* احذروا تداعيات الصدمات في حال إغفال التكفل النفسي
شدد أخصائيون نفسانيون على ضرورة التكفل النفسي بالمتضررين من الحرائق التي التهمت مساحات شاسعة بعديد ولايات الوطن، و حصدت الكثير من الأرواح، كما تسببت في فقدان أشخاص لذويهم في مشاهد مروعة و إصابة الكثيرين بجروح بليغة، مع تسجيل خسائر مادية كبيرة، معتبرين ذلك حدثا صدميا يختلف تأثيره من شخص لآخر، لكنه يستدعي بروتوكولا علاجيا نفسيا عاجلا، لتفادي الاضطرابات النفسية الناجمة عن تأثير الصدمة، و قدموا مجموعة من المؤشرات و الأعراض التي تدل على إصابة الصغار و الكبار بالصدمة، و التقنيات المعتمدة للعلاج ، محذرين من تداعيات الكارثة  و تبعاتها على المجتمع، في حال تم إغفال الشق العلاجي النفسي. 

ندوة / أسماء بوقرن

* الأخصائي النفساني ماليك دريد
التنفيس الانفعالي والعلاجات السلوكية و الاسترخائية لعلاج صدمات الكوارث
أكد الأخصائي النفساني بمستشفى سطيف ماليك دريد، بأن للكوارث الطبيعية تداعياتها  من  الناحية النفسية على الأفراد لكن بدرجات متفاوتة، معتبرا ما شهدته ولايات عديدة من الوطن من حرائق كبيرة في المناطق الغابية، تسببت للبعض في فقدان عائلاتهم و مصادر رزقهم وأملاكهم، حدثا صدميا سيختلف تأثيره حسب الصلابة النفسية و الخصائص النفسية  لكل شخص.
و أوضح المختص بأن الصدمة النفسية بصفة عامة، كما هو معروف في الحالات العادية، لها خمس مراحل، المرحلة الأولى الإنكار،  أي عدم تقبل ما حدث،  ثم الغضب،  و المساومة أي التمني المرتبط بالشعور بالذنب، كأن يقول المتضرر « لو كان باستطاعتي فعل شيء لتجنب الموقف»،  ثم تأتي مرحلة الاكتئاب، ثم التقبل، أي الاستسلام للأمر الواقع والتكيف و التعايش مع الحدث،  لكن عند بعض الأشخاص يختلف التأثير من اكتئاب انعكاسي بسيط، إلى اضطرابات ذهنية عقلية، وهناك من يتعرضون لما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر خلال الستة أشهر الأولى بعد الحادث، حيث يعاني الفرد من كوابيس،  اضطرابات في النوم،  هيجان و بعض الأعراض العضوية، كسرعة نبضات القلب وضيق التنفس.
 كما يعتبر، حسب المختص، التبول اللاإرادي رد فعل شائع بالنسبة للأطفال الذين تعرضوا لصدمة، كتعبير وكرسالة لاإرادية عن الإحساس بعدم الأمان، و في حالة صدمة الحرائق مثلا، هناك من يصاب بالخوف المرضي من النار حيث يتجسد في بعض السلوكات كالفحص المستمر و المبالغ فيه والحذر الشديد من بعض الآلات والأجهزة والأشياء التي لها علاقة بالنار كالشموع و المدفأة و الموقد .
و في ما يتعلق بالتكفل النفسي الخاص بمن تعرضوا لصدمة الحرائق، هناك عدة بروتوكولات علاجية مدروسة مقننة ومنظمة مثل عملية «ديبريفينغ» التي تعتمد على جعل الشخص يتحدث عن الموقف الذي عاشه كنوع من التفريغ والتنفيس الانفعالي، إضافة إلى التقنيات الاسترخائية والعلاجات السلوكية المعرفية، كطريقة العلاج بالتعرض، أي أن يعرض المصاب لنفس إلى الموقف الصدمي و يواجهه في ظروف محمية، عن طريق عدة حصص ليتخلص من خوفه تدريجيا، و كذا تقنية العلاج النفسي الجماعي وهي طريقة فعالة جدا في مثل هذه المواقف، حيث يلتقي مجموعة من الأشخاص الذين تعرضوا إلى نفس الموقف الصدمي مع الأخصائي النفساني، للتعبير عن مشاعرهم ومشاركة أفكارهم والعلاج بالأدوية، إذا اقتضى الأمر بالنسبة للبعض.
و يدعو المتحدث من جهة أخرى، إلى القيام بحملات تشجير مليونية عبر كامل التراب الوطني، بمشاركة الأطفال، لتنمية الحس البيئي لديهم، فالغطاء النباتي من غابات وحدائق له دور جد إيجابي في الصحة النفسية، بل أصبح تقنية من التقنيات العلاجية في الدول المتقدمة، و يطلق عليها «الحديقة العلاجية» التي تستخدم في المؤسسات الإستشفائية لعلاج بعض الأمراض النفسية.

* الأخصائية النفسانية العيادية فطيمة بوصنوبرة
تجاهل العلاج النفسي يولد روح الانتقام ويسبّب اضطرابات عقلية
أكدت الأخصائية النفسانية فطيمة بوصنوبرة ، مختصة في علم النفس العيادي و منسقة بوحدة الكشف و المتابعة المدرسية و الجامعية، أن التعرض لأشياء مخيفة و صادمة، يؤدي إلى الإصابة بعدة أمراض نفسية، تتسبب في تغيير منحى حياة المصابين و تجعلهم يعيشون حياة خطيرة جدا، تصل إلى درجة إيذاء النفس و الآخرين، خاصة في حال فقدان شخص عزيز في الحادثة، إلى جانب ظهور أعراض  عليهم كالخوف من المجهول، الإحساس بالخوف و الرعب و اضطرابات في النوم، و تغيرات في السلوك و ضعف الأداء المهني و الإصابة بحالات الهستيريا و الهروب من المشاعر السلبية.  
و أضافت المتحدثة بأن عدم ضمان علاج للمتضرر نفسيا من الحادث، يولد  لديه روح  الانتقام   من المجتمع و يشكل خطرا على نفسه و عائلته و محيطه و المجتمع، و ذلك نتيجة  شعوره بالخطر المباشر من الآخر، و كذا نتيجة ترسخ صور الحادثة في ذهنه، مشيرة إلى أن تأثير الصدمة قد يكون عقليا يصل إلى مرحلة الجنون، خاصة في حال تعرض الشخص لإصابات جسدية، كتعرضه لحروق بليغة أو متفاوتة الخطورة، حيث يصبح يعيش حالة اضطراب و يتشكل لديه هاجسا من كل ما قد يؤثر على وضعه الصحي، و تتولد لديه روح الانتقام، و تراوده مخاوف من مصيره و مستقبله.
محدثتنا شددت على ضرورة التكفل النفسي العاجل بالأشخاص الذين تضرروا نفسيا و جسديا في الحرائق التي شهدتها ربوع الوطن، و ذلك لمساعدة المتضررين من أجل الخروج من الصدمة لتجنب الأخطار التي ستظهر لاحقا و تنعكس على المجتمع، موضحة بأن نقابة النفسانيين تسعى لتشكيل أفواج من المختصين النفسانيين المختصين في الصدمة النفسية من أجل تقديم العلاج الأمثل،  و تجنب ظهور الاضطرابات النفسية و السلوكية التي تظهر بعد  الصدمة، و التي لا تنحصر في الأعراض التي سبق ذكرها،  و إنما تشمل أيضا اضطرابات في التركيز و اللجوء إلى الكحول  و المخدرات في محاولة لنسيان مجريات الحادثة التي عايش المواطن تفاصيلها.
و عن طرق العلاج النفسي المتبعة في الصدمة النفسية الناجمة عن هذه الحوادث، قالت النفسانية بأن التعامل مع الذكريات التي يبقى المصاب أو المتضرر يتذكرها، يتطلب السيطرة على المشاعر بصورة أفضل بتنظيم نحو حصة أو اثنتين في الأسبوع، مع ضرورة التقيد بنفس المعالج النفساني، لأن استبداله بآخر يؤدي للإصابة بالإحباط  و بغياب الرغبة في مواصلة العلاج الذي يتطلب بين 8 إلى 12 أسبوعا، و تستغرق الحصة الواحدة من ساعة إلى 90 دقيقة.
و من آليات العلاج النفسي المتبع بعد الصدمة، تنظيم جلسات جماعية للمتضررين الذين عاشوا نفس التجربة، و تعرضوا لنفس الصدمة، لتسهيل الحديث عن تجاربهم، مشيرا إلى أن المعالج لا يكتفي في هذه الحالات بالعلاج النفسي و إنما يعتمد أيضا على تقديم أدوية مضادة للاكتئاب، ثم الانتقال بعد ذلك إلى مرحلة الاندماج، و ذلك بإدخال العائلة في عملية علاج  المصاب ، موضحة بأنه من بين المهام التي يقوم بها النفساني المشرف على هذه الحالات، تقديم معلومات للمصاب تتعلق بالأعراض الناجمة عن الإصابة النفسية، و التي تستدعي مساعدة نفسية، و ذلك لتقبل العلاج، حيث يتم الاعتماد على تقنية العلاج السلوكي الإدراكي، التي تساعد على التفكير بطريقة مختلفة، فتصبح الذكريات المؤلمة بالنسبة للمتضرر غير مؤلمة، و تمكنه  من السيطرة على المشاعر بطريقة جيدة.
و تتضمن تقنية العلاج السلوكي الإدراكي تمثلات و استرخاء، و العلاج بحركة العينين المعالجة، و التي تساعد في عملية استرجاع الذكريات المؤلمة، لمعرفة التجربة القاسية التي مر بها الشخص، و هي تقنية فعالة، بالإضافة إلى اعتماد العلاج الاجتماعي و يتم مع مجموعة من الأشخاص الذين كانوا حاضرين معه، لتقديم توجيه صحيح و فعال، مع ضرورة شعور المريض بالثقة في المعالج، و التأكد بأنه سيخرجه من الصدمة.

* الأخصائية النفسانية سليمة دحماني
عدم التكفل النفسي يؤدي إلى الانسحاب الاجتماعي و تغير الأنماط السلوكية
تحث الأخصائية النفسانية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية بحامة بوزيان بقسنطينة، سليمة دحماني، في حديثها للنصر، على ضرورة ضبط برنامج علاجي للتكفل بالمتضررين من الحرائق، الذين تعرضوا لحدث صدمي نتيجة التعرض لحادث مميت، مبرزة الآثار النفسية التي تؤكد إصابة الفرد بصدمة نفسية ناتجة عن كارثة الحرائق ، تتمثل في تكرار سيناريو الحادثة في الذهن و إعادة معايشته، ما يجعل المصاب بالصدمة يعيش حالة رعب و خوف من تكرار الحادثة، و كذا الاستيقاظ المتكرر من النوم و الكوابيس و تكرار الحادث عن طريق الهلوسات، و الشعور بالقلق و الخوف من المواجهة و الخوف من النار ، و كل العوامل التي تؤدي إلى اشتعالها، حيث  يصبح المصاب يعيش حالة استثنائية، فيما تظهر آثار الإصابة بالصدمة عند الأطفال من خلال التبول اللاإرادي، البكاء الشديد و التقلبات المزاجية و الخوف الزائد.
و أشارت الأخصائية بأن عواقب عدم التكفل النفسي بالمصابين بصدمة نفسية ، ستظهر جلية من خلال تغير مناحي حياة الفرد و الإحباط  و التأثير على التحصيل الدراسي و المزاجية في التعامل، الخوف من المواجهة و الخروج إلى الشارع ، إلى جانب انعكاسات جسدية، كالإصابة بالقولون العصبي و آلام المعدة و ارتفاع نسبة السكر في الدم، و ارتفاع ضغط الدم.
و بخصوص بروتوكول العلاج النفسي للأشخاص الذين تعرضوا لحدث صدمي، قالت بأنه يبدأ بمقابلات مع المرضى و تخصيص فضاءات للتعبير عن الشعور الذي عاشه و إخراجه لأرض الواقع، مع محاولة تعديل التفكير السلبي لديهم، خاصة بالنسبة للأطفال، و ذلك من خلال التكفل الفردي أو باعتماد بتقنية ديناميكية الجماعة، فيما يتم اعتماد طرق علاجية إسقاطية مع الأطفال، كالرسم، ليتم بعد ذلك تصحيح التمثلات الذهنية بخصوص الحوادث التي تعرضوا لها، و كذا ضبط برنامج علاجي لإعادة الاطمئنان و الأمان و إعادة القدرة على التعايش و ممارسة حياة اجتماعية عادية و القدرة على التعامل مع كل طارئ، مع  تجنب إخفاء أي حادث مؤلم مرتبط بالعائلة، للتمكن من القيام ببناء معرفي ومواصلة حياتهم بشكل عاد.
كما تحدثت المختصة  عن تقنية  «ديبريفينغ» ، لمعرفة ردود الفعل الفورية إزاء الحدث الصدمي، و هي جلسة لاستخلاص المعلومات و التعبير عما عاشه المصدوم، مشيرة إلى أن ردود فعل الصدمة النفسية يختلف موعد ظهورها من شخص لآخر، فهناك من تظهر عليه خلال أسبوع أو 15 يوما، أو أشهر، و هناك من تظهر بعد سنة أو سنتين، مشيرة إلى أن تعرض البعض لصدمة، يؤدي إلى إيقاظ صدمات نفسية قبلية كامنة لم يتم علاجها في وقتها.
و أكدت في الختام أن التأثيرات النفسية للحدث لا تقتصر على المتضررين، بل تمتد حتى إلى الذين يقطنون بمناطق قريبة منه، و كذا الذين تعرضوا لمضامين عبر وسائل الإعلام و مواقع التواصل، الذين قد يصابوا بصدمة من الدرجة الثالثة،  و أعراضها الإصابة بالأرق و فقدان الشهية للطعام و صداع، داعية إلى تجنب التعرض لهذه المضامين المأسوية، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام يجب أن تنظم موائد مستديرة، لتقديم معلومة صحيحة و ضمان الاستقرار و نشر الوعي.

 

الرجوع إلى الأعلى