PUBANNASR PUBANNASR
الإثنين 27 مارس 2017

رحلتي الخنشلية و تغريبة الأوراس الأشم

بقلم د. حسن تليلاني
في مسيرتي الثقافية كانت لي جولات كثيرة  في مختلف المدن الجزائرية بل و حتى بعض قراها و مداشرها ، فأنا أحسبني دائما باطريوط ثقافي من أولئك الذين يلبون الدعوات الثقافية دون قيد أو شرط ، لأن الثقافة عندي مثل الحملة ذات المنفعة العامة ، حتى أنني تلقيت يوما دعوة من مدير أحد السجون  لتقديم محاضرة للسجناء حول تاريخ الجزائر و ذلك بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال  ، فلبيت الدعوة دون تردد و عشت مع أولئك السجناء تجربة ثقافية لن أنساها أبدا حيث انهم رحبوا بي و استمعوا لمداخلتي بل و حاوروني و ناقشوني و أفادوني بقدر ما أفدتهم . لكنني و خلال هذه المسيرة الحافلة باللقاءات و الملتقيات و المهرجانات و الأمسيات داخل الوطن و خارجه  لم يتسن لي أبدا زيارة مدينة خنشلة ربما لأن هذه الولاية حديثة الإنشاء و ربما لأن التظاهرات الثقافية في ربوعها قليلة . و قد كانت مفاجأتي سارة جدا عندما تلقيت دعوة رسمية للمشاركة في الأيام الأدبية لمدينة خنشلة يومي 11 و 12 ديسمبر 2016 بتقديم محاضرة  حول المكان في الأدب الجزائري ، و سررت أكثر عندما أعلمني المنظمون بأنه قد تم اختياري ضيف شرف هذه الطبعة و الشخصية المكرمة فيها ، و ذلك بعد أن تم تكريم واسيني الأعرج في طبعتها السابقة العام الماضي 2015.
 توجهت إلى خنشلة بسيارتي مرفوقا بأسرتي الصغيرة ، و بي شغف عارم لاكتشافها و اللقاء بأهلها و مثقفيها ، و بمجرد ما اعتليت هضبة الأوراس عند مخرج مدينة أم البواقي حتى تنسمت هواء باردا و تحسست هسيس جياد أمنا الكاهنة و محاريث قبائل الماسيل ، و في المدى رأيت ظلال السكان الأوائل لأرض الجزائر من البربر النوميديين . و لم يوقظني عن هذه الخيالات القديمة الباهتة سوى هذا الطريق السيار الذي يشق الهضبات صعودا نحو الأوراس الأشم حيث تتربع خنشلة وسط مرابعها ، جبالها ، قراها ، وهادها ، وديانها و أبنائها المنتشرين كما أوراسها في كل مكان منها ، هناك حيث نبض قلب هذه الأرض الجزائرية لأول مرة .
 عند مدخل مدينة خنشلة لاحظت بناية زجاجية جميلة قرأت عند بوابتها الكبرى عبارة “ جامعة عباس لغرور” و دون إرادة مني رحت أبحث عن صديقي الأديب الكبير السعيد بوطاجين الذي كان أستاذا هناك ثم سرعان ما تذكرت أنه تحول منها إلى جامعة مستغانم ، و غير بعيد عن الجامعة لاحظت إشارة مرورية تشير لليمين كتب عليها “ حمام الصالحين “ و فجأة وجدتني وجها لوجه مع مدينة خنشلة مضيفتي ، و بمجرد ما رأيتها لاحظت بساطتها و افتقارها للتنمية فهي أشبه ما تكون بدائرة من الدوائر المنتشرة عندنا و بعيدة كل البعد عن متطلبات المدينة من مرافق و عمران و  طرقات و شوارع ، لكن طيبة أهلها و هم يرحبون بي و يرشدونني نحو وجهتي ، جعلتني أشعر أنني بين أهلي و إخواني .
و بمجرد ما وصلت أمام مبنى دار الثقافة القائم  وسط المدينة حتى هب المنظمون و على رأسهم السيدة سامية مرزوقي رئيسة مصلحة النشاطات الثقافية لاستقبالي و التعبير لي عن سعادتهم بتلبية دعوتهم و قدومي ضيفا محاضرا و مكرما في تظاهرتهم الثقافية حتى أنني وجدت كل شيء مرتبا في إقامتي مع أسرتي على مستوى دار الضياف ، و الحقيقة فإنني بكل صدق قد شعرت بنفسي بين أهلي و إخواني حيث صدق المحبة يعلو على اصطناع الكرم .
لقد باحت لي خنشلة بهواجسها منذ الوهلة الأولى حيث تعرفت على بعض رموزها و أعلامها من الكاهنة التي أقامت قصرها هناك إلى أبطال ثورة التحرير الذين خاضوا أول معركة نوفمبرية في إحدى شعابها و على رأسهم الشهيد البطل عباس لغرور قائد الناحية  كلها ، إلى أعلام الغناء من علي الخنشلي و المطربة زوليخة المشهورة بأغنية “ صب الرشراش “ و حتى دحمان الحراشي المنحدر من خنشلة و كذلك أعلام الأدب من أمثال سانت أوغسطين و حتى زوليخة السعودي وصولا إلى رشيد بوجذرة ، و هذا بالإضافة إلى كنوزها التراثية العارمة سواء ما تعلق بالفكلور الشاوي مثل أغاني القصبة و البندير و رقصة الرحابة ، أو ما تعلق بالسيرة الهلالية حيث إن مقام الجازية مازال موجودا في مرابعها هناك ،  لكن و على الرغم من هذا الرصيد التاريخي و الثقافي الكبير إلا أن هذه الولاية  لم تستفد من شرايينها  مثلما أخبرني بذلك بعض مثقفيها الغضاب و منهم الشاعرة نجاح حدة المنحدرة من إحدى مداشر خنشلة المعروفة باسم “ بلكيطان « حيث قرأت على مسامعنا قصيدة  جعلت عنوانها “ بلكيطان “ عبرت فيها باحتجاج عارم حد البكاء عن حالة الفقر و التهميش الكبير الذي تعانيه خنشلة عموما فقالت :
« بلكيطان / يا إشراقة الروح / على الأوسع .../سلام على أمسك / على غد يطلع / لا يضيف / إلا الصفر إلى الصفر / سلام على الوحل / على القصدير / على الحيطان مسنودة / بتنهيدة البطالين من القهر ...”
إن ما سرني في الأيام الأدبية لمدينة خنشلة لقائي الحميمي ببعض الأدباء الجزائريين سواء من أهل المدينة  أو القادمين من بعض الولايات المجاورة ممن يصنعون مجد ثقافتنا الوطنية بكل صدق و في صمت و هدوء على غرار جمال الرميلي و الشاذلي قليل و ابن عزوز عقيل و سليم دراجي و يوسف الطويل و لخضر جويني و معمر بن راحلة إضافة إلى الفنان المثقف الجميل عبد الرحمن غزال القادم من وادي سوف مع عوده السحري .
ما سرني أيضا هو ذلك الجمهور النوعي الكبير الذي تابع فعاليات افتتاح التظاهرة بالقاعة الكبرى لدار الثقافة بحضور والي الولاية السيد حمو بكوش مرفوقا بوفد هام من السلطات المدنية و العسكرية حيث أعجبنا جميعا بتلك الكلمة المرتجلة التي قدمها والي الولاية بعربية فصيحة  جميلة الأسلوب صحيحة النحو غزيرة المعاني المتصلة بالطابع الثوري المقاوم لعموم أدبنا الجزائري ، و قد عرفت فيما بعد أن الرجل ممن أدركتهم حرفة الكتابة و الإبداع الأدبي ، و لذلك وجدت ألفة في مصافحته و استلام التكريم من يديه خاصة و أنني قرأت في ملامحه حرارة  المثقف أكثر من برودة الرجل الإداري.
و قد ذكرت في كلمتي أن هذا التكريم الذي حظيت به في الأيام الأدبية لمدينة خنشلة هو أهم تكريم  نلته في حياتي الأدبية كلها ، لأن الأرض التي شرفتني به عزيزة فهي قلب الأوراس و ما أدراك ما الأوراس ، و لأن المناسبة عظيمة و هي ذكرى  مظاهرات 11 ديسمبر 1960 ، و لأن الذكرى هذه السنة قد تزامنت مع مناسبة المولد النبوي الشريف ،  هذا بالإضافة إلى كوني لم أتدخل من بعيد و لا من قريب في اختياري كشخصية مكرمة حتى أنني لحد الآن لا أعرف من اقترحني على اللجنة المنظمة ، و قد سرني كوني الشخصية الأدبية الوحيدة على ركح التكريم عكس التكريمات السابقة التي حظينا بها حيث عادة ما يتم التكريم لعدد من الأسماء بالجملة فيأتي التكريم  باهتا و فاترا.
و خلال فعاليات التظاهرة استمتعنا بمعزوفات العود بأنامل عبد الرحمن غزال و رفيقيه ، كما استمتعنا بعدد من القراءات الشعرية الجميلة الممتعة من لدن الشعراء المشاركين مثل قصيدة “ فاطمة “ للشاعر بن عزوز عقيل و التي يقول فيها :
مثل الحمامة في الحدائق حائمة *** و أنا هنا مازلت أهوى فاطمة
و الحب عندي جنة و عبيرها*** روح تسامت من خلالك فاطمة
و لقد تسنى لي خلال اليوم الثاني من التظاهرة تقديم مداخلة موسومة بعنوان “ المكان في المسرح الجزائري من خلال مسرحية ماس نسن لعزالدين ميهوبي “ حظيت بمناقشة واسعة خاصة و أن موضوعها مدينة سيرتا و مؤسس الدولة النوميدية البطل ماسينيسا فكانت المناسبة فرصة لاستعادة الحديث عن التاريخ الجزائري و تصحيح بعض المعلومات المتعلقة بمكانة ولاية خنشلة في هذا التاريخ ، و هو موقع مهم جدا لولا أن المؤرخين قد أغفلوه عمدا أو سهوا حيث آن الأوان لتصحيحه و إبرازه بمنتهى الموضوعية .
كانت إقامتي في خنشلة و مشاركتي في أيامها الأدبية من أحب الجولات الثقافية في حياتي ، حيث غادرت المنطقة و في قلبي اعتراف كبير بكل من يقف وراء دعوتي إليها و تكريمي بها و أخص بالذكر السيد مدير دار الثقافة و كل موظفيها و السيد مدير الثقافة و والي الولاية و وزارة الثقافة التي رعت التظاهرة و دعمتها و هذا دون أن أنسى أدباء ولاية خنشلة و مثقفيها و على رأسهم الشاعر الصديق العزيز جمال الرميلي . لكم مني جميعا كل محبة السماوات و الأرض .