PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 20 فيفري 2018

الناقدة والباحثة الأكاديمية الدكتورة آمنة بلعلى للنصر


التجريب قدر الرّواية لأنّها من أكثر الأجناس الأدبية انفتاحا
في هذا الحوار، تتحدث الكاتبة والناقدة والباحثة الأكاديمية الدكتورة آمنة بلعلى، عن واحد من أهم كتبها «المُتخيّل في الرّواية الجزائرية: من المتماثل إلى المُختلف»، وعن بعض ما جاء في فصوله وأبوابه، التي خصصتها لسياقات مختلفة في الرّواية الجزائرية. الحوار كان مناسبة أخرى للحديث أيضا عن بعض مراحل الرّواية الجزائرية وتقاطعاتها، وكذا عن الرّواية المكتوبة بأقلام نسوية وعن المُتخيل والتجريب والكثير من إشكالات ومناخات وحساسيات الفنّ الروائي الجزائري.
حاورتها/ نوّارة لحـــرش
للإشارة، الدكتورة آمنة بلعلى، أستاذة التعليم العالي قسم اللّغة العربية بجامعة مولود معمري/ تيزي وزو، أستاذة النقد والسيميائيات، مديرة مخبر تحليل الخطاب في نفس الجامعة. وإلى جانب كِتابها «المُتخيّل في الرّواية الجزائرية: من المتماثل إلى المُختلف» -محور هذا الحوار-، لها أيضا مجموعة من الكُتب من بينها: «أبجدية القراءة النقدية» الصادر العام 1995 وهو دراسات في الشّعر المُعاصر، «مشروع البعث والانكسار في الشّعر العربي المعاصر»، «أثر الرمز في بنية القصيدة المُعاصرة» العام 1995، «تحليل الخطاب الصوفي في ضوء المناهج المعاصرة» العام 2001، «أسئلة المنهجيّة العلميّة في اللّغة والأدب» العام 2005، «سيمياء الأنساق: تشكلات المعنى في الخطابات التراثية» 2010 عن الاختلاف/الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون/لبنان. وغيرها من الكُتب النقدية المهمة. الدكتورة بلعلى لها أيضا إسهامات في الترجمة، منها ترجمتها لرواية «القديس أوغسطين في الجزائر» لكبير عمي، والتي صدرت عن منشورات آلفا بالجزائر العام 2008.
لكِ بعض الكُتب النقدية في فن السرد ومنها كِتاب «المُتخيل في الرّواية الجزائرية: من المتماثل إلى المختلف». كيف تقرئين وكيف تقيمين هذا المُتخيّل؟
آمنة بلعلى: لا يستطيع الإنسان أن يقرأ ما كتب ويُقيم نفسه إلاّ ولسان حاله يردّد معنى ما جاء في قول الإصفهاني إنّه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلاّ قال في غده لو غير هذا لكان أحسن ولو حذف هذا لكان يُستحسن ولو زيّد هذا لكان أفضل، وكِتاب «المُتخيّل في الرّواية الجزائرية» جاء إجابة عن هاجس دفعني إلى مُناقشة قضايا تتعلّق بالرّواية الجزائرية من خِلال جوهر العمل الإبداعي فيها ألاّ وهو المُتخيّل الّذي يمكن أن أختصره في عبارة بسيطة هي الخصائص التي تجعل من الرّواية عَملا إبداعيا وتُضيف قيمةً للمشهد الثقافي، وإذا كان هناك من فضلٍ في هذا الكِتاب فأعتقد أنّه يتمثّل في إثارة بعض الأسئلة التي تُطرح عند كلّ حديث عن الرّواية الجزائرية، من قبيل هل في رواية الثورة مُتخيل وما علاقة القيم والإيديولوجيا بالإبداع وهل صحيح أنّ المحنة ساهمت في موت المتخيل وغيرها من الأسئلة، وقد حاولتُ أن أبرز وجهة نظري في هذا الموضوع ليس لأعطي أجوبةً ولكن لأثير نقاشا حول المُتخيل كان قد أثاره قبلي بعض الباحثين كــ»حسين خمري» مثلا.
الرّواية هي مُتخيل تصنعه اللّغة والخلفية المعرفية للكاتب معا
هل كلّ مُتخيل كفيل بإنتاج رواية ناجحة، أم أنّ هناك المُتخيل الّذي لا تكون له القدرة على إنجاح الرّواية؟
آمنة بلعلى: سؤالكِ يُوحي بأنّ هناك تصورا شائعا مفاده أنّ المُتخيل يسبق عملية الكتابة ويوجّه الكاتب، ويكون مسؤولا عن نجاح الرّواية أو فشلها، وأنا أعتقد أنّ الرّواية هي مُتخيل تصنعه اللّغة والخلفية المعرفية للكاتب معا. بل هو عنوان يمكن أن يكون بديلا للرّواية، أو بلاغة الرّواية، بعدما روجت المحايثة لمصطلحات من قبيل البنية والسردية والخطاب ومتفرعاتها. فالمُتخيّل يبرز في بنيات مُختلفة حتى عند الكاتب الواحد، نظرا لتمايز صيغ السرد ودرجاته، وآليات الوصف ومساراته التصويرية، والبطاقات الدلالية المُختلفة التي ترد بها الشخصيات والتعاليات اللغويّة والأسلوبيّة التي تُصاغ بها النصوص، فضلا عن إختلاف وجهات نظر القراء وثقافاتهم، وأجهزة تلقيهم لهذا العمل أو ذاك، ما يعني أنّ المُتلقي هو الّذي يُساهم في رفع هذا الروائي إلى السّماء أو تمريغه في التراب، وذلك راجع لسلطة الثقافة التي تحكم على النصوص وعلى أدبيتها في فترة زمنية محدّدة.
برأيك ما هي شروط المُتخيّل الروائي؟
آمنة بلعلى: لقد ولى اليوم عصر التقنين ووضع المعايير التي يجب على الروائي أن يكتب وفقها، لأنّ أولى شروط الإبداع الحريّة، بعد التمكن من ناصية اللّغة واكتساب موسوعة ثقافية ترقى به إلى مستوى المبدعين الحقيقيين الذين يسعون دوما إلى البحث عن الأنموذج الأمثل، ثمّ يأتي شرط التلقي والقراءة فمتخيل بدون قُراء كبحر بدون ماء، والقارئ كما قلتُ لكِ من قبل هو الّذي يكتشف المُتخيل بل ويبنيه في أغلب الأحيان، إنّ الإبداع والرّواية، على وجه الخصوص، من أكثر الأجناس انفتاحا نظرا لارتباطها بالزمن، سواء في إنتاجها أو في عملية تلقيها، وهذا يعني أنّ عنصر الزمن يعد بُعدًا تكوينيًا في نشأة المُتخيل وفي إدراكه وهو في الوقت نفسه سرّ انفتاح العمل الروائي، ولعلّ هذا ما سوّغ لكثيرين قبلنا أن يتحدثوا عنها كمتخيل.
الأجيال التي تعاقبت على الرّواية الجزائرية هل هناك قواسم مُشتركة بينها، هل تواصلت في ما بينها على مستوى المتون والفِكر والأسلوب، أم هناك قطيعة مُتباينة وكلّ تجربة شكلّت تفردها؟
آمنة بلعلى: لا أحد ينكر أنّ المشهد الثقافي لأي بلد يتشكل ويتحوّل ليعكس تحوّل الواقع وأشكال الوعي والرُؤى، ومن ثمّة تغير أشكال التعبير دون أن يغيب ذلك الخيط الّذي يجعل كلّ مشهد حلقة في سلسلة أدبية إذا كان الأمر يتعلق بالإبداع الأدبي، فينتج كلّ مشهد حساسية جديدة تصبح فيها الكتابة إختراقا لا تقليدا، واستشكالا لا مُطابقة، ومُهاجمة للمجهول لا رضى عن الذات. والروائيون الجزائريون خضعوا لفعل المهيمنات التي تجعل بعضهم يشترك مع الآخر في الموضوع أو في الطريقة ولذلك نسمي الرّواية استنادا إلى مرحلة تاريخيّة مُعينة أو إلى الموضوع المُهيمن أو إلى الطريقة فنقول رواية السبعينات والثمانينيات والتسعينيات ورواية الثورة والرّواية الواقعية والجديدة والرّواية الحوارية والتاريخية وغيرها وكلّ توصيف له مقاييس قائمة أصلا على رصد ما يجمع وما يُهيمن، وبالتالي لا معنى لمفهوم القطيعة الّذي يُوحي بالانفصال التام إلاّ بما له علاقة بالخصوصية والتفرد وذلك مطلب ضروري للكاتب لكي يبدع ولا يكرر من سبقه دون إضافة. لذلك وضعت عنوانا فرعيا هو: «من المُتماثل إلى المختلف»، لأصف بهذين الصفتين سيرورة المُتخيّل في تغيراته بسيطة كانت أم مركبة، والقبض عن الإمكانيات التي أقام من خلالها الروائيون خطابات مُغايرة بوساطة نسق قائم على الاختلاف ألا وهو اللّغة.
والرّواية التجريبية. كيف هو ملمحها في المتن السردي عندنا ومن أكثر الأسماء برأيك التي اتجهت إلى التجريب وأجادته؟
آمنة بلعلى: التجريب هو قدر الرّواية لأنّها من أكثر الأجناس الأدبية إنفتاحا، وانفتاحها يسمح بصياغة فضاءات متنوعة في الإبداع كما أنّ التجريب يعد مشتركا سرديا بين الروائيين، والّذي يختلف هو ريتم هذا التجريب، وذلك راجع لإعتبارات عديدة منها الإنفتاح على التجارب الإبداعية العالمية، الوعي النقدي بالكتابة الروائية، الخلفية الثقافية، الجرأة، عامل الإيديولوجيا والتحزب الّذي قد يحد من التجريب وغيرها من العوامل الموضوعية والذاتية والفنية التي تصوغ لهذا الروائي أو لجيل من الروائيين أو لمنطقة من العالم أن تقتحم مسالك التجريب. وإذا صح أن أسمي التجريب صناعة المُختلف فأستطيع أن أُعد كلّ تجربة روائية مُختلفة اتجاه في التجريب، ولكلّ قارئ أن يختار الاسم الّذي يسهم في بناء متخيله السردي ما دام التجريب هو صيغة المُتخيل الّذي لا يكرّر نفسه.
والرّواية المكتوبة بأقلام الكاتبات كيف ترين سقفها الإبداعي، هل هناك أسماء لفتت انتباهك أكثر؟
آمنة بلعلى: أنتِ تعلمين أنّ الرّواية النسويّة، وإن كنتُ لا أستسيغ التسمية، ظهرت مُتأخرة بالنسبة لرواية الرجال، ما يعني أنّ حركة التاريخ هي التي تتحكم في صناعة المشهد الثقافي في أي بلد وهناك ظروف موضوعية مُرتبطة بحركة التاريخ ذاتها هي التي فرضت هذا الوضع وأرى أنّه لا داعي للخوض فيها، لكن ما يهم أنّ المشهد الروائي الجزائري تسهم فيه كاتبات أضفن حلقة لسلسلة حلقات هذا المشهد، وإنّ أسماء كآسيا جبار وأحلام مستغانمي وياسمينة صالح وزهرة ديك ومليكة مقدّم ومايسه باي وفضيلة الفاروق وغيرهنّ جديرات بالانتباه إليهن لأنّ المُتخيل الروائي جديرٌ بِهنّ.
المُتخيل، الواقع، التراث، العجائبي، الغرائبي، الأسطوري، التاريخي، الذاتي، الموضوعي.. كلّها مُعطيات وتيارات تتغذى وتستند عليها الروايات. لكن برأيك أي هذه المعطيات/التيارات تُشكل أكثر المرجعية الأكثف للرّواية الجزائرية؟
آمنة بلعلى: إنّ هذه المُعطيات ارتبطت بمراحل مُعينة عاشتها الرّواية الجزائرية فقد هيمن الواقع والتاريخ الثوري في فترة معينة، وجنحت إلى العجائبي والأسطوري والخرافي في نهاية الثمانينات مع «الحوات والقصر» للطاهر وطار و»الجازية والدراويش» لابن هدوقة و»الليلة السابعة بعد الألف» لواسيني الأعرج وغيرها من النماذج وذلك بعد حالة الإشباع التي حصلت مع الرّواية الثورية أو الواقعية، ثم فتحت الأبواب لمسالك التجريب فرأينا الروائيين يجربون أشكالا مُختلفة من الانفتاح على التاريخي والشعبي، وكلّ هذا تبعًا لما تفرضه الشروط الثقافية والأدبية لمرحلة أو أخرى، وبالتالي فالروائيون الجزائريون تعاطوا أشكالا مُتعدّدة من التجريب أو التجديد، ومن عُمق كلّ حالة جمالية ينبع التأسيس لكتابة جديدة استنادا إلى مُعطى مُختلف ووفِق ما يطرأ على المجتمع الجزائري من تحولات وما يمس بنياته من تغيرات.
الإبداع والرّواية على وجه الخصوص من أكثر الأجناس انفتاحا نظرا لارتباطها بالزمن
خِطاب الرّواية الجديدة فيما يتجلى برأيك؟
آمنة بلعلى: مثلّما ذكرت، هناك حالات جمالية هي التي تحدّد التجديد، الّذي لم يعد الآن مرتبطا بالموضوعات، بقدر ما تؤسس له اللّغة والارتقاء بها إلى مستوى اللّغة الموضوع بعدما كانت اللّغة الوسيلة، ثمّ ما يرتبط بها من قدرة الروائي على التكثيف والتفكيك، والإنفتاح على نصوص وأجناس أدبية وأنظمة دلالية وفنون أخرى، قديمة ومعاصرة، والدخول في صراع مع التقاليد الأدبية الموروثة وخلق تقاليد جديدة، في بناء الحدث وتجاوزه، والإنغماس في نوع من التشظي الّذي يسم اليوم الرّواية ما بعد الحداثية.
قلتِ ظهرت روايات متعدّدة بعد سنوات المحنة منها الرّواية الحضارية التي يكتبها واسيني الأعرج، فيما تتجلّى الروايات الحضارية، ما هي مواصفاتها وسماتها؟
آمنة بلعلى: إذا سمحت لنفسي بوسم بعض الروايات بهذه الصفة فلأنّني أعتقد أنّ الرّواية التي تساير التحولات العالمية وتتغذى من إشكالات هذه التحولات، كقضايا الصراع شرق غرب أو العلاقة شمال جنوب، أو التي تُعالج موضوع العولمة، فهي في إعتقادي رواية حضارية ولكن بشرط أن يكون تناول هذه الموضوعات ينبع عن سؤال جوهري هو أقرب إلى السؤال الفلسفي الّذي يُعير انتباها للفعل الثقافي وكيف تسهم الرّواية في صنعه ومن ثمّ المساهمة في بناء نظرية في الثقافة تثير أسئلة فكرية جوهرية على رأسها لماذا نمارس الثقافة، وما علاقة الكتابة بالإنسان وبالتاريخ وبالهوية وبالآخر، فنحن اليوم نُجر طوعا أو كرها بفعل العولمة إلى عالم جديد لا تكاد تُدرك معالمه، عالم لم نصله بفعل التطوّر الطبيعي لتاريخ مجتمعاتنا العربيّة، بل بفعل إكراهات خارجية لا نملك ردا لها، وهذا التواجد الجديد في هذا العالم الجديد يطرح تحديات تستعصي مقاومتها، كان الدكتور عبد الله العشي قد أكد عليها في ملتقى التصوّف والعولمة ومنها كيف يمكن لمجتمعات كانت على هامش التاريخ أو بالأحرى داخل تاريخها الخاص، كيف يمكن أن تدخل مكرهة تاريخا آخر تحت تأثير شروط خارجية عنها، كيف يمكن أن تمارس حياتها بشكل طبيعي تحافظ فيه على توازنها وتحمي هويتها من الموت، وأعتقد أنّ واسيني الأعرج قد دخل بروايتيه «كتاب الأمير» و»سوناتا»، هذا النوع من الفعل الروائي الحضاري الّذي يُثير أسئلة لعلّ أهمها كيف يمكن للفعل الثقافي العربي أن ينخرط ويُكيف وضعه مع العالم الجديد من أجل خلق حالات من الوعي بقضايا الهُوية، وأعتقد أنّ أي روائي يتجلّى في رواياته هذا الهاجس فهو يكتب رواية حضارية أعني الرّواية التي يمكن أن تكون عابرة للثقافات والقوميات والحدود، ولعلّ الرّواية الجزائرية اليوم من خلال أسماء كواسيني والسايح وبقطاش ووطار وغيرهم من الروائيين والروائيات الذين يكتبون بالعربية أو بالفرنسية، سوف تسهم مجتمعة في تشكيل مخيال روائي يشكل علامة إنزياح في المُتخيل الروائي العالمي الّذي يجنح نحو العالمية أو إن شئتِ الحضارية.
ن . ل