PUBANNASR PUBANNASR
الجمعة 18 أوت 2017

هــل حقــا أن الروايــة في أزمـة؟

هل حقا الرّواية ليست بخير، وأنّ شعبيتها التي تعكسها المقروئية التي تحظى بها مثلا على حساب الشّعر ليست بمقياس يدّل على نجاحها، وأنّ هذا الشغف بها لا ينفي عنها توعكها؟. أيضا ما الذي يدفع بعض النُقاد إلى القول أنّ الرواية ليست بخير؟، وكيف يمكن تفسير ما يدعيه البعض من وجود أزمة في الرّواية؟ وهل الكم الهائل من الروايات التي تصدر كلّ يوم، لا يعني بالضرورة أنّه دليل عافيتها بقدر ما يعني أنّه وبشكل ما هو دليل آخر على أزمتها. وكيف يمكن أن يُنظر إلى واقع وحال الرواية الجزائرية؟
إستطلاع/ نــوّارة لـحـرش
حول هذا الشأن، كان ملف عدد اليوم من «كراس الثقافة»، مع مجموعة من النقاد والدكاترة من مختلف الجامعات، وقد اختلفت وتباينت الآراء بين من يرى ويؤكد في نفس الوقت أنّ الرواية حقا ليست بخير، وبين من يرى أنّها ورغم كلّ ما يُقال عنها في حيّز الانتقاد، والنقد الذي يحاول أن يشكك في عافيتها إلاّ أنّها بخير، وأنّ القول بأنّها ليست بخير، هو انطباع تعميمي غير مؤسس على دراية كافية بواقع وحال الرواية.

آمنة بلعلى/ جامعة تيزي وزو
القول بأن الرواية ليست بخير ليس سوى حنين مضاعف لعصر الإيديولوجيات
كيف يمكن أن يُنظر إلى واقع الرواية الجزائرية؟ وكيف يمكن تفسير ما يدعيه البعض من وجود أزمة في الرّواية، هل هي مشكلة هذا الكم الهائل من الروايات التي تصدر كلّ يوم، أم أنّ المشكلة مرتبطة بطبيعة تخصّصات من يكتبها، وهل هي مشكلة خاصّة بضرب قوانينها عرض الحائط، وبالحرية التي وفّرتها وسائل الإعلام والاتصال الجديدة للانخراط في هذا الشكل الأدبي؟ أم هي كلّ ذلك مجموعا في شكل مركّب متعدّد الأبعاد؟
لا شك أن الرواية الجزائرية اليوم، شأنها في ذلك شأن الرواية في الوطن العربي، ومع التسابق نحو الجوائز التي تُرصد لها، إلى جانب سقوط سياج الرقابة، تشهد رواجا منقطع النظير، باعتبارها نصا منفتحا، فهي تستجيب للحاجة الطبيعية إلى الحكي التي لازمت الإنسان عبر العصور، وستظل تلازمه. وعليه، لم تكن الكثرة في يوم ما دليلا على وجود أزمة، بقدر ما كانت دليلا على تشكّل ظواهر إبداعية جديدة، وحدوث تحوّلات في الظاهرة الثقافية، استجابة لحاجيات معرفية وجمالية تفرضها ظروف تاريخية واجتماعية معينة.
إن التسليم بالقول إن الرواية في خطر أو ليست بخير، ليس سوى حنين مضاعف لعصر الإيديولوجيات التي أنتجت الفن الروائي ذاته، يُنصِّبُ فيه الناقد نفسه كحارس للحدود في عصر سقطت فيه كلّ الأقنعة، والإيديولوجيات والسرديات الكبرى، ذلك أنّ ما يبدو أزمة لدى البعض، قد يكون مؤشرا إيجابيا لتجاوز السياجات التي تؤمّن لكنّها تقنّن عملية الإبداع والانخراط في صناعة الفعل الثقافي.
صحيح أنّنا نشهد، وخاصّة مع مطلع الألفية الثالثة، ظاهرة التهافت على نشر الرّواية، وعدم التريث، وضآلة المحتوى الفكري، والضعف اللغوي، وغياب الرؤية، وبساطة البناء وعدم القدرة على إنتاج عوالم تخييلية جديدة، وشهدنا صعود المرأة الكاتبة بقوة، باسم تمثيل الوعي المختلف بقضية المرأة، على الرغم من أن الكثيرات من الروائيات لم يطوّرن الوعي بهذه القضية، ويتجسد ذلك في طبيعة الكتابة الرّوائية لديهن، وقد جعلن منها تمثيلا واستعادة  للنّسق الذكوري، والانزواء في المنطقة الضيّقة من الإبداع، هذا مع بعض الاستثناءات المشرّفة. إن المظاهر السلبية المذكورة آنفا، تعكس واقعا، وهي نتائج وأعراض لظاهرة، لن تزول إلاّ بتعديل الأسباب التي أنتجتها، وما دمنا نشهد غياب سياسة ثقافية وعلمية فاعلة، يبقى الحديث عن الأزمة حديثا مكرورا، يمكن سحبه على كلّ أشكال الثقافة والتعليم والصحة وغيرها، ومثلما نتحدث عن أزمة في الرّواية، يمكن أيضا أن نتحدّث عن أزمة في الشّعر وفي النقد وفي السينما والمسرح وغيرها، فوراء هذا الظاهر، باطن خفي، هو حالة الإحباط الثقافي، التي جعلت الروائيين يبدعون في المساحات الضيقة وبأقل قدر من التخييل. لكن هذا لا يدفعنا إلى التعميم والتنكّر، فهناك روائيون جزائريون كبار يحملون مشاريعهم كصخرة سيزيف، لهم من الاستراتيجيات ما يجعلهم يعبّرون عن نزوع نحو إعادة صياغة نمط الوجود المنمّط الذي كان قبل العشرية السوداء، ومساءلة الوجود الضائع الذي أفرزته سياسة الإقصاء والتهميش والتدجين وآفة الإرهاب. وهم يستقون آلياتهم من المخيال الجديد الذي بدأ يتشكّل في العالم المعاصر وفي ظل ثقافة العولمة.
إنّ ما نراه في معاينتنا لما يُعتقد أنّه أزمة، يمكن تفسيره باعتباره نتيجة حتمية للسياسة الثقافية في الجزائر، التي لم تستطع أن تخلق إطارا حقيقيا للإبداع هو إطار الظاهرة التي تضمن لكلّ المبدعين التحرك ضمن سياسة ثقافية لها أهدافها وغاياتها التي تستجيب لحاجات اجتماعية ومعرفية حقيقية للمجتمع الجزائري، فهناك اشتغالات فردية، ناتجة عن ترك المثقفين يسبحون خارج محيط خطط التنمية في جميع المجالات. ليست مشكلة الرّواية الجزائرية، في الرواية، ولا في الروائيين الذين يدخلون الرّواية من خارج الأدب، فتلك مسألة أثبت التاريخ عكسها، فأغلب الروائيين العالميين، دخلوا الرواية من تخصّصات لا علاقة لها بالأدب، وأصبحوا روائيين بعد ما كتبوا الرواية، كما أنّ كتابة الرواية ليست وظيفة حكرا على إنسان دون آخر، ولا يمكن أن تُقارن بوظيفة أخرى؛ لأنّها وسيلة في التعبير، تعكس تمثلّا خاصا للعالم والذات، هو الرؤية المجازية، فالرواية، ليست بحثا أكاديميا ولا تاريخا ولا فلسفة، إنّها تستوعب كلّ هذا لتمنح صاحبها امتلاك هذه الرؤية المجازية التخييلية وقد صار مثقفا حقيقيا.

مخلوف عامر/ جامعة سعيدة
الرّواية بخير والقول بعكس هذا  هو انطباع تعميمي
إنَّ الرواية وقد نالت هذه الشهرة الواسعة، فإنَّه من الطبيعي أن تتَّجه صوْبها الأنظار أكثر من سواها، وتنال الحظ الأوْفر من النقد والانتقاد، فإذا قِيل إنَّها ليست بخير، فهو انطباع تعميمي قد لا يكون مصدره –فيما أقدِّر- أكثر من ثلاثة احتمالات:
فإمَّا، أنَّ هناك فنّاً أو فنوناً أخرى في الكتابة صارت تزاحمها وهو الأمر الذي لم يحصل إذا ما استثنيْنا وسائل التواصل. وإمَّا، أنَّ حظَّها من المقروئية يسير إلى تراجع -وهذا يحتاج إلى سبْر دقيق- فضلاً عن أنَّ التراجع في الإقبال على الكِتاب ظاهرة عامة لا تخصُّ الرواية وحْدها، وإمَّا، أنَّ حظَّ الكتابة الروائية من الإبداع قليل، ممَّا يستوْجب الاطلاع على أكبر قدْر من النصوص قبل إصدار أيِّ حكم. إذا ما استحضرنا تجربتنا في الكتابة الروائية بالعربية، فإنَّها قصيرة بالقياس إلى غيرها، بحيث تُقارب خمسة عقود بدءاً من سبعينيات القرن الماضي. وإنَّ الذين أقْدموا على خوْض هذه التجربة يكاد معظمهم أنْ يكونوا عصاميين، لأنَّهم -وإنْ تعلَّموا في منظومة تربوية- إلا أنَّ القائمين على هذه المنظومة لم يْهْتدوا إلى طرائق بيداغوجية تُحَبِّب الأدب للمتعلِّمين ناهيكم عن تمرِّنهم على الكتابة الإبداعية.
لقد استطاع الكُتَّاب أن يتخلَّصوا من التوجُّه المضموني الصارخ الذي فرضته مرحلة تاريخية ساد فيها التقاطب بين معسكريْن، وشاع فيها مفهوم الالتزام، لينتقلوا منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى مراجعة الإرث السابق والعناية بأدبية النص، وإن كانت الفترة السابقة نفسها لا تخلو من ومضات فنية لدى هذا الكاتب أو ذاك.
إنّها فترة العودة إلى الذات الكاتبة، وإنّها -وإن هي جنحت في كثير من النماذج نحو الضبابية والتهويم الذي لا ينمُّ عن فكر عميق- إلاّ أنّ نصوصاً عديدة تميَّزت باصطناع أرقى التقنيات بدءاً بالاشتغال على اللغة وخلخلة التسلسل الزمني والأسلوب الساخر وتوظيف التراث بوعي تاريخي لافت وانتهاء بالتحليق في عوالم من التخييل -بما فيها الخيال العلمي- لتنتشل النص الروائي من التقريرية والتسطيح. وهي مظاهر تلتقي فيها مع أرقى الكتابات العربية. لقد مضى حينٌ من الدهر ظلَّت فيه الأسماء المُكرَّسة تُهيْمن على المشهد الأدبي، غير أنّنا إذا ما اقتصرنا على مطلع الألفية الجديدة، سنكتشف مجموعة من الكُتَّاب -ذكوراً وإناثاً- يُثْبتون تميُّزهم بجدارة. إذْ يمكن أنْ نتبيَّن من خلال نماذج كثيرة، كيف أنَّ بعض الكُتَّاب يتميَّزون بلغة أدبية راقية ويختارون عناوين مثيرة ويُطعِّمون نصوصهم بدرجات متفاوتة من التخييل و يوظِّفون أدوات مستحْدَثة تُكْسِب النص عناصر من التشويق وتؤكِّد قدْراً من الموهبة لا تخطئه العيْن. لذلك يلتقي في النماذج المقصودة كُتَّاب من أعمار مختلفة، ومن فترات متباعدة، لكنَّ كُلاًّ منهم قد شقَّ لنفسه طريقاً مغايراً. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أنْ ننخدع بما نشهده من تهافت على الكتابة الروائية، إذْ ما أكثر الأعمال التي لا صلة لها بالرواية غير ما أُعْلن على صفحة الغلاف. وإذا كان هذا التهافت قد أدَّى إلى تراكم في الإنتاج الروائي، فإنَّ التراكم –لا محالة- يفرز عناوين مضيئة. فيوم كان الشِّعر يتصدَّر المشهد الأدبي، عاش إلى جانب المتنبِّي عشرات من الشعراء، اختفى أغلبهم في كهوف التاريخ كالخفافيش، بينما ظلّ المتنبي يطالعنا على صهوة جواد لا يكل.
والرواية -بدورها- وإن كانت تجتذب الموْهوبين والمدَّعين معاً فمنها ما يمكث في الأرض، ومنها فقاقيع لا تلبث أن تنطفئ، كما هي طبيعة الأدب في سائر العصور، وتبقى حاجتنا مُلِحَّة إلى ممارسة نقدية مهما تكن قيمتها، لننتقي من بيْن هذا الركام نصوصاً تُبشِّر بمستقبل واعد وهي موْجودة بالفعل لا بالقوة، ما يدفعنا إلى الاطمئنان لحال الرواية، ولنقول أيْضاً، إنّها بخير.

عبد الله العشي/ جامعة باتنة
شعبيتها الحالية لا تدل على صحتها إنّما تدل على أزمتها
ثمّةَ أوهامٌ تصنعها حول الأدب مؤسسات إعلامية أو مالية أو سياسية، أو خليطٌ يجمعها جميعا، وتشكل عنه صورة هي أقرب ما تكون إلى سلعة من السِلع، والغريب أنّ هذه الأوهام تجد صدى قد لا تجده منجزات المؤسسات الأكاديمية المختصّة، انظر مثلا مؤسسات الجوائز كيف فرضت على القراء أدباء معينين وموضوعات معينة وكتابات معينة، دون أن تكون تلك بالضرورة مؤهلة لتحتل ذلك المقام وتنال تلك القيمة، وانظر كيف استطاعت مؤسسات إعلامية أن تعدل توجهات الكتاب والباحثين وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وأن تصنع أساطير وتصورات خيالية حول الأدب.
ومن هذه الأوهام وتلك الأساطير ما صنعته حول الرواية، فمقولة «زمن الرّواية» واحدة من تلك الأساطير، فالرّواية لها حدودها التي تتحرك في فضائها ولها وظيفتها ضمن سياق المعرفة البشرية ولا يمكن أن تكون بديلا لأي شكل أدبي. لكن هذه المؤسسات قدمت صورة وهمية أوحت للقراء أنّ هذا زمن الرواية فقط، فهب الخلق إلى كتابتها، يكتبها الروائي المحترف، ولكن يكتبها أيضا الإعلامي والمعلم والمؤرخ والسياسي وأستاذ النحو ورجل الدين والفيلسوف وعالم الاجتماع وعالم النفس ومن لا ينتمي إلى أي عِلم وغيرهم من الذين ليسوا أدباء أصلا، لكن جلال الرواية المصطنع استهواهم وجرهم إليها جرا، ليس العيب في الرواية لكن في هذا الوعي الشقي الذي تشكل حول الرواية، وفي هذه الانتفاضة التي حركتها موجهات لا صلة لها بالأدب، والأغرب أن يتخلى بعض الشعراء والقصاصين عن شِعرهم وقصصهم ويلتحقوا بــ»مجتمع الرواية» الذي تحكمه سلطة ذات طابع ديكتاتوري.
ونظرا لهذه الأوهام، ولهذه الهبة الروائية، فإنّنا نجد أنفسنا أمام روايات هي إمّا قصص قصيرة استعجلت الأمر وأرادت أن تُحلق في عالم الرواية، وإمّا أنّها حكايات لم تبلغ الرشد بعد، وإمّا أنّها سير شخصية وتخييلات ذاتية لا تكفي موضوعاتها ورؤيتها لأن تكون رواية، وإمّا أنّها سرد تاريخي لم يتمكن بعد من أن ينتشل شخصياته وأحداثه من ثقل التاريخ، وإمّا أنّها حكايات محدودة الرؤية هي أقرب إلى الخواطر منها إلى العمل الروائي. وحتى الأعمال الروائية التي أثبتت شخصيتها وحضورها غالبا ما تراهن إمّا على الكم القائم على إسهاب سردي لا ضرورة له، وإمّا على السير وراء خطى روايات شهيرة، وإمّا على موضوعات هي من انشغالات تلك المؤسسات الكبرى الموجهة للأساطير الأدبية، موضوعات مثل التسامح والحرية الدينية والحوار الثقافي والعولمة الثقافية وغيرها.
لم يعد الروائيون، إلاّ قلة، يضيفون إلى الرواية إلاّ عبئا يثقل كاهلها وقصورا أسلوبيا يشكل خطرا عليها، الرّواية ليست مجرّد سرد لأحداث فقط، بل هي مشروع فكري وفلسفي واجتماعي يتخذ من الأحداث والشخصيات وسيلة له يتجسد من خلالها، وهذا ما ينقص أغلب الروايات الآن فهي تكتفي بالبنية السطحية وبنظام السرد وتتجاهل الرؤية الفلسفية والجمالية التي تؤسس لها، لذا فالرواية ليست بخير ولا يمكن أن تكون شعبيتها الحالية دليلا على صحتها بل هي دليل على أزمتها، كما أنّ ما يُكتب عنها لم يُقدم إلاّ القليل بسبب نمطيته وتكراره.

محمد الأمين بحري/ جامعة بسكرة
ليس الإشكال في الرواية وإنّما في الوعي بماهيتها
لم يحدث أن انهارت الكتابة الإبداعية شعريّة أو نثريّة في أي بلد كان، ولن يحدث ذلك إن كنا واعين بطبيعة الكتابة في كلّ جنس. لأنّ الإشاعات التي صارت رجراجة على كلّ لسان بأنّ الكتابة الروائية هزلت وتميعت لما كثُر كُتابها لا تدل على خلل في الرواية بل على خلل على مستوى الوعي بطبيعة الكتابة الأدبية في الحياة الثقافية.
وبشيء من التفصيل نقول: إنّ عدم الوعي إشكالٌ مزدوج وموزع بين بعض الفئات من الكُتاب والقُراء: فلدى بعض الكُتاب هناك من ركب القطار الخطأ فوصل إلى الوجهة الخطأ، حينما ظن بعض راكبي الموجة بأنّ تقليد الأسماء المكرّسة إعلامياً سيوصلهم إلى ما وصل إليه هؤلاء من احتفاء وجوائز وامتيازات، وهذه الفئة الانتهازية جعلت من الكتابة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، الشيء الذي توّلد عنه وهمٌ آخر، حينما ساد الظن بأنّ السوق كاسدة، فاستخفوا بالكتابة وظنوها أمراً سهلاً في متناول كلّ من له القدرة على التعبير، وحسبوا أنّ الأمر مجرّد بوح شاعري بالعواطف والأشجان، ولعب على شاعرية اللغة واختلاق قصص عاطفية وشحنها بالمأساة، دون أن يمتلك هؤلاء آلة الكتابة، وفنون التجنيس، نتيجة غياب القراءة التي ستغيب بسببها ثقافة الكتابة والتخييل. ومع ذلك تراهم يُسارعون إلى النشر بكلّ استخفاف، دون التفكير أو احترام لقيمة ما يكتبون.
والمُحصلة هنا هو دخول جماهير غفيرة من الحكواتيين وجدوا أنفسهم غرباء في نوع أدبي لا يتقنون لغته، ثم أصبحوا يتصايحون بأنّ أعمالهم لم تُقرأ ولم تأخذ حظها من النقد، وهذا ما سميناه ركوب القطار الخطأ وبلوغ المحطة الخطأ. وهذا الأمر لا يسيء أبداً للرواية لأنّ ما يُكتب باسمها لا ينتمي إلى جنسها من الأساس حتى ولو كُتب على صفحة غلافها مائة كلمة رواية، فإنّ النص سيكشف أصالة العمل من زوره.. تماماً كمن يفبرك عربة دفع يدوي (برويطة) ويحاول إقناع الناس بأنّها سيارة فارهة ويمكنها المنافسة في أكبر المعارض. فهل يسيء صاحب هذا الفعل لعالم السيارت أم لنفسه؟؟ الإجابة هنا لا تحتاج إلى تخمين من الأساس.
والنوع الثاني من غياب الوعي خاص ببعض الفئات القارئة، التي تحسب كلّ حكاية هي رواية، وقد ساهمت فيه بعض المطابع التي تسحب شهرياً كناشات بحجم الكف بــــ60 و70 صفحة من القطع الصغير، وأخرى مجموعة خواطر يتم الترويج لها عبر دور نشر تبيعها بالحزمة، التي لا تكلفها ثمن رواية حقيقية، ثم تُعلن للقراء بأنّها الرواية الأكثر مبيعاً على الإطلاق. وتروجها في مواقع التواصل الاجتماعي، فتحسب الجماهير حديثة التجربة بالقراءة بأنّ ذلك صحيحاً، لكن سيسقط كلّ ذلك البهرج مع أوّل قارئ واعٍ بأصول الرّواية مع وضع سطرين تحت كلمة قارئ.
وما كان لهذا الوهم أن يروج لدى المثقفين وحتى لدى الأكاديميين لو كان كلّ من يكتب في جنس محترماً له ولنفسه، ولو كانت هناك سياسة نشر تفرض لجان رقابية متعدّدة الاختصاصات في كلّ دار نشر (لجان قراءة متخصصة ومدققون لغويون). لو كان هذان العاملان متوفران، لاندثر نصف ما يُروج اليوم في السوق التي كلّما اتسعت، كلّما راجت بها البضاعة المغشوشة.
والحقيقة أنّ الفرق بين الأصيل والزائف جلي لدى القراء إلاّ في حالة غياب الوعي بأصول الكتابة الأدبية. وهنا لا بدّ من توضيح أمر جوهري هو أنّ كلّ الحكايات ممتعة، حتى وإن لم تُحْسِن اللغة. لأنّ الحكواتي لا يلتزم بضوابط المعايير الصارمة للغة والتعبير، بل عليه فقط إبلاغ متعة الحكاية للسامع. وهذا ما عزز سوء الفهم. ففي العادة كلّ متلقِ سيعجب حتماً بجانب من جوانب الحكاية أو بالحكاية برمتها، لكن هل يسمح هذا الإعجاب بالحكاية أن نصنفها في جنس الرواية؟ هذا ما لا تسمح به حدود الجنس وآليات بنائه التي لولاها لما تميز عن سائر الأجناس.
وفي الأخير يجدر بنا توضيح نقطة مفصلية بين السرد والرواية، وهي أنّ السرد إطار عام يملكه الجميع متعلمون وأميون وعوام، باعتبار أنّ كلّ من نطق بحكاية فقد سردها، لكن الرواية هي تمفصل نوعي وخاص داخل فضاء السرد، أي هو نوع من التركيب الأجناسي المتعدّد الاستراتيجيات والبُنى بحسب كلّ نوع روائي على حِده، فمثلاً السرد الواقعي لا يشترك في آلياته مع السرد العجائبي، ولا يقاسم السرد الذهني ولا التاريخي ولا الأسطوري.. وبالمقابل نجد لكلّ من تلك الروايات تقنياتها وحدودها داخل مجرة السرد التي يملكها كلّ حي ناطق مبين.

لونيس بن علي/ جامعة بجاية
اقتناء الرواية مجرّد عملية تجارية لا تعكس بالضرورة حقيقة رواجها
منذ أيّامٍ قليلة، فرغتُ من قراءةِ رواية صينية معاصرة لكاتب صيني يُدعى «داي سيجي» وعنوانها «بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة». وكانت الرواية بحق مُمتعة، قرأتها بنفس واحد، كما لو كانت قطعة شهيّة من الحلوى. حينها، وأنا منغمس في تلك المُتعة تساءلت: أليست وظيفة الرواية، بالأساس، خلق هذه المتعة لدى القارئ؟
ومن لم يقرأ هذه الرواية بعد، فهي تدور أحداثها في إحدى القرى الفقيرة في الصين الشعبية، في فترة حكم الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، وهي الفترة التي اتسمت بالانغلاق السياسي والاجتماعي والثقافي. لقد وضع ماو نُصب عينيه مشروع تأهيل النُخب المُثقفة في الجبال والقرى الفقيرة، لأنّه أشد الناس كراهية للمثقفين، ومشروعه الاجتماعي يتمثل في منح الأولوية للمِهن الزراعية والصناعية، أمّا الفنون والآداب فليست إلاّ أدوات لإفساد الشباب، لاسيما الآداب الغربية. قد تبدو الرواية، من حيث اشتغالها على مرحلة تاريخية حاسمة في الصين، رواية ملتزمة سياسيا بفضح مرحلة ماو، لكنّها، ومع ذلك، لم تسقط في مستنقع الإيديولوجيا، بل احتفظت بقدر كبير من الجمالية ومن الفنية، ومنحت للقارئ تلك المتعة التي يبحث عنها. سنكتشف في الرواية، قدرة الأدب على تغيير مصائر الإنسان، وكيف يمكن للكلمة التخييلية أن تُقلِب منظومة فكرية وإيديولوجية بأكملها. حقيبة مليئة بروايات بالزاك، كانت النافذة السحرية التي فتحت وعي بطلي الرواية على عالم مختلف.
إنّ الرواية المُمتعة في نظري، هي التي تعرف كيف تتحايل على صلابة الحقيقة التاريخية، وتعرف أساليب نسج الحكايات المُمتعة من الواقع. ما أريد أن أصل إليه، من خلال استحضاري لرواية «سيجي» هو هذا السؤال بالذات: هل انتبه الروائي عندنا إلى عامل المتعة عند تأليفه لأعماله الروائية؟
أن يفكّر الروائي في عامل الإمتاع هو دليل انتباهه إلى القارئ، فعلى الرواية أن تقدّم دليلا بأنّها ترغب في قارئها. الغالب أنّ الروائيين يهتمون بأنفسهم بالدرجة الأولى، أي ما يشغلهم هو ما يمكن أن تمنحه لهم الرواية، في حين لا يطرحون السؤال من الزاوية الأخرى: ما الذي يمكن أن يقدموه للقارئ؟
إنّ قراءة بعض الروايات هي أشبه بالخضوع لعملية تعذيب، ومع ذلك لا يشعر الروائي بتأنيب ضميره الأدبي، لأنّ إمتاع القارئ ليس أولوية بالنسبة له، الأولوية ربّما تكون في الحصول على جائزة. لقد قال رولان بارت معرّفا القارئ بأنّه ذلك الشخص المنفيّ في كليته في سجل الخيال. فلماذا يعمد بعض الرائيين إلى طرده من تلك المملكة؟ مملكة المتعة.
لا أظنّ أنّ الرواية التي تعاني من خلل في التخييل قادرة على إمتاع القارئ، حتى لو حرصت على قدر عجيب من السلامة اللغوية، ومرّد هذا في نظري أنّ الروائي لم يطوّر أدواته التخييلية، بل ظلّ حبيس الإطار المحدود لوعيه بالواقع الذي يعيش فيه، وليس غريبا أنّ هناك من مازال يكتب عن مآسي الحبّ بنفس الرؤية السائدة، وبنفس الحكايات المستهلكة، وبنفس اللغة الغنائية الحالمة أو الموجوعة. مقروئية الرّواية تحدّدها طبيعة ردود الأفعال مما يُكتب اليوم عندنا، لأنّ اقتناء الكِتاب مجرّد عملية تجارية فقط، ولا تعكس بالضرورة حقيقة إن كانت الرواية رائجة أم لا. لقد اندهشت أنّ رواية قد تحصلت على جائزة وطنية، في حين هي رواية مُهلهلة بنائيا وفنيا تخييليا، ولا أظن أنّها تستحق حتى أن تكون ضمن قائمة الروايات المُشاركة. هنا يجب أن نتساءل: من الذي يُبيح شرف الرواية اليوم؟ هل يُعقل أن تُمنح جائزة لرواية ضحلة؟ هذا في نظري، من بين الآليات الناجعة في تدمير هذا الفن، وفي تشويه مسار تطوّره. لكن يجب أن نكون عقلانيين نوعا ما، فغياب النقّاد هو الذي فتح الطريق مُشرعة عن آخرها لكلّ هذا الهزال الروائي.