شدد أكاديميون وباحثون من الجزائر وخارجها، على ضرورة استخلاص الدروس من الأزمة الصحية التي يعيشها العالم وإحداث التغيير على جميع المستويات، حتى يتم تحصين القواعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية مستقبلا من أية أزمة أو جائحة محتملة، مطالبين أصحاب القرار باستغلال فرصة الجائحة للتأسيس لنظرة جديدة في تعاملهم مع كل جوانب الحياة اليومية للشعوب، والجزائر عينة من هذه المنظومة العالمية التي تعيش ظروفا استثنائية مستجدة.
اختتمت يوم الخميس المنصرم، الجلسات الافتراضية الأولى من نوعها للملتقى الدولي الموسوم ب «المجتمع والجائحة» والذي نظمه مركز البحث في الانتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية «كراسك» وهران بالتعاون مع مركز «فاعلون» المختص في الدراسات الأنثروبولوجية والكائن مقره بسكيكدة، ويهدف الملتقى إلى إنجاز ثاني تقرير حول الأوضاع المجتمعية والاقتصادية أثناء الجائحة واستشراف انعكاساتها وكيفية مواجهتها بعد اختفاء الوباء، وهذا من خلال الاستفادة من الدراسات والتجارب الوطنية والدولية التي قام بها باحثون وأكاديميون من الجزائر وبلدان مختلفة مثل تونس، المغرب، مصر، العراق، الإمارات العربية المتحدة، الأردن، المملكة العربية السعودية، لبنان، إنجلترا، إيطاليا، إسبانيا، فرنسا وتركيا، الذين شاركوا في الملتقى وقدموا تحليلات مختلفة وطرحوا مقترحات حول مواجهة أزمة جائحة «كوفيد19» وتأثيراتها  المستقبلية على الجزائر  والعالم.
 التقرير الأول أشرف عليه أكثر من 100 باحث وقدم لوزارة التعليم العالي


وقد استهل الدكتور مستاري الجيلالي المداخلات في الجلسة الافتتاحية التي كانت مساء الأربعاء الماضي، موضحا أن الهدف من الملتقى هو فتح نقاش حول الأزمة الصحية التي سببها فيروس «كوفيد19» وآثارها الاجتماعية اليوم وفي المستقبل، في إطار التحضير لتقرير ثاني حول الأزمة الصحية بمشاركة باحثين ومختصين على المستوى الجهوي والدولي، حيث أن الملتقى الافتراضي يندرج ضمن مسار مواصلة العمل الذي يقوم به «كراسك» منذ بداية الجائحة والذي أشرف عليه 100 باحث  أنجزوا 80 عملا  توج بتقرير أولي عن الدراسات الأولية حول الموضوع، وتم توجيه التقرير لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
من جهته، قال الدكتور مبروك بوطقوقة رئيس مركز «فاعلون» للبحث في الأنثروبولوجيا، أن الهدف من الملتقى الافتراضي الأول من نوعه في الجزائر، هو مساءلة ما يحدث اليوم من تغييرات في العالم من أجل استخلاص الدروس والعبر التي يمكن أن تفيد في تسيير هذه المرحلة والمراحل المقبلة، مشيرا بأن مركز «فاعلون» بالتعاون مع كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة باتنة،

يشرف على إعداد ملتقى يتمحور حول «التعايش مع الجائحة». وفي ذات السياق، أكد الدكتور عبد الباقي بن زيان رئيس الندوة الجهوية لجامعات الغرب، أنه بادر مؤخرا إلى إطلاق مشروع بحث حول «مساهمة الأساتذة الباحثين في التكفل بما بعد كورونا» بهدف استشراف ما سيحدث بعد اختفاء الوباء وكيف ستتصرف الجزائر مع الوضع الجديد، وأن فريق البحث الذي يتكون من 60 أستاذا متعدد التخصصات، من شأنه العمل على تقييم الوضع الحالي في ظل الجائحة وانعكاساتها على مختلف المجالات، مبرزا أن النتائج الأولية التي توجت إنجازات عكف عليها الباحثون طيلة شهر رمضان، تم تسليمها لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في انتظار التوصيات التي سيخرج بها الباحثون والتي ستوجه لمختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، لتحصين البلاد وقواعدها السياسية والاقتصادية مستقبلا من احتمالية أي وباء، مضيفا أن جامعات الجزائر أثبتت خلال الجائحة قدرتها على الابتكار والتحكم في التكنولوجيا من خلال المنجزات التي قامت بها والتي ساهمت في توفير عدة معدات وتجهيزات للمؤسسات الصحية أولا والإدارات والهيئات الأخرى، وهذه القدرات وفق الدكتور بن زيان، يجب تثمينها والاستفادة منها في مشاريع تنموية لصالح البلاد.
- الدكتور فوزي بن دريدي أستاذ بجامعة سوق أهراس : كورونا أحدث «صدمة اجتماعية»  تفرض إعادة هندسة المجتمع


وتطرق الأستاذ دريدي فوزي في مداخلته التي جاءت بعنوان « المجتمع الجزائري والجائحة، قراءات أولية»، إلى الهزة الاجتماعية التي أحدثها انتشار وباء كورونا والتي غيرت حتى بعض القواعد التي كان المجتمع متفق عليها ومسلم بها، ويمكن اعتبار هذا  «صدمة اجتماعية» غيرت الكثير من المعتقدات اليومية منها تغيير مفهوم التراتيبية القيمية حيث تراجع دور الأثرياء وأصحاب المهن الحرة، وبرز بالمقابل دور العالم والخبير والمتخصص، وهو الدور الذي تراجع كثيرا منذ سبعينيات القرن الماضي وعاد لتصدر المشهد المجتمعي في ظرف وجيز جدا أي شهر أو شهرين فقط، مبرزا أنه إذا لم يتم استغلال هذه النتيجة الآن وإحداث تغييرات جذرية، فستعود التراتبية بعد كورونا  لما كانت عليه سابقا، كما عرج المتدخل على دور الإعلام الجزائري في زمن كورونا، حيث قال إنه تفكك ولم يلعب دوره في التأثير على السلوك الاجتماعي وتوجيه الرأي العام مثل الالتزام بالتدابير الوقائية كوضع القناع الواقي والالتزام بالتباعد الاجتماعي، تاركا الساحة لشبكات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ساهم في انتشار الإشاعة والتشكيك في مصدر ووجود فيروس «كوفيد19»  وسيطرة نظرية المؤامرة على فكر الناس، حسب المتدخل الذي أضاف أن كل هذا خلق موجة من الخوف والهلع، بينما كان تأثير كورونا على البعد الاقتصادي أنه أصبح يشكل ضغطا على بعض الفئات التي كانت تتمتع بوضعية سوسيومهنية متميزة في المجتمع ولكنها لم تتمكن من الصمود خلال فترة الحجر الصحي مما أحدث خللا في تراتبيتها الاجتماعية، كما تم تسجيل تأثر المقصيين من الحياة الاقتصادية الذين يعانون من البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية.
ويرى الباحث أن الأزمة الصحية بسبب الجائحة، تفرض إعادة هندسة المجتمع برمته، من حيث طريقة التفكير أو الفعل الاجتماعي، واستخلاص الدروس فيما تعلق بكيفية إدارة الأزمة وتوجيه الأفراد وغيرها من الأمور التي يجب أن يتم تبنيها في إستراتيجية وطنية للوقاية وإدارة الأزمات حتى تكون تحصينا مستقبليا لحماية الأسس الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية والثقافية.
- الدكتور أحمد موسى بدوي- مركز الدراسات العربية : يجب التأسيس لرأسمالية تخلق التعايش بين الاقتصاد العمومي والخواص


ركز الدكتور أحمد موسى بدوي في مداخلته التي كانت بعنوان « انعكاس الجائحة على العالم الاجتماعي: رؤية سوسيولوجية» ، على استخراج الأمل والتفاؤل من الألم الذي تكون قد تسببت فيه الجائحة، وطرح المتدخل 5 أسئلة قال إن الإجابة عليها تتطلب دراسات عميقة في تخصصات متعددة، وتأسف الدكتور بدوي في إجابته على السؤال الأول الذي مفاده، هل يدرك الناس مخاطر المرض إدراكا سليما وواقعيا؟ حيث اعتبر أنه رغم المعلومات الوفيرة والآنية عن معاناة الدول بسبب تفشي وباء كورونا، إلا أن المجتمعات العربية لم تدرك خطر الوباء وتجسد هذا من خلال السلوكات التي لا تتطابق مع معايير الصحة، مع تسجيل استهانة بمخاطر المرض ومبالغة في الإحساس بالأمان، مما يوحي بوجود مشكلة في أساليب التفكير، داعيا في هذا الصدد لضرورة تغيير  التنشئة في المدارس نحو تطوير أساليب التفكير بما يسمح بالادراك السليم للأشياء، وكانت إجابته على سؤال هل النزعة الفردانية ودعم الحريات الفردية بصورة مطلقة، يساهم في تفاقم الآثار السلبية للوباء؟ بنعم، مستدلا بما جرى على مستوى دول الاتحاد الأوروبي التي انسلخت عن بعضها البعض، مبرزا أن ظروف الجائحة تحتاج للتضامن والتعاون، معتبرا كذلك أن الناس ليست في مأمن في ظل الاقتصاد الريعي، ووضعية الدول العربية التي تعتمد على هذا النموذج الاقتصادي، أصبحت تدق ناقوس الخطر لتنبيه صناع القرار بإعادة النظر في هذا النظام وتعويضه بآخر يكون أكثر صمودا في وجه الأزمات وهذا هو رد المتدخل على السؤال الثالث من محاضرته الافتراضية وهو هل الناس في مأمن في ظل الاقتصاد الريعي؟، ولم يبتعد عن هذه المقاربة أثناء تفسيره للسؤال حول ما الموقف من الاقتصاد غير الرسمي والدولة التنموية؟ حيث أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل نسبة كبيرة من منظومة الاقتصاد في الدول العربية قد تتجاوز60 بالمائة،  ونفى في إجابته على السؤال الخامس، هل الصراع الاثني له أهمية في مواجهة الجوائح المهددة للوجود؟ موضحا أن الصراع الاثني لم يعد له معنى فالدول العربية أتلفها هذا الصراع لدرجة أنها أصبحت أكبر المجتمعات المستوردة للسلاح وخيم اللاجئين وتم استنزاف أدمغتها ونوابغها لفائدة الدول الغربية، وعليه دعا الدكتور بدوي بأن تختفي الصراعات الإثنية من مشهد المجتمعات العربية وأن يعوضها بالهوية الوطنية الجامعة التي يجب أن تكون هي الحاكمة مشددا على أن التنوع هو أساس الثراء والقوة.
- الدكتور أحمد زايد مختص في علم الاجتماع من مصر: الجائحة ستنتج تنظيمات جديدة قد تعيد للدولة قوتها  


وفي مداخلته بعنوان «طبيعة الاجتماع الإنساني في مجتمع الجائحة»، أوضح الدكتور أحمد زايد المختص في علم الاجتماع من مصر، أن الأوضاع بعد الجائحة لن تتغير كثيرا، فستظل الرأسمالية حاضرة وترسم معالمها في العالم، وإذا أراد العالم أن يتغير عليه إعادة النظر في المنظومة الحياتية برمتها، عليه البحث عن وجه إنساني للحداثة بعيدا عن الوجه الاستهلاكي المصلحي، وهي الحداثة التي تستدعي الواجب الأخلاقي، وأكد المتدخل أن الجائحة  شكلت ظرفا استثنائيا في حياة الأشخاص تمثل ببقائهم في المنازل، والدول حذرة وقلقة رغم خصوصيات كل دولة على حدة، فالضعيف يتأثر أكثر من القوي والذي يملك الإمكانيات ليس كالذي لا يملكها، كما ظهر خطاب الصحة والمرض الذي أصبح يسيطر على المجتمعات، كجزء من الخطاب السياسي للضبط والرقابة، وهذا ما يوحي وفق المتدخل بتوقع تحول نظام الحجر وخطاب الصحة مستقبلا لأسلوب جديد من أساليب الرقابة في المجتمعات، مسقطا ما جاء به المفكر «ميشال فوكو» بخصوص نظام العيادة الذي يضبط المواليد والوفيات والوضع الصحي وغيرها، مشيرا أيضا لظهور أنظمة وأجندات جديدة تفرض الرقابة على المجتمعات لمنعها من بعض الممارسات، كما ستظهر منظمات عالمية تضع أجندة للخطر الصحي وتجعله في مقدمة الأخطار العالمية، وطرح الدكتور زايد أيضا فرضية أن تنتج هذه التنظيمات الجديدة اتفاقيات دولية للدفاع على هذه الأجندات الجديدة. وأضاف المتدخل أن جائحة «كوفيد 19» من شأنها أن تعيد للدولة تفوقها على المجتمع، حيث أن عدة مجتمعات خلال العشرية الماضية كانت تعيش ديناميكية وحركية جعلتها تتمكن من تغيير عدة أنظمة حاكمة، ولكن منذ بداية الوباء بدأت المجتمعات تظهر بعض التراجع في فعالياتها مما سيتيح الفرص للدولة لاسترجاع القوة.
أما بخصوص تأثير الجائحة على أفراد الأسرة داخل المنزل في ظل الحجر الصحي، أوضح الدكتور زايد أنه قبل الجائحة كان الإنسان يتحرك في أماكن مختلفة وفي أزمنة مختلفة، ولكن منذ إقرار تدابير البقاء في المنزل أصبحت العلاقة مبنية على أسس إعادة اكتشاف المكان، فإذا كان البيت واسعا سيسمح بالاستمتاع بفضاءاته وبفسحة التأمل، أما إذا كان ضيقا فسيتسبب في مشاكل وظهور العنف الأسري في ظل قلق المعدة الذي يطبع هذه الأسر التي تفكر في لقمة العيش، مبرزا أيضا أن الجائحة هي سانحة مهمة لاكتشاف الإنسان لجسده الذي أهمله بعدم الاعتناء به من خلال ممارسة الرياضة والاستهلاك الصحي وخلق التباعد بين الجسد والأجساد الأخرى، والانتقال لتأمل الذات باكتشاف قدراتها وقوتها وغيرها من الأمور، وذكر المتحدث بأن مفهوم التباعد الاجتماعي موجود قبل الجائحة ويتمثل في التباعد الطبقي داخل المجتمع بين الغني والفقير، التباعد النفسي وأضيف لهما التباعد الاجتماعي الذي يأخذ معنى ترك مسافة بين الأشخاص.        
              بن ودان خيرة

الرجوع إلى الأعلى