دعا المشاركون في الندوة الوطنية حول ‹›الرهانات الراهنة والمستقبلية للبحر في الجزائر›› يوم أمس إلى اعتماد مقاربة وطنية متكاملة لتعزيز السيادة و الحوكمة البحريتين، تقوم على استباق التحديات الأمنية والاقتصادية والبيئية، وبناء منظومة فعالة لمراقبة المجال البحري، وتثمين الموارد البحرية في إطار مستدام يخدم الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية.
وأكد المشاركون في هذه الندوة التي تم تنظيمها بمقر المدرسة الوطنية العليا لعلوم البحار وتهيئة الساحل، بدالي ابراهيم، في أعالي الجزائر العاصمة، بمبادرة مشتركة مع المعهد العسكري للتوثيق والتقييم والاستشراف لوزارة الدفاع الوطني، وبمشاركة خبراء وباحثين وممثلين عن مؤسسات مدنية وعسكرية، أن الجزائر مطالبة اليوم بتعزيز قدرتها على فهم الرهانات الجديدة المرتبطة بالمجال البحري، واقتراح حلول عملية تضمن سيادتها الوطنية، من خلال إنشاء جهاز وطني لمراقبة المناطق البحرية والساحل، وبناء سيادة قائمة على المعطيات والبيانات البحرية، إلى جانب تطوير قطاعات واعدة، على غرار الطاقات المتجددة البحرية، والتكنولوجيا الحيوية، وتربية المائيات المستدامة.
وفي هذا السياق، أوضحت مديرة المدرسة الوطنية العليا لعلوم البحار وتهيئة الساحل، ليندا بوتكرابت، أن تنظيم هذا الملتقى يندرج في إطار تسليط الضوء على الرهانات والتحديات التي تواجه المنطقة البحرية للجزائر، مؤكدة أن البحر لم يعد مجرد مجال طبيعي، بل أصبح فضاءً استراتيجيًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسيادة الوطنية، والأمن، والابتكار، وخلق الفرص الاقتصادية.وأبرزت البروفيسور بوتكرابت أن المجال البحري يمثل في الوقت ذاته منظومة بيئية هشة تتطلب حماية مواردها بالاعتماد على مقاربات علمية وتقنيات مبتكرة، بما يسمح بمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما في ظل الديناميكيات المتسارعة التي يشهدها حوض البحر الأبيض المتوسط.و شددت المتدخلة على أن الأهمية الاستراتيجية للمجال البحري تشهد تطورا متواصلا، ما يستدعي – حسبها – تبني مقاربة استباقية شاملة تمكن الجزائر من التحكم في هذا الفضاء الحيوي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لفتت بوتكرابت إلى أن جزء كبيرا من الاقتصاد العالمي يمر عبر البحر، معتبرة أن المجال البحري الجزائري يشكل ‘’طريقا سيارا’’ للتبادلات الدولية، الأمر الذي يستوجب تأمينه نظرا لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي، والأمن الطاقوي، وصحة المواطن.
كما نبهت إلى أن البنى التحتية الحيوية، وعلى رأسها شبكات الاتصالات والإنترنت، تمر عبر الفضاء البحري، محذرة من أن أي إخلال بأمن هذا المجال قد يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني ويؤثر على سير المؤسسات السيادية للدولة.
من جهته، أكد مدير المعهد العسكري للتوثيق والتقييم والاستشراف، العقيد عبد الكريم بن عودة، أن هذه الندوة العلمية تندرج في إطار تعزيز التعاون بين المؤسستين، وتجسيدا لرؤية القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي الرامية إلى توطيد الرابطة بين الجيش والأمة، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.
وأوضح أن المجال البحري يعد موضوعا استراتيجيا وحيويا بامتياز، نظرا لما يزخر به من موارد متعددة وثمينة، يمكن استغلالها على نحو أمثل لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مشيرا إلى أن الجزائر تمتلك فضاء بحريا هاما يشكل واجهتها على العالم الخارجي، وقادرا على المساهمة في تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز دورها الإقليمي، خاصة تجاه الدول الإفريقية غير المطلة على البحر.
وفي هذا الإطار، شدد المتحدث على أن التفكير في تعزيز الحوكمة البحرية يمثل رافعة أساسية للتنمية والأمن البحري، باعتباره جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني. واقترح، العقيد بن عودة، في سياق النقاش حول الاقتصاد الأزرق، توسيع الرؤية نحو مفهوم ‘’الدفاع الاقتصادي الأزرق’’، باعتباره بعدا استراتيجيا يدمج السيادة الوطنية، وحماية الموارد البحرية، وصون النظام البيئي البحري، ضمن منظومة الدفاع الاقتصادي الوطني.
بدوره، أبرز المقدم فتحي حركات من المعهد العسكري للوثائق والتقويم والاستقبالية لوزارة الدفاع الوطني، أن الجزائر تلعب دورا محوريا على المستوى الإقليمي في تعزيز الأمن البحري، من خلال مقاربة شاملة تقوم على الأمن الجماعي والتعاون مع الهيئات الإقليمية، لمواجهة تهديدات الإرهاب البحري، والهجرة غير النظامية، والقرصنة، إلى جانب حماية المنشآت الطاقوية الحيوية.أما الخبير الدولي في الطاقات البحرية، محمد راسم حريز، فقد شدد على ضرورة استباق التحولات الجيوسياسية في حوض المتوسط، عبر تعزيز المراقبة في الفضاء البحري، وتطوير القدرات الوطنية للتصدي لأي محاولات اختراق، سواء كانت اقتصادية أو أمنية، داعيا إلى الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة، وتطوير الموانئ، وتكوين الإطارات البشرية لمواكبة التطورات العالمية في هذا المجال.
ع.أسابع