تُسجل ولاية قسنطينة في الآونة الأخيرة، عودة لظاهرة سرقة الحديد والنحاس من مختلف المنشآت، وأصبحت الأحياء الواقعة في المجمعات الجديدة هدفا للصوص المعادن، بحيث يتم تجريدها من الكوابل والأبواب الحديدية وحتى من الحنفيات والبالوعات وغيرها، فيما أنعشت هذه السرقات التي سببت خسائر للأشخاص والمؤسسات، نشاط السوق السوداء التي وصل فيها سعر كيلوغرام الحديد إلى 35 دينارا.

تحقيق: حاتم بن كحول
وتحدث السرقات بشكل كبير في المجمعات السكنية حديثة النشأة ببلديات الخروب وقسنطينة وعين سمارة وبالمقاطعة الإدارية علي منجلي، وقد تفشت مؤخرا في مختلف أحياء الولاية، حيث يستهدف اللصوص، الحواجز والبالوعات وأغطيتها الحديدية، فاتحين المجال أمام ولوج كل المواد الصلبة داخل قنوات تصريف المياه ما يسبب انسدادها في ما بعد، وحدثت عدة سرقات تخص هذا النوع من الحديد الذي يعد الأكثر طلبا في سوق بيع وشراء المعادن، بالنظر لمتانته و وزنه الكبير.
ففي بلدية عين سمارة، تفاجأ مسؤولون بسرقة بالوعات حديدية بأحد الأحياء، وذلك من طرف مجهولين، ما حتّم إعادة اقتناء أخرى و وضعها في مكان تلك المسروقة، وأكد نائب رئيس البلدية، سفيان دقيش، للنصر، إنه يستغرب سرقة مثل هذه الوسائل المستعملة في الوقاية وحفظ الصحة العمومية، خاصة أن غيابها يشكل خطرا على المواطنين سواء من خلال التسبب في حوادث مرور، أو تشكّل فيضانات عند تساقط الأمطار.
كما حدثت عدة سرقات للبالوعات في علي منجلي، وكان آخرها بالوحدة الجوارية 8، حيث يقول أحد سكان الحي إنه وبعد القيام بعمليات إعادة التهيئة للوحدة من طرف مؤسسة «إيفانام»، اتفق قاطنو إحدى العمارات على وضع بالوعات لتصريف المياه تفاديا لتجمعها وسط مدخل البناية، إلا أنهم تفاجأوا في اليوم الموالي بسرقتها، و هو ما يجعل الأطفال الصغار عرضة للسقوط داخلها.
وامتدت يد «مافيا» الحديد والنحاس، إلى المرافق الترفيهية، أين تمت سرقة سلاسل الأرجوحات وأجزاء حديدية مكونة لبعض الألعاب، على غرار الحديقة الواقعة في الوحدة الجوارية 8، أين جُردت 7 أرجوحات من السلاسل ما حال دون استغلالها من طرف الأطفال، كما هو الحال مع حديقة تقع في الطريق الرابط بين زواغي والمطار.
كما وضعت عصابات سرقة الحديد، السكة الحديدية كهدف جديد لها، وقد تمكنت شرطة قسنطينة من توقيف شخصين قبل أيام بوسط المدينة، بعدما اتُهما بسرقة قضبان حديدية باستعمال أدوات ومفاتيح مصطنعة ليلا، مع استحضار مركبة لتسهيل الهروب، حيث استهدفا 16 قطعة كبيرة الحجم انتُزعت من خط السكة الحديدية بين قطاع حامة بوزيان ومدينة قسنطينة، كما أن عدة رحلات قطار تأجلت بسبب هذه الظاهرة التي تشكل خطرا كبيرا على الركاب.
استهداف أنابيب التوصيل بالسكنات الجديدة
وأصبحت العصابات تستهدف أيضا الشقق الشاغرة، حيث قامت بعشرات العمليات التي مست المجمعات السكنية الجديدة، على غرار التوسعتين الغربية والجنوبية في علي منجلي، والقطبين الجديدين ماسينيسا وعين نحاس، ويستغل اللصوص تأخر التحاق أصحاب السكنات بها، من أجل سرقة كل ما هو مصنوع من حديد أو نحاس، حتى عدادات الغاز والكهرباء، مع الخطورة الكبيرة التي تترتب عن ذلك.
و تمكنت الشرطة خلال الأسابيع الماضية من توقيف عشرات الأشخاص، متهمين بسرقة توصيلات الغاز المصنوعة من مادة النحاس، آخرها كان توقيف شابين يبلغان من العمر 19 و20 سنة، ضبطا متلبسين بسرقة أنابيب نحاسية خاصة بتوصيلات غاز المدينة في حي بكيرة، وذلك داخل عمارات عبارة عن ورشات، وقد ضبط بحوزتهما كيسان من الأنابيب وقفازات وأدوات تستعمل في التقطيع.
وفي حادثة غريبة، استيقظ قبل أيام، مواطن يقطن بأحد الأقطاب العمرانية الجديدة، ليجد أن باب سكنه الخارجي والمصنوع من الحديد قد سُرق، و ذلك بعدما أصبحت هذه الأبواب هدفا للعصابات، لاسيما في الشقق التي لم يلتحق بها أصحابها في عدة مناطق بعلي منجلي.
كما سُرقت مؤخرا، توصيلات المبردات المثبتة في الطوابق الأرضية، سواء الخاصة بالسكنات أو المحلات بالمقاطعة الإدارية، والأكثر من ذلك فقد قام اللصوص بالاستيلاء على الكوابل النحاسية الموصولة خارجيا بمكيفات مندوبية علي منجلي 1 داخل الحي الإداري. وبحي بوذراع صالح تم نهب حديد الأساسات ببناية مهجورة ما جعلها عرضة للانهيار.
طرق وأحياء تغرق في الظلام بسبب سرقة الكوابل
وتحولت مافيا الحديد إلى الممتلكات العمومية أيضا، واستهدفت كوابل كهربائية تنير طرق رئيسية بين المدن، على غرار ما حدث بالطريق الرابط بين الموزينة والبعراوية، وكذا بين محور دوران صالح دراجي باتجاه علي منجلي، و بمفترق الطرق الأربعة نحو طريق الوزن الثقيل، ما تسبب في ظلام حالك بهذه المسالك الحيوية، وهو ما قد يؤدي إلى وقوع حوادث مرور خطيرة.
كما تمت خلال الفترة الماضية، سرقة 30 مترا من كابل الكهرباء الذي يستغل في إنارة نفق مخرج علي منجلي نحو مفترق الطرق الأربعة، إضافة إلى محول كهربائي يشغل خط الترامواي من علي منجلي إلى قسنطينة، ما تسبب في توقف العربات.
ولم تسلم كوابل الإنارة العمومية من السرقات التي أدخلت أحياء بالمقاطعة الإدارية علي منجلي، في ظلام دامس كل مساء، على غرار ما سُجل في الوحدات الجوارية 9 و1 و6 و8 و7 و13 و16، كما تم نهب كوابل أخرى في أحياء بمدينة الخروب، فيما وقعت عدة حوادث أدت لوفاة شباب ومراهقين بصعقات كهربائية أثناء محاولتهم السرقة.
وقد أوردت شرطة قسنطينة قبل أسابيع، أنها قامت بتوقيف سارقي كوابل كهربائية خاصة بالإنارة العمومية في مدينتي ماسينيسا بالخروب، وذلك بعد دوريات عادية للفرقة المتنقلة للشرطة القضائية، حيث ضُبط لديهما مفتاح ميكانيكي وكماشة، بالإضافة إلى كابل ملفوف وكذا أجزاء مقطعة منه، وهي قضايا تكررت في عين سمارة وبكيرة.


بلديات ومؤسسات تتكبد خسائر مادية معتبرة
وتسببت سرقة الكوابل الكهربائية في تكبد بلديات خسائر مادية معتبرة، على غرار الخروب وقسنطينة وعين سمارة وحامة بوزيان، ومؤسسات عمومية وخاصة منها «سياكو» و«سونلغاز» و«اتصالات الجزائر» وكذلك «سيترام» المسيرة للترامواي.
وحسب الحصيلة التي تعدها مؤسسة «سونلغاز» قسنطينة، فقد تعرضت لعشرات السرقات الخاصة بالكوابل ما كبدها خسائر مادية معتبرة جدا، كما أكد مدير المؤسسة البلدية للإنارة العمومية «أوتراب»، أن مصالحه وقفت على تفشي هذه الظاهرة، ممثلا أنه تم نهب الكوابل النحاسية على مسافة 370 مترا في مدخل علي منجلي، ما أدخل سكان منطقة مفترق الطرق الأربعة في الظلام.
أما رئيس بلدية الخروب، فقال إن مصالحه تتكبد أيضا خسائر مادية كبيرة، جراء سرقة كوابل الإنارة العمومية في كل مرة، موضحا أنه خصص مبلغ مليار و200 مليون سنتيم، لإعادة الإنارة على مستوى الطريق الرابط بين الموزينة و البعراوية.
كميات توجه من قسنطينة إلى التلاغمة
وعلمت النصر من بعض الشباب الذين ينشطون في مجال بيع الحديد والنحاس، أن سبب عودة ظاهرة سرقة المعادن، هو تضاعف سعرها بمرتين في السوق، ويقول سليمان القاطن في علي منجلي، إنه يقوم بجمع كل ما هو مصنوع من حديد أو نحاس لبيعه في ولاية ميلة. وأضاف محدثنا أن جل بائعي هذه المواد يتجهون مباشرة بعد تجميع كميات كبيرة منها، إلى مناطق قرية بن بولعيد وتلاغمة وأولاد سمايل، من أجل بيعها لأصحاب حظائر تجميع مختلف المواد. و تتوجه، يوميا، عشرات المركبات الصغيرة من نوع «هاربيل» وكذا شاحنات صغيرة من نوع «404» و «مازدا» جلها ذات ترقيم ولاية ميلة، من علي منجلي نحو الطريق المؤدي إلى عين سمارة، ومنها إلى قرية بن بولعيد ثم مختلف أحياء مدينة تلاغمة أين تنتشر حظائر تجميع المواد الحديدية والنحاسية والبلاستيكية، كما يعرف نفس الطريق مرور عدد معتبر من الشاحنات الكبيرة والصغيرة وهي شاغرة صباحا لتعود محملة بكميات معتبرة مساء.
تضاعف سعر كيلوغرام الحديد بمرتين
اتصلنا بشخص يشتري هذه المواد، يقطن في منطقة أولاد سمايل بميلة، وتظاهرنا أننا نملك كميات من الحديد ونرغب في بيعها، فاستفسر منا إن كان نوع الحديد خفيفا أو ثقيلا لأن السعر يختلف بينهما، كما سأل عن حجم الكمية التي نحوزها، وبعد تبادل أطراف الحديث، وتظاهرنا بأننا نملك كمية كبيرة من الحديد مختلط بين ثقيل وخفيف، رد أنه مستعد لشراء الكيلوغرام الواحد من النوع الثقيل مقابل 35 دينارا، و33 دينارا، بالنسبة للخفيف، مشددا علينا بجلبه في نفس اليوم من أجل الإسراع في عملية البيع والشراء. وعلمنا من الشاب نصرو الناشط في بيع المواد الحديدية والنحاسية والبلاستيكية لأشخاص في التلاغمة، أن سعر الكيلوغرام الواحد تضاعف مرتين مقارنة بما كان عليه قبل سنتين، أين كانت قيمته لا تزيد عن 15 دينارا ثم ارتفعت منتصف سنة 2020 إلى 28 دينارا، لتصل هذا العام إلى 35 دينارا، وهو سبب الإقبال على الحديد حسبه، مضيفا أن مادة النحاس تضاعف ثمنها أيضا في السوق السوداء.
كما أخبرنا مهدي وهو شاب يقطن في علي منجلي، يمارس النشاط ذاته، أن العديد من الأشخاص الذي يجمعون الكميات بميلة، لا يقومون بإعادة تدويرها بل يقومون بتصفيتها ويتم انتقاء كل نوع من الحديد في شكل مجموعات، ثم تٌباع بأسعار
مضاعفة.                                            ح.ب

الرجوع إلى الأعلى