قالت مراسلة قناة الجزيرة مباشر، بقطاع غزة في فلسطين المحتلة الصحفية غالية حمد، إن الواقع الإنساني أسوأ  بكثير مما تتحدث أو تنقله وسائل الإعلام، و كشفت أن عدد الأطفال الذين قتلوا في غزة أكبر من 4000 و يتخطى الأرقام المصرح بها في ظل بقاء الآلاف تحت الأنقاض، معتبرة أن هذه الإبادة الجماعية ستبقى لوقت طويل عارا على الإنسانية و على جبين كل من وقف متفرجا أمام ما يحدث.

حاورتها: إيمان زياري

الصحفية علقت في حوار مع النصر، رافقته أصوات القصف والانفجارات، بأن غزة تموت موتا بطيئا  ومؤلما، وقالت إن مهمة الإعلاميين هناك تقضي بكشف فضائع العدوان مهما كانت ظروف التغطية خطيرة، لأنه واجب إنساني و وطني ومسؤولية تجاه من قتلوا و يقتلون، كما تحدثت عن النازحين و تفاصيل أخرى.
نشهد مجازر حقيقة على الأرض
النصر: حدثينا عن الواقع بغزة بعين المواطن و الصحفي الذي يعيش وسط القصف و العدوان منذ السابع من أكتوبر الماضي؟
ـ غالية حمد: الواقع الإنساني أسوأ مما تصوره وسائل الإعلام، وأفضع من كل التوقعات و التخيلات، النازحون يشكلون أكثر من ثلثي السكان   ويعيشون بلا ماء و بلا كهرباء و بلا أساسيات الحياة من طعام و شراب   ومأوى، يبيتون في العراء أو في خيام مصنوعة من أغطية لا تقي من تقلبات الطقس الذي زاد الوضع سوءا بعدما اشتد البرد و هطل المطر بسبب انعدام الملابس الشتوية، فكل من نزحوا من منازلهم خرجوا بملابس صيفية و لم يتوقعوا أن يطول العدوان إلى هذا الحد، و لم يعتقدوا حتى أن تحول الصهيونية قطاع غزة إلى أوصال مقطعة و تمنع أي أحد من العودة إلى منزله، و تترك جثث الشهداء في الشوارع لأيام و لأسابيع         وتستبيح المدارس والمساجد و تحول المشافي الطبية إلى ساحات حرب تقتل بعض من فيها و تحاصر البقية و تعتقل بلا حساب و تنفذ مجازر حقيقة على الأرض.
ـ  كيف تتعاملون مع الوضع و كيف تستقبلون ردود الفعل الدولية السطحية تجاه ما يحصل من مجازر ضد العزل و الأطفال؟
ـ الجمود الدولي ترجمة لموقف أمريكا و الغرب الداعمين للاحتلال في هذه الإبادة الجماعية، التي ستبقى لوقت طويل عارا على جبين الإنسانية وجبين كل من وقف متفرجا أمام ما يحدث، لأن غزة تموت موتا بطيئا ومؤلما عندما يصاب الجريح في غرفة المشفى بقصف آخر فيموت       وعندما يعدم المواطنون العزل عند ما يسميه الإسرائيليون بالممرات الآمنة، ويقتل الرجال أمام أعين أبنائهم و نسائهم و أمهاتهم ثم يلقون على قارعة الطريق.
 الصهاينة يتصرفون اليوم، و كأن هذا العالم غابة، وحتى داخل الغابة الحقيقية تكون هناك بعض القوانين، فيما يغيب الضمير كليا في غزة منذ بداية الحرب والعدوان قبل أكثر من شهر.
دمر القصف بيتي و أغامر بترك بناتي يوميا لمواصلة التغطية
ـ  كيف تمارسون عملكم في ظل هذه الظروف و في قلب حرب دامية لا تستثني أحدا؟
ـ صار العمل الصحفي في غاية الخطورة، وقد فقدنا منذ بداية الحرب أكثر من 40 صحفيا، من زملاء لنا ارتقوا شهداء أثناء تأدية واجبهم المهني و أثناء انهيار بيوتهم بفعل القصف، العمل الصحفي اليوم مغامرة حقيقية، لكنه واجب أيضا وقد فرض علينا في ظل تعتيم و قطع الاحتلال للاتصالات عن غزة، بالنسبة لنا فإنها مهمة إنسانية و واجب وطني تجاه الأطفال و الضحايا الذين لا يمكن أن تمر آلامهم وأرواحهم مرورا صامتا إن توقفنا نحن عن العمل، و عليه و رغم كل ألمي فأنا مضطرة كل يوم للخروج و ترك بناتي في مكان نزوحي الجديد بعد ترك لبيتي  ، عقب تلقي خبر تدميره بالكامل قبل أيام.
ـ  هل أرقام  الضحايا و الشهداء حقيقية أم أن الواقع أمر بكثير؟
ـ أعلن عن استشهاد أكثر من 4 آلاف طفل بسبب الغارات الصهيونية على غزة، لكن أؤكد لكم من موقعي أن الرقم أكبر بكثير من ذلك، في ظل وجود آلاف  الجثث تحت الأنقاض، و لذلك و لأجل كل هؤلاء الأطفال فإن العمل الصحفي مهم جدا اليوم و واجب على كل إنسان حر   كما أنه من واجب كل عربي و مسلم في هذا العالم، أن يتكلم عن غزة    وأن لا يتركها تموت وحيدة، و لا يدع الاحتلال تدق عنق الحقيقة بعيدا عن أعين العالم و عن الرواية الصحيحة.
ـ  حقق الفيديو الذي ظهرت خلاله رفقة ابنتك وأنت تقومين بتغطية الحدث مباشرة تفاعلا كبيرا عبر مواقع التواصل عربيا و دوليا، كيف تعملين في ظل استهداف العدوان للصحفيين و عائلاتهم؟
ـ ابنتي كمعظم أطفال غزة، تحولت من طفلة صغيرة و سعيدة إلى طفلة خائفة و تبكي ملتصقة بي، لم تعد تنام إلا و هي تهذي بذكريات البيت    و تتحدث عن رغبتها في العودة إليه، ثم تبكي لساعة أو نصف ساعة قبل أن تنام، و تصحو مرات عديدة على أصوات القصف الذي لا يتوقف وحال صغيرتي ليس أفضل من حال كل الأطفال الذين يعيشون واقعا مريرا في القطاع بسبب الأمراض و الأوبئة في المراكز المكتظة بالنازحين، وأعتقد هنا، أني ولأجل كل هؤلاء مطالبة بالاستمرار في  أداء الرسالة و إيصال الصوت و حقيقة عن المعاناة الرهيبة التي تمر بها غزة اليوم بلا مياه و بلا كهرباء و لا وقود و لا حياة، وبلا حد أدنى من الأمان، يحدث كل هذا في وطن يصدر الوقود و النفط إلى العالم و يتجاهل أن غزة محرومة و تموت في صمت أمام مرأى الجميع.

الرجوع إلى الأعلى