أحــاول الحفـــاظ علـى الحكايـات القديمـة ونقلهـا للأجيــال الجديـــدة
* أطفالنا متعطشون للحكاية
انتقدت الحكواتية آسيا العفي واقع الحكواتي و الحكاية، مشيرة إلى تعطش الأطفال لسماع الحكايات باستمرار، لكن نقص الاهتمام ابها، حسبها، وراء حرمان الأجيال الجديدة من الحكم و العبر و قيم الأجداد التي لن توفرها وسائل أخرى، كما تحدثت في حوارها مع النصر، عن علاقتها بالشعر، و قصائدها التي خصصتها لعالم الطفل و المرأة و حي القصبة العريق، و كذا مآل الحكاية الشعبية و جوانب عديدة في مسارها كحكواتية شاعرة ، تحمل خبرة عقدين من الزمن في مجال الفن و الثقافة و الإبداع.

تنفست الحكاية منذ الطفولة و كبرت معها
.النصر: متى بدأت علاقة آسيا العفي، بعالم الحكاية؟
ـ آسيا العفي: بدأت علاقتي بالحكاية منذ أزيد من 20 سنة، و بالموازاة مع ذلك كنت و لا أزال أكتب الشعر للأطفال، بالدارجة و اللغة الفرنسية، و أحاول من خلال قصائدي، معالجة كل المواضيع التي تتعلق بالبراعم، كحقوق الطفل، احتياجاته و معاناته، كما أكتب عن المرأة و عن حي القصبة العتيق بالجزائر العاصمة، و كل تفاصيله الهندسية و التاريخية و الاجتماعية و التراثية.
. من أين تستقين الحكايات التي تقدمينها للجمهور؟
ـ كبرت مع الحكاية، و عشت في وسط يتنفس الحكاية، و حفظت منذ الصغر الحكايات و عشقت القراءة و اللغات، ما ساعدني على اكتساب مهارة حفظ و سرد الحكايات، «المحاجيات و الخرايفات» التي كانت ترويها الجدات بحي القصبة العتيقة بالجزائر العاصمة، مسقط رأسي، كل ذلك أثر في شخصيتي، و جعلني أحفظ عن ظهر قلب «بقرة اليتامى»، «القبر المنسي» و «عساس الدار».. و عددا هائلا من الحكايات الجزائرية القديمة.
إن الجزائر غنية جدا بالحكايات الشعبية، الخرافات و الألغاز التي تتشابه، رغم اختلاف اللهجات من منطقة إلى أخرى، فحتى معالمها تروي خرافات، لا نزال نحفظها عن ظهر قلب، كقصر «خداوج العمياء»، «دار المعكرة»، «الأميرتان»، «متحف البحرية» و غيرها من المعالم، التي ترسخ إلى اليوم قصصا و أساطير و خرافات تأبى الاندثار.
أسرد الحكايات  و الألغاز القديمة و أبدع أخرى جديدة
. هل لديك مصادر أخرى للحكاية؟
ـ أحاول الحفاظ على كل الحكايات القديمة، و نقلها للأجيال الجديدة، لكنني في نفس الوقت أؤلف حكايات جديدة،  بناء على واقع الطفل الجزائري اليوم، و قد ألفت مثلا حكايات خاصة بأطفال دور الحضانة، ركزت فيها على طريقة السرد المشوقة التي أستعين بها، لجلب انتباه الأطفال، و جمعهم حول جلسات الحكاية، مع استعمال مفردات بسيطة و مفهومة، و جمل قصيرة و مختصرة، لكي لا يمل الطفل، و يطلب الحكاية مرة ثانية،  أو يطالب بمواصلة الحكاية.
. هل تكتفين بالحكاية فقط؟
ـ لا، لا بد أن أخبركم أن الطفل الجزائري ذكي جدا، و يعشق شيئا آخر، غير الحكاية ، و هو الألغاز، و أحاول استغلال ذلك بتقديم ألغاز قديمة و أحاول ابتكار أخرى جديدة و بسيطة تعلم القيم، كتلك التي تكون حلولها عبارة عن أنواع من الخضر، الفواكه و أشياء أخرى معروفة..

أطالب بإدراج الحكاية في المناهج التعليمية
. ما رأيك في واقع الحكاية في الجزائر اليوم؟
ـ كنت في السابق أتلقى دعوات من طرف المكتبات و الأحياء الشعبية و الراقية، لكن تقلص الطلب حاليا، على تنشيط الجلسات الحكواتية الموجهة  للأطفال.
أؤكد لكم أن أطفال الجزائر يعشقون الحكاية الجزائرية الشعبية كثيرا و يحبون سماعها إلى درجة لا توصف، لكن للأسف،  لا نجد اليوم كحكواتيين، اهتماما من طرف المسيرين و الهيئات المعنية بتنظيم مثل هذه الجلسات. حتى و إن طرقت أبواب المدارس لعرض خدماتي مجانا، أقابل بالرفض من طرف الإدارة، التي تقول أن ذلك ممنوع، و هذا ما أعتبره خطأ فادحا، يساهم في طمس الحكاية الشعبية من أذهان الأطفال. أرى أنه من الضروري إدراج الحكاية في المناهج التربوية، للحفاظ عليها و الاستفادة منها، لبناء جيل مشبع بقيم و مبادئ الأجداد.
أود أن أشير إلى أمر مهم، بدل أن يشغل الأولياء أبناءهم الصغار بالهواتف الذكية و الألواح الإلكترونية، عليهم أن يعودوهم على القراءة و الحفاظ على عادة حكاية قبل النوم، التي لها تأثير عجيب على الحالة النفسية و العقلية للطفل، خاصة خلال مراحل معينة من العمر.
حصص الأطفال في الإذاعة و التليفزيون مطلب تربوي هام
. ما الذي نحتاجه للحفاظ على الحكاية؟
ـ طلبت مرارا و تكرارا، تنشيط حصص كتلك التي كانت تقدم في السابق عبر التلفزيون أو الإذاعة، لكن للأسف لا توجد آذانا صاغية، بتنا نهتم بتغذية البطون، أكثر من العقول، ففي الوقت الذي تنتشر فيه حصص الطبخ عبر جميع القنوات، كالفطريات، لا يتم تخصيص و لو نصف ساعة، لما يغذي و يربي الطفل أكثر من أي شيء آخر.

. أين تقدمين حكاياتك اليوم؟
ـ ألبي بعض الدعوات التي تصلني في مختلف المناسبات، من قبل المدارس الخاصة، دور الحضانة، الملتقيات، الأيام الوطنية، السفارات، و بشكل خاص المستشفيات، التي كنت أزورها مرتين أسبوعيا على الأقل، قبل الجائحة، على سبيل التطوع ، و رغبة مني في إدخال البهجة و السرور على قلوب الأطفال المرضى الذين أهتم بهم منذ بداية نشاطي في مجال الحكاية، إضافة إلى الفضاءات الخاصة، أين يجتمع حولي الأطفال بشكل كبير. و برصيدي مشاركات دولية، في تونس خاصة، حيث قدمت حكايات جزائرية أصيلة باللهجة الجزائرية،و حظيت بإعجاب و صدى واسع وسط الأشقاء بتونس.
عدد الحكواتيين في تزايد و لا يوجد قانون لتنظيم النشاط
. حدثينا عن واقع الحكواتي اليوم في بلادنا..
ـ للأسف، لا يوجد قانون الحكواتي في الجزائر، و حتى الحكواتيين أنفسهم،  لا يساعدون بعضهم البعض، بل على العكس، يعملون على تحطيم بعضهم البعض، و أشير هنا إلى معلومة مغلوطة، مفادها أن عدد الحكواتيين تقلص، في حين يتزايد، لكنهم ينشطون بطريقة عشوائية،  لا تخدم لا النشاط و لا المهنيين.
أطمح لنشر حكاياتي في كتب
. رغم كل هذه الصعوبات، لا تزالين تحبين الحكاية، و تقومين بسردها بأسلوب شيق أرى أنه يسحر الكبير أكثـر من الصغير..
ـ نعم .. لا أزال أحكي و لن أتوقف عن ذلك، إلى آخر نفس في حياتي، سأعمل على إيصال رسالة الأجداد الذين حتى و إن لم يدرسوا و لم يحصلوا على شهادات، إلا أنهم نجحوا في تربية أجيال، بكلام نظيف و قيم و عبر، تنبع من حكايات بسيطة.

. كيف تحافظين على الحكايات القديمة؟ هل تعملين على تلقينها للأجيال الجديدة؟
ـ تعلمنا الحكايات القديمة، و أتمنى أن تبقى راسخة في عقول الأجيال القادمة، و لا تنسى و لا تندثر، عن نفسي أطمح لتوثيق هذه الحكايات للحفاظ عليها، لكن لا يوجد من يدعمني لأتمكن من طبعها و نشرها في كتب خاصة، ما جعلني أدون الحكايات بخط يدي، للحفاظ عليها، هي جزء من هويتنا و تراثنا، و نحن ملزمون بحمايتها بأي طريقة.
حاورتها: إيمان زياري

 

الرجوع إلى الأعلى