عالمة اليوم، وبينهم جدتي الصيدلانية، كما أن جدتي لأبي أثرت في كثيرا بطريقة مختلفة فقد وُلدَت في الحقبة الاستعمارية، وتزوجت وهي صغيرة مثل الكثير من النساء في ذلك الوقت، لكنها فهمت أهمية التعليم، وقد دفعت بناتها للتعلم.
التأثير الآخر كان لأبي وهو مهم جدا بالنسبة لي، أتذكر عندما كنت طفلة، كنا نمضي وقتا كبيرا في التحدث عن كل شيء وطرح الأسئلة بعقول منفتحة. والدي هو السياسي الجزائري أبو بكر بلقايد الذي اغتيل خلال العشرية السوداء وقد شارك في الثورة التحريرية  وقضى جزءا كبيرا من شبابه في السجون والنضال.
أساتذة رائعون درّسوني بجامعة هواري بومدين
أتذكر أنني بدأت أرغب في أن أكون عالمة في سن صغيرة جدا، كنت أراقب النباتات والحيوانات في الريف بالجزائر وهي الطريقة التي اكتشفت عبرها الطبيعة. لقد عشت طفولة سعيدة جدا مع عائلة رائعة كانت تحميني وتثق دائما في، لقد كنت محظوظة فخلال مرحلة المراهقة كان المحيطون بي من عائلة وأقارب أشخاصا إيجابيين. قضيت مرحلتي الطفولة والمراهقة في المطالعة وكنت أقرأ كل ما يقع على يدي.
لمن كنت تحبين القراءة؟
أحببت كثيرا الأدب الروسي، والأدب العالمي عامة وهو الذي جعلني أنفتح على العالم، زيادة على اهتمامي بالأدب الجزائري، أحببت أيضا الخيال العلمي خلال فترة المراهقة.
نلت شهادة البكالوريا سنة 1986 ثم التحقت بجامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا أين حصلت على ماجستير في الكيمياء الحيوية سنة 1993، وقد تزامنت هذه الفترة مع مرحلة البناء التي عاشتها الجزائر بعد عقدين من الاستقلال. كيف عايشت تلك الفترة؟
من الرائع أنني حظيت بفرصة التعلم في بلد تم استحداث جامعات به ومنشآت قاعدية، بعد أن خرج من الاستعمار وهو لا يملك شيئا. لقد أمضيت أوقات غير اعتيادية بجامعة باب الزوار مع أساتذة جادين ورائعين ومحبين جدا لما يقومون به حيث أحبوا حقا نقل معارفهم في الكيمياء الحيوية والمناعة وعلم الجينات. جامعة هواري بومدين كانت بيئة رائعة للتعلم.
أستذكر بأسى عندما بدأت الجزائر تعيش أوقات صعبة، فبانتهاء آخر سنة لي بالجامعة كانت الأمور قد تعقدت أكثر ولم نفهم فعلا ما الذي كان يحصل حينها فبدأ التوتر يزيد بين الطلبة أنفسهم. في الحقيقة لقد رغبت في البقاء بالجزائر ولم أرغب في مغادرتها فقد أردت إكمال أطروحة الدكتوراه بها والبقاء هناك، لكن للأسف، في ذلك الوقت كانت إمكانية إعداد أطروحة دكتوراه بالجزائر غير ممكنة.
شعرت أنني غريبة في فرنسا
لماذا اخترت تخصص الكيمياء الحيوية؟
أعتقد أنني اخترتها بسذاجة، فقد فعلت ذلك لأنها كانت من المواد التي تشهد التنافسية خلال فترة التعليم، لكن في الحقيقة لم تكن فعلا ما أرغب في القيام به، اكتشفت في ما بعد أن ما أريد دراسته حقا هي المناعة، رغم ذلك كان برنامج الكيمياء الحيوية جيدا جدا، لقد كان صعبا وشكل تحد بالنسبة لي.
التحقت بمعهد باستور بالجزائر العاصمة وعملت هناك لفترة قصيرة وأنت طالبة، وقد كانت أول تجربة مهنية فعلية لك. ما الذي ميّزها؟
في معهد باستور بالعاصمة اكتشفت علم الطفيليات وقد بدأت العمل به على تحسين طرق لتشخيص داء الليشمانيات وهي مرحلة أساسية في تطوري كعالمة، حيث كنت مُحاطة بأشخاص متعاونين جدا، وكان الكل لطيفين وساعدوني كطالبة.

اكتشفت هناك ما الذي يعني أن يكون المرء عالما، وأيضا أهمية العلم في المشاكل المتصلة ببلد معين وهذا ما جعلني أدرك أهمية الاشتغال على هذا المرض، وأفهم ما الذي علي فعله.
سافرتِ إلى فرنسا لإعداد أطروحتك حول داء الليشمانيات. كيف كانت بيئة البحث العلمي والحياة هناك عموما وأنت ما تزالين شابة في منتصف العشرينات؟
كنت محظوظة بالسفر مع شقيقتي الأصغر مني إلى فرنسا. لقد كانت السنة الأولى من تواجدنا هناك قاسية جدا، فمغادرة الجزائر كان أمرا صعبا جدا لأنني أحبها ومتعلقة بها كثيرا، زيادة على أنها بلد رائع بطبيعة جميلة وطقس حار، في حين أننا وصلنا إلى باريس شتاءً، وكان الأمر بمثابة صدمة لكلينا فلم أعرف حتى ما الذي علي أن أرتدي.
بيئة البحث العلمي بأمريكا يطبعها المرح
كذلك، كانت العلاقات الإنسانية بفرنسا مختلفة وباردة، وأن تكون جزائريا في فرنسا، فهذا ليس أمرا بسيطا دوما بسبب ترسبات وبقايا توترات بين البلدين. أحسست هناك أنني جزائرية جدا و بأنني غريبة جدا، ولقد مررت بأوقات عصيبة من أجل التكيف أنا وشقيقتي، لكن شيئا فشيئا تعودنا، ومع ذلك لم أحس يوما أنني أعيش في مكاني. لقد عشت هناك تمييزا ما يزال موجودا لليوم، وشعرت فعلا أنني لن أكمل حياتي هناك.
هل كنتِ عرضة للتمييز حتى في بيئة البحث العلمي؟
في الحقيقة، لم تكن تُقل لي أمور بشكل مباشر، لكن التمييز كان يحدث ضمنيا من خلال تعليقات وتلميحات ومواقف، ولم أشعر يوما بأنني أهاجَم بصورة مباشرة. التمييز لم أعشه في المختبر الذي عملت به بل في فرنسا بشكل عام. كان الأمر معقدا.
بقيت في فرنسا لحوالي 5 سنوات تعمقت خلالها في دراسة داء الليشمانيات إلى أن حصلت على درجة الدكتوراه عام 1996 من معهد باستور بفرنسا. ما هي أهم النتائج التي توصلت إليها حينها؟
أردت العمل على الليشمانيات بعدما اكتشفته عن هذا المرض في معهد باستور بالجزائر، حيث التقيت بجين بيار ميلون في معهد باستور بفرنسا، واشتغلنا سويا على أطروحة حول كيفية استقبال الطفيلي المسبب للمرض على مستوى الجلد. لقد حاولت أن افهم ما هي الميكانيزمات التي تسمح للحيوان بالاستجابة بطريقة إيجابية أو سلبية، مع هذا الطفيلي، وفهم ما سيحدث مبكرا ويسمح بنقل الميكروب.
انتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولم تعود إلى الجزائر منذ ذلك الوقت. لماذا؟
في الوقت الذي رغبت فيه في العودة كان الوضع معقدا في الجزائر فقد تم اغتيال والدي (سنة 1995). أحب بلدي لكنه بلد يبقى متصلا بألم كبير لم يُعالج ويبقى جرحا، وأعترف أن هذه من الأسباب التي جعلت مسألة رجوعي إلى الجزائر أمرا صعبا. السبب الثاني هو أنه وبعد بضع سنوات من تواجدي في الولايات المتحدة الأمريكية تعرفت على زوجي وأنجبت طفلي الثاني.
اكتشفتُ أن الميكروبات حليف رائع للمناعة
في حواراتنا السابقة مع العلماء الجزائريين الذين انتقلوا من فرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أجمع هؤلاء على اختلافات جوهرية في بيئة البحث العلمي. هل هذا هو الحال بالنسبة لك؟
عندما وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع طفلي من زواجي الأول، لم أكن أجيد حتى التحدث باللغة الانجليزية، وكان علي التكيف مع هذا الأمر، كما أن الأمر يتعلق ببلد كبير الأشخاص فيه مختلفون جدا، لكنني عشت في البداية بواشنطن وهي مدينة يعيش بها أناس من كل أنحاء العالم، وسط تسامح وتقبل كبير لاختلاف الآخر في الأصول والدين. لقد كان الجميع يعملون على اختلافاتهم، في بيئة واحدة يسودها الاحترام.
على صعيد البحث العلمي، اكتشفت أن طريقة ممارسة الأشخاص للعلوم بالولايات المتحدة، يطبعها المرح والروح الطفولية، وقد أعجبني هذا الجانب كثيرا. في الواقع لم أكن أخطط للاستقرار هنا، فقد اعتقدت أنني سأظل بأمريكا لبضع سنوات ولم يتضح لي جيدا ما الذي سأفعله على المدى الطويل، خاصة بسبب الأوضاع التي كانت تعيشها الجزائر.
مرّت علي لحظات قررت فيها العودة من هذا البلد المختلف كثيرا والبعيد عن عائلتي، لكنني تركت الأمور تسير تلقائيا وقد سارت بشكل جيد!
لماذا اخترت الولايات المتحدة الأمريكية؟
في الواقع لم أخترها، لكنني كنت ما أزال طالبة ولا أعرف جيدا ما الذي علي فعله، لكن الأشخاص الذي تعاملت معهم في فرنسا، اقترحوا علي التعاون مع باحثين في مخابر بالولايات المتحدة الأمريكية فسافرت إليها وأنا غير مقتنعة تماما، لكن في ذلك الوقت كان علي أن أكون مستقلة ماديا، ولم تكن هنالك فرص كثيرة في فرنسا حينها.

ما هي أهم الأبحاث التي اشتغلت عليها في تلك الفترة؟
عندما وصلت إلى الولايات المتحدة بدأت العمل على موضوع كان مبهرا للغاية بالنسبة لي، وهو كيف يمكن لميكروب أن يدخل نسيجا أو جسما ليستقر فيه مدى الحياة، فالليشمانيات مثلا يمكن أن تبقى في جسم الشخص المصاب مدى الحياة، وكان أول تساؤل بدأت التحري حوله هو كيف يمكن لميكروب أن يختبئ وسط النظام المناعي ويستعمل أجسامنا، تماما كمنزله.
لقد اكتشفتُ ميكانيزمات مسؤولة عن صيانة هذه الميكروبات باكتشاف جزيئات مهمة تسمح للجراثيم بالاختباء. أما الجزء الثاني من عملي فكان تحديد خلايا الجهاز المناعي المختصة في صيانة العلاقة بين الميكروبات والجسم المضيف، وقد قضيت وقتا طويلا للإجابة عن هذا السؤال الأساسي، وهذا ما سمح لي بتطوير برنامج بحثي مستقل.
يعتبر التحاقك بالمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة، مرحلة مهمة جدا في مسارك العلمي. كيف التحقت بهذه الهيئة الصحية المرموقة التي تشغلين بها اليوم منصب مديرة برنامج الميكروبيوم؟
عقب بضع سنوات من دراسات ما بعد الدكتوراه، أسست مختبري الأول بمستشفى الأطفال في سينسيناتي بولاية أوهايو، وبدأت في توظيف الباحثين به لمعرفة كيف تساعد الخلايا المناعية، الميكروبات على البقاء في الجهاز المناعي، وبعد أعوام قليلة، تم فتح منصب بالمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، وتواصل معي شخص من هذه الهيئة وسألني إن كنت مهتمة بالالتحاق بها، فأرسلت طلبا وتم قبولي لفتح مخبر على مستواها.
سنة 2005 فتحت مختبري الثاني وبدأت العمل فيه على أشياء مختلفة كثيرا، والبحث عن كيف للميكروبايوتا التي تعيش في الجلد والأمعاء، أن تتحكم في الجهاز المناعي. ما استطعنا التوصل إليه هو أن وجود الميكروبايوتا كان مهما للتحكم في العدوى وبأنه يعلم نظامنا المناعي كيف يواجه العدوى. لقد اكتشفنا أن الميكروبات حليف رائع للمناعة.
عن هذه النقطة تحديدا، طرحت في إحدى محاضراتك الأخيرة مفهوم التعايش بين الميكروبات وجسم الإنسان، كيف تعتقدين أن لهذا المفهوم الجديد أن يغيّر مسار الأبحاث حول النظام المناعي وإيجاد علاجات لأمراض معدية ومستعصية؟
جسم الإنسان هو، إن صح القول، مُركب من الخلايا البشرية والميكروبية، والحقيقة أن عدد الخلايا الميكروبية بأجسامنا أكبر من عدد تلك البشرية، لذلك بدأ العلماء يفكرون منذ سنوات قليلة، في تطوير علاجات لا تتعامل مع الخلايا البشرية فقط بل لا تؤذي الخلايا الميكروبية التي نحن بحاجتها ليس فقط للهضم بل لأجل جهازنا المناعي ككل.
نسعى من خلال أبحاثنا إلى أن نكون قادرين على إدماج الميكروبات في فهمنا للجهاز المناعي، وكذلك الجهاز العصبي فقد ثبت أن الميكروبات تؤثر عليه، وتُحدث القلق والاضطرابات السلوكية، كما تؤثر على الأيض و تسبب مشاكل داء السكري على سبيل المثال.
تلقيت رسائل مؤثرة من الجزائريين بعد انتخابي بأكاديمية العلوم
لقد ظهرت علاجات تعتمد على هذا المفهوم، مثلا في حالة بكتيريا كلوستريديوم العسير التي كان من الصعب القضاء عليها، تبيّن أنها تتطور لدى الأشخاص الذين عولجوا بجرعات قوية من المضادات الحيوية، حيث يتم منذ سنوات قليلة البدء في علاج عدواها بالاعتماد على الميكروبايوت، وهي بداية خط علاجي يستعمل الميكروبات في ترميم قدرة الأفراد على التحكم في الالتهابات.
هنالك دراسات توصلت إلى أن تغيير نوع الميكروب يؤثر على قدرة الفرد على الاستجابة بطريقة إيجابية مع علاج السرطان خاصة في العلاجات المناعية. يتم حاليا تطوير كوكتيل من الميكروبات بخصائص معينة وجزيئات تسمح بتغذية أنواع من الميكروبات.
أعتقد أن السنوات القادمة ستشهد تطوير العديد من العلاجات التي تستخدم الميكروبات لمساعدة الجهاز المناعي والأجهزة الأخرى.
هل يمكن تطبيق هذا الخط العلاجي في حالة مرض كوفيد 19؟
من الصعب حاليا معرفة ذلك، لكن تم التوصل إلى أن المصابين بمرض كوفيد 19 يتعرضون لتغيرات مهمة على مستوى الميكروبات، كما اتضح أن هذا الفيروس المسبب للمرض يمكن أن يدخل للأمعاء ويغير تركيبة الميكروبايوت. لا نعرف بعد كيف يمكن استخدام هذا العلاج في حالة كوفيد، غير أن الأكيد هو أنه وفي حالة التعرض لعدوى فإن هذه الأخيرة موجهة ضد الميكروبات أيضا، والسؤال المطروح هنا، هل يمكن تقليل الالتهاب بتقليص هذه التفاعلات؟
هل أطلقتم أبحاثا حول مرض كوفيد 19 على مستوى مخبركم؟
ساعدنا على مستوى مختبرنا في إعداد أبحاث عن كوفيد 19، عبر مركز البحوث الإنسانية، كما أنني بصدد التعاون مع أشخاص بالولايات المتحدة الأمريكية يتابعون حالات أطفال أصيبوا بالفيروس، وذلك من أجل فهم تداعيات المرض على المدى الطويل بالنسبة لجهاز المناعة و تطور الميكروبايوت، وهي دراسة ستستمر لسنوات.
ما الذي توصلتم إليه لحد الآن بخصوص تأثير فيروس كورونا على الأطفال؟
أي عدوى لها تداعياتها على المدى البعيد، وقد ثبت أن بعض الأطفال أصيبوا بداء كرون، بعد الإصابة بأمراض التهابية. أعتقد أن الأعوام المقبلة سوف تشهد القيام بعمل جبار لفهم هذه التداعيات.
ما يزال فيروس كورونا المستجد يثير قلقا عالميا، وقد دفع العلماء وشركات الأدوية إلى تكثيف عملهم من أجل تطوير لقاحات وعقاقير. رغم ذلك هناك من يتخوف من هذه «السرعة» التي لم تُراع البروتوكولات المعهودة. ما رأيك في هذه النقطة بروفيسور؟
أنا معجبة جدا بالجهود العلمية المبذولة لإيجاد لقاحات وعلاجات تحمي خاصة من دخول المستشفى، لقد رأيتُ كيف أن المجتمع العلمي من كل دول العالم، وحّد جهوده خلال الأزمة الصحية للعمل جماعيا وتعاون و تشارك نتائج الأبحاث، بينما لزم بقية الأشخاص منازلهم بسبب الوباء، لقد كانت أوقات استثنائية. الحقيقة أن الأمور لم تسر بسرعة لكن الباحثين بذلوا جهدا وطاقة هائلة كما أن الأموال التي كان يتطلب جمعها، وقتا طويلا، من أجل القيام بالأبحاث، تم تسخيرها بشكل مكثف، أما في مسألة السلامة، فقد سارت كل الاختبارات بشكل صارم وأنا أثق في ما تم القيام به لأنني شاهدت العملية.
ما يؤسفني ويغضبني، هو طريقة توزيع اللقاحات بطريقة غير عادلة، هذا أمر غير مقبول، فنحن كعلماء لا نعمل لأجل بلد ما، بل من أجل البشرية.
هناك من يرى أن أزمة كورونا أظهرت هوة في الثقة بين العلماء والمجتمعات التي أصبحت تتأثر أكثـر بالأخبار المضللة وبأشخاص غير متخصصين يستغلون منصات التواصل الاجتماعي. كيف يعرقل هذا الأمر جهودكم كعلماء؟
أتأسف كثيرا لغياب هذه الثقة. ينبغي على الناس أن يفهموا أن العلماء هم أشخاص يحبون عملهم ويحبون المساعدة وفهم ما يحصل، حزينة لأن هناك أشخاصا يعتقدون أن العلماء ليسوا حلفاء لهم، فنحن في خدمة البشرية.
ما أؤكده هو أنه لا يتم تسويق أي دواء أو لقاح، قبل مروره على اختبارات صارمة للغاية، وكعالمة أثق تماما في أهمية اللقاحات التي تسمح لنا بالبقاء على قيد الحياة، كما علينا ألا ننسى أن البشر كانوا يموتون بسبب الأمراض المعدية قبل تطوير لقاحات. البشرية محظوظة اليوم بشكل استثنائي بإمكانية الوصول إلى لقاح يسمح لنا ولأطفالنا بالبقاء على قيد الحياة، ويسمح لنا بحماية أنفسنا والآخرين.
قبل اتخاذ أي قرار بخصوص أخذ اللقاح، يجب تجنب الاستماع للأشخاص الذين لا يملكون أية معارف علمية، و قراءة المنشورات العلمية والتحدث إلى الأطباء. لا يجب التأثر بمشاعر الخوف والقلق والفوبيا، وأخذ قرار يُمثل استجابة للخوف وليس للتفكير العقلاني.
أظهرت أبحاثك كيف يؤثر الغذاء غير الصحي و تلوث الجو على المناعة، هل تعتقدين أن مناعة البشرية أصبحت أضعف من ذي قبل، خاصة في ظل الاستهلاك المفرط للمضادات الحيوية؟
حتما! نعيش اليوم في بيئة تختلف كثيرا عن الطريقة التي تطورنا بها، كما أن تناول المضادات الحيوية بجرعات كبيرة يمكن أن يشكل خطورة بتغيير الميكروبات التي تتعايش معنا، التلوث أيضا يغير النظام الالتهابي على مستوى الرئتين، وكذلك في الأمعاء. غذاؤنا أيضا قد يكون ساما إذا كان غنيا جدا بالدهون مثلا، فهو يتوفر على جزئيات تعلّم جهازنا المناعي بطريقة محددة جدا. جسمنا هو مجموعة أعضاء ونظام تجب حمايته، لكن طريقة عيشنا اليوم أصبحت عنيفة أكثر فأكثر على أجسامنا وتسبب أمراضا معدية.
النساء الجزائريات قويات
تم انتخابك كعضوة في الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 2017. ما الذي يمثله بالنسبة لك تواجدك ضمن هذه الهيئة العلمية المرموقة؟
لقد كان ذلك مفاجأة كبيرة بالنسبة لي كامرأة، ثم كامرأة أتت من الجزائر، خاصة أن هذه الهيئة كانت تشهد حضورا أكبر للعلماء الرجال. ما أثر في كثيرا هو أنني تلقيت حينها رسائل مرحبة جدا من جزائريين وجزائريات من كل أنحاء العالم، و كذلك من المسلمين في العالم بأسره. لقد فهمت في ذلك الوقت أهمية تواجدي بالأكاديمية، لي وللأشخاص الذين يرون أنفسهم في شخصي، ولقد تأثرت كثيرا لذلك.
فوزك مؤخرا بجائزة معهد روبرت كوخ الألماني نظير أبحاثك حول الميكروبات والمناعة، كان له هو الآخر صدى كبيرا وسط الجزائريين الذين احتفوا بك على وسائل التواصل الاجتماعي. كيف استقبلت هذا الاحتفاء؟
أنا فخورة وممتنة للغاية ومتأثرة جدا بهذا الاحتفاء. أشعر حقا أنني جزء من المجتمع الجزائري رغم أنني بعيدة عن بلدي. أشعر أنني جزائرية جدا!

هل توقعت الفوز بهذه الجائزة؟
لقد كان الفوز مفاجئا لي، لأن هناك أشخاصا استثنائيين يقومون دائما بالبحث العلمي. الفوز كان نتاج عمل فريق كامل دام لسنوات بمختبري، وقد مدّني بمزيد من الطاقة للاستمرار في نفس الاتجاه. نحن بحاجة إلى أن نتذكر نحن الجزائريون، أننا قادرون على القيام بالكثير سواء في الجزائر أو خارجها.
نشرتِ قبل فترة تغريدة في حسابك على تويتر، تتضمن صورتين إحداهما تضم كامل أعضاء الفريق العامل بمخبرك، والثانية تُظهرهم وقد تم إخفاء وجوه المهاجرين الذين يشكلون في الواقع معظم الفريق، وقد كان ذلك مؤثرا جدا. كيف ساعد هذا التنوع الثقافي في خلق جو محفز على البحث العلمي؟
نشرتُ هذه الصورة خلال فترة حكم دونالد ترامب وتصاعد التيار المعادي للمهاجرين، والمسلي في الأمر هو أن العديد من المخابر أعادت تطبيق نفس الفكرة لإظهار أهمية المهاجرين. في مختبري توجد حوالي 16 جنسية وننتمي جميعا إلى بلدان نحن فخورون بالانتماء إليها، ومن الرائع أن البيئة والثقافة وأصولنا تصنع الاختلافات، بينما يُمثل العلم، الانفتاح على الغير وتحريك الأمور بطرق مختلفة. أعتقد أن العلم يولد من الحوار ومن احترام أفكار الآخرين ومحاولة فهمهم.
هل هناك صعوبات في تمكين المرأة بالولايات المتحدة الأمريكية؟
عندما كنت في الجامعة ومعهد باستور بالجزائر، وكذلك خلال فترة الطفولة، لاحظت أن النساء في الجزائر لهن فعلا صوت ومناصب قيادية سواء في الطب أو الحقوق وغيرهما، لكن عندما وصلت للولايات المتحدة الأمريكية وجدت أن الأمور أكثر تقليدية مما كنت أظن، حيث وجدت فرقا كبيرا في قدرة النساء على الوصول إلى مراكز السلطة. الأمور بدأت تتغير اليوم في مكان عملي، لكن معظم المسؤولين على المخابر كانوا رجالا، إلى درجة أنني لم أكن واثقة بأنه يمكن أن أكون مستقلة عندما أنهيت عملي في معهد الحساسية والأمراض المعدية. ما زال الطريق مستمرا أمام النساء في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة للوصول إلى مراكز السلطة.
يقودنا هذا إلى الحديث عن طبيب أمريكا الأول، البروفيسور أنتوني فاوتشي، باعتباره مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الذي تعملين به، حيث برز اسمه خلال جائحة كورونا بسبب خلافاته مع ترامب حول إدارة الأزمة الصحية. هل جمعتك مواقف معينة بهذا الرجل؟
دكتور فاوتشي شخص ومدير رائع، حيث يحترم العلم بشكل كبير جدا، ويحميه لكي لا يتأثر بالسياسة، كما أنه يحرص على التواصل مع العاملين بالمعهد رغم كبر عددهم، فهو شخص فهم قبل الكثير من العلماء، أهمية التواصل بخصوص لقاحات كورونا، مع السياسيين والجمهور، وهو نهج كان يتبعه منذ سنوات. الدكتور فاوتشي استمر في الدفاع عن أفكاره ضد ترامب بشكل مثير للإعجاب، وهو ما يزال لليوم مستهدفا بشكل غير مبرر، حتى أنه محمي بحراس شخصيين.
فخورة بكوني جزائرية
ما هي الرسالة التي قد ترغبين في توجيهها للنساء الجزائريات وبالأخص الباحثات والفتيات اللواتي يتطلعن إلى أن يكن عالمات مستقبلا؟
النساء الجزائريات استثنائيات وقويات جدا، وأعتقد أنه من المهم البدء في التعاون مع أشخاص في الجزائر، حيث أناقش حاليا مع البروفيسور مريم مراد إمكانية استحداث دروس في الجزائر من أجل مساعدة العلماء الشباب، وبينهم النساء، على أن يكونوا مستقلين ويحصلوا على فرص جديدة.
هل أنت مستعدة للمساهمة في البحث العلمي بالجزائر؟
بالطبع وأحلم بهذا.
لكن، هل تواصلت معك جامعات أو هيئات جزائرية بهذا الخصوص؟
كلا، لكنني راغبة حقا في أن أقدم لبلدي ما قدمه لي من قبل فهو جعلني أصبح على ما أنا عليه اليوم.
هل لديك كلمة أخيرة تودّين ربما قولها؟
فخورة جدا بكوني جزائرية واشتقت للجزائر. شكرا على العمل الذي تقومون به، فمن الرائع إعطاء قيمة للعلماء الجزائريين وجعلهم يشعرون بالانتماء إلى الجزائر فهذا ما أحس به الآن.
ي.ب

الرجوع إلى الأعلى