اكتشف باحثان جزائريان من جمعية إيكو سيرتا  بقسنطينة، وسطا حيويا جديدا لطائر كاسر الجوز الجزائري، الذي يعد من أندر أصناف الطيور في العالم و التي تستوطن في الجزائر فقط، حيث تم نشر هذا العمل العلمي في دورية أورنيتوس العلمية الفرنسية (Ornithos) ، إثر اكتشاف سادس موطن لعيشها في الغابات الجزائرية بمنطقة جبل الجردة ببلدية تاكسنة بولاية جيجل.
إعداد :  لقمان  قوادري
 وقد ارتأت النصر، أن تخصص عدد الصفحة الخضراء لهذا الأسبوع لتسليط الضوء على هذا الاكتشاف العلمي الهام، والذي سينشر لأول مرة في جريدة وطنية، حيث من شأن هذا البحث أن يفتح آفاقا جديدة للباحثين والمختصين من أجل اكتشاف مواطن جديدة للطائر النادر، كما من شأنه أن ينبه السلطات ويحثها أكثر على الاهتمام بالأصناف المهددة بالانقراض واتخاذ إجراءات ميدانية تعنى بحمايتها من الأخطار المحدقة بها.    
والتقت النصر، بأحد الباحثين اللذين اكتشفا وجود هذا الطائر بأعالي منطقة تاكسنة بولاية جيجل، وهو الدكتور حداد كريم المتخرج من أكاديمية «أوديسا» الأوكرانية المتخصصة في تكنولوجيات الأغذية، حيث قال إن اكتشاف وسط حيوي جديد لطائر كاسر الجوز الجزائري، بهذه المنطقة يعد السادس من نوعه عبر الغابات الجزائرية، إذ يعود أول اكتشاف إلى سنة 1975م أين تمكن المهندس الزراعي البلجيكي «جون بول لودون» من العثور عليه بجبل البابور، بعد خرجات علمية كثيرة بالمنطقة.
وذكر الباحث كريم حداد، أن البروفيسور بلطرش محمد اكتشف أوساطا حيوية لعيش هذا الطائر النادر، في ثلاث غابات أخرى، ويتعلق الأمر بالحظيرة الوطنية تازا وغابتي تمنتوت وجيملة بجيجل وذلك ما بين سنوات 1989م و 1990، قبل أن يحدد البروفيسور مولاي رياض مكانا خامسا لعيشه بشعبة الزان ببلدية وجانة بذات الولاية في شهر ماي 2018م.
ويشير الناشط الجمعوي الدكتور حداد، إلى أنه انطلق رفقة زميله الباحث والطبيب البيطري عافوتني العربي من فرضية وجود أوساط أخرى لوجود هذا الطائر في أماكن أخرى، كما افترضا أنه من المستحيل أن يعيش في منطقة معينة دون أخرى، حيث تم اختيار مكان قريب من الأوساط التي يعيش فيها ويتعلق الأمر بغابة جبل الجردة ببلدية تاكسنة، مبرزا أنهما كانا يحوزان على رصيد معرفي  دقيق عن شكل الطائر وطريقة عيشه، فضلا عن الأصوات التي يصدرها، فكل طائر من بين حوالي 10400 نوع يوجد في الطبيعة، يمتلك صوتا خاصا به حتى ولو كان يقوم بتقليد أصوات طيور أخرى.
اكتشاف في 20 أكتوبر 2018 و خرجات دورية لتأكيد تواجده
وبعد التدقيق والبحث، تم التعرف على هذا الطائر في يوم 20 أكتوبر 2018 وذلك خلال رحلة استغرقت 10 أيام بتلك المنطقة المعزولة والمهجورة منذ سنوات الأزمة من طرف الجيش الوطني الشعبي، حيث تم التقاط صور له وفيديوهات فضلا عن تسجيلات مسموعة إذ تمت كل عملية وفقا لمعايير علمية دقيقة، ليتم بعدها إعداد ملف ومقال علمي موثق وتم إرساله إلى دورية أورينتوس العلمية الفرنسية.
ويؤكد محدثنا، بعد اطلاعنا على المقال العلمي المنشور في 12 صفحة من الدورية Ornithos 26-2 :83-94 (2019)، أن المجلة العلمية تشكل دوما لجنة مختصة، قبل أن تنشر نتائج الأبحاث ليتم نشر  هذا البحث بعد أزيد من ستة أشهر من التدقيق ومراجعة ما قدم من وثائق ودلائل علمية، كما أنه كان يقوم رفقة زميله طيلة تلك الفترة بزيارات ميدانية إلى المكان أين أكدا وجود الطير بتلك المنطقة على فترات متقطعة من شهور متفرقة، وهو ما يؤكد صحة فرضية استيطان هذا النوع في منطقة جبل الجردة.
ويبزر الدكتور حداد، أنه أول جزائري يستطيع التقاط صور وفيديوهات فضلا عن تسجيلات مسموعة  لهذا الطائر، حيث كانت أول صورة له في شهر ماي 2016 بمنطقة جيملة، إذ أن باحثين أجانب فقط هم من تمكنوا من التقاط صور قديمة له، كما أن الصور، التي تحصلت عليها النصر لم تنشر من قبل، مشيرا إلى أنه الباحث الوحيد الذي زار تلك المناطق الحيوية الست وقام فيها بجولات ميدانية قد تصل إلى 100 مرة.  
اكتشاف لأول مرة بغابة ذات نوع واحد من الأشجار

وبحسب الباحث، فقد تم اكتشاف طائر كاسر الجوز في منطقة مرتفعة عن سطح البحر  تتراوح فيما بين 650 و 1000 متر، كما أن الوسط المناسب لعيشه هو الغابات القديمة ذات الأشجار شاهقة الارتفاع، غير أن الاكتشاف الجديد يختلف عن باقي الاكتشافات، إذ أن الطائر وجد من قبل داخل أوساط غابية، تتميز بوجود أشجار مختلفة الأنواع   (Quercus suber, Quercus) canariensis, Abies numidica, Cedrus atlantica, Quercus afares) في حين أن اكتشافه في جبل الجردة، تم داخل وسط حيوي يحتوي على أشجار بلوط الفلين (Quercus suber) فقط.
ألف طائر فقط على المستوى الوطني!
ويبرز الدكتور حداد أن هذا النوع مهدد بالانقراض حيث أن عددها الإجمالي على مستوى غابات الجزائر الست لا يتجاوز 1000 طائر، حيث أن المخاطر التي تهدد وجوده ما تزال قائمة وقد تتسبب في القضاء على الأعداد المتبقية على غرار القطع العشوائي للأشجار والحرائق التي يرى صاحب البحث أن غالبيتها مفتعل.
ويؤكد الباحث والناشط في جميعة إيكوسيرتا المعروفة سابقا باسم أكواسيرتا، أن الرعي العشوائي بالمناطق الغابية يشكل خطرا على وسط عيش الطائر النادر لأنه يمنع نمو أشجار جديدة لتجديد الغابة بصفة طبيعية و مستدامة، كما أن سرقة مياه الينابيع من طرف سكان المناطق المجاورة للغابات وإنجاز قنوات بطريقة غير قانونية يتسبب في تجفيف أماكن الشرب وهو ما يتسبب في موت كل الكائنات الحية لاسيما في فصل الصيف، في حين أن وضع برنامج أو مشروع وطني خاص لحماية هذا الطائر و بيئته يعتبر ضرورة ملحة و استعجالية.
صيد جائر وموت في 15 يوما للطائر
وقد أكد المتحدث، أنه وقف خلال مراحل البحث على شهادات لسكان المناطق التي عثر بها على الطائر، حيث صرحوا له، أنهم هم وآخرون قد اصطادوا أعدادا من هذا الطائر وحاولوا تربيتها على مدى بضع سنوات متتالية غير أنهم لم يستطيعوا الحفاظ على حياتها، فقد ماتت بعد 15 يوما من وضعها في الأقفاص، وهو مشكل حذر منه كثيرا وقال إنه قد يؤدي إلى انقراض ما تبقى من أعداد لهذا الطائر في حال تواصلت هذه الأفعال.
دوريات علمية تحدثت كثيرا عن الطائر
وقد أجرت النصر بحثا عبر مواقع لدوريات علمية عن هذا الطائر، حيث أوردت أن المكتشف الأول لودون قد راسل الأكاديمية العلمية الفرنسية للعلوم، ليطلعها على الاكتشاف الجديد، لكن المشرفين على الهيئة كانوا مرتابين من الاكتشاف لكن تم تشجيعه على العودة إلى المكان ليحاول عدة مرات خلال فصل الشتَاء الاستكشاف في الموقِع، ولكن تراكم الثلوج في تلك المنطقة لم يسمح له بالاكتشاف، لكن في أبريل من عام 1976 رافق جَان بُول لِيدُون الباحث جَاك فٍييَارد وقاموا بالانتظار حتى شهر جويلية لمراقبة سلوك التغذية وبعض إقلاعات الفراخ، وكذلك لإنجاز التسجيلات و تجريب المحَاورة معها بأصوات كَاسِر الجوز الكورسِيكِي (Sitta whiteheadi) وكاسر الجوز الكرُوبرز(Sitta krueperi) .

وعند اكتشاف كاسر الجوز الجزائري(Algerian nuthatch)  والذي يعرف أيضا باسم “كاسر الجوز القبائلي”، ظن علماء الطُيور أن النوع لا يتعدى عشرات الأزواج،  و لهذا سادت بينهم مخاوف من أن  يتم اصطيادها لكن في  1989  تم اكتشاف أعداد أخرى  بِكثير في حديقة تازة الوطنية بما يدل على أن الأنواع المُهددة أقل مما كان يبدو عليه، والتوطن لا يقتصر فقط على جبل بابور.
الإتحاد الدولي للطبيعة يصنفه في حالة الخطر منذ 1994
ويظهر التوزيع الحالي للطائر واسمه العلمي هو  “ Sitta ledanti “أن أعداده قليلة جدا، كما أن  تقسيم السكان الحالي  يشير إلى أن الطائر كان متواجدا على نطاق واسع من قبل وذلك قبل إزالة الغابات والتعمير ببعض المناطق الغابية، وهو ما أدى إلى عزله في هذه المناطق الضيقة فقط فيما أظهرت الإحصائيات أنّ عدد أفراد هذا النوع قد لا يتجاوز 1000 فرد، ويتم تصنيف الطائر في فئة الأنواع 250-999 من الأفراد الناضجة، كما  يعتبر الطائر من طرف  الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة بأنه في حالة «خطر» منذ سنة 1994.
ووضع القَانون الجزائري هذا النوع في المرسُوم رقم 83-509 المؤرخ في 20 أوت 1983 والذي يتعلق  بالأنواع الحيوانية غير الأليفة المحمية، حيث وضع قائمة من 32 نوعًا من الطُيور المحمية من بينها طائر كاسر الجوز، فيما حررت  جمعية الطيور العالمية في سنة 1980 عريضة تطلب من حكومة الولايات المتحدة  إضافة 60 نوعا غريبا من الطُيور المهددة بالإنقراض من ضمنها  كاسر الجوز الجزائري، ونُشر هذا الطلب في الجريدة الرسمية الأمريكية  في العام الموالي، ولكن لم يتم إضافتهَا إلى قائمة الأنواع المهددة بالانقراض إلاّ في سنة 1995. وتم نشر اكتشاف هذا النوع لأول مرة في صحيفة لوموند الفرنسية، في عددها 27 جوان 1976 وتم تداول الخبر في الصحافة العَالمية والمجلات الأكثر تخصصًا مثل مجلة العُلوم والحيَاة الفرنسية، فيما نظمت السلطات الجزائرية في عام 1979 ندوة دولية حول علم الطيور وتطرق فيها الباحثون إلى هذا الطائر، كما قام البريد الجزائري في نفس  العام  بطبع طابع وضعت عليه صورة  لكَاسِر الجوز القبائِلي» بِقيمة 1.40 دينار .              
ل.ق

الرجوع إلى الأعلى