الثلاثاء 12 مايو 2026
Accueil Top Pub

كيف تسند السيرة الرواية: الخطاب السردي بين السيرة الذاتية و التخييل

تتكئ روايات كثيرة على السير الذاتية والحياة الشخصية لكُتّابها، لكنها –وفي أغلبها- لا تكتمل بعيدًا عن أجواء التخييل. فهل يمكن القول: إنّ التخييل الذاتي هو جزء ضروري لكتابة هذا النوع من الأدب، و هل التخييل يُنقص من قيمة الأحداث والوقائع أم يزيدها قيمة فنية وأدبية تخدم العمل الأدبي وتضفي عليه لمسة إبداعية يحتاجها الأدب بشكلٍ أو بآخر. أيضًا كيف هو سقف ومستوى التخييل الذاتي والمذكرات والسير الذاتية في الخطاب السردي؟ وهل من الضروي حماية السير الذاتية من الذوبان في فضاءات التخييل الروائي؟ وهل يبقى الخيال -دائمًا- هو المُحرك الأساس في تشكيل الهوية الشخصية داخل النص؟
حول هذا الشأن «التخييل الذاتي والمذكرات والسيرة الذاتية في الخطاب السردي». أو بمعنى آخر «الخطاب السردي بين السيرة الذاتية والتخييل»، يتحدث بعض النُقاد والأدباء في ملف «كراس الثقافة» لهذا العدد.

أعدت الملف: نوّارة لحـرش

* الكاتب والناقد محمّد كاديك
التخييل الذاتي ضرورة يفرضها الخطاب السردي وهو لا يُنقص من قيمة الوقائع
يؤكد الكاتب والناقد محمّد كاديك أن «إشكالية (التخييل) تنبثق في الكتابات السير-ذاتية من (الذاكرة)- التي لا يمكنها اِستعادة الماضي بِمَا هو وقائع صمّاء مُكتملة، فالذاكرة –بطبيعتها- تُمارس الاِنتقاء والترميم المُستمر الّذي يجعلُ من الكتابة عن الذات نوعًا من (إعادة الاِختراع) أو (إعادة البناء)».
لهذا، -يُضيف المُتحدّث- «فإنّ الرواية السير-ذاتية هي أكثر الأنواع الأدبية المُثيرة للجدل، بحكم أنها تُؤسس لنفسها على علاقة فريدة بين المؤلف والقارئ الّذي يجعل منطلقه أُفقَ تلقٍ مُحدّد، هذه العلاقة لم يجد لها فيليب لوجون في ميثاقه السير-ذاتي، أهمّ من اِلتزام الكاتب بـ(الحقيقة) في سرد الأحداث.. لنقل إنّ (الميثاق السير-ذاتي) يُمثلُ عقدًا معنويًا بين الكاتب والقارئ، يلتزم فيه الطرف الأوّل بسرد وقائع سيرته بأمانة، في مُقابل أن يمنحه الطرف الثاني ثقته بناءً على مؤشرات تضمنُ صدق المُحتوى وتطابق المرجعيات، ما يعني حماية السيرة الذاتية من الذوبان في فضاءات التخييل الروائي».
ذات المُتحدّث أردف قائلاً: «والحق، أننا لا يمكن أن (نتهم) الكاتب بأنه أخلّ بـ(الميثاق) إذا جَنَحَ إلى نوع من التخييل قد يقصد منه جمالية أدبية معينة، فنحن –أصلاً- نعرف (إمكانات الذاكرة) المحدودة، تمامًا مثلما نعرف أنّ (الحادثة الواحدة) تحتملُ من القراءات والتأويلات بقدر عدد القُرّاء، كما أنّ كاتب السيرة نفسُه قد لا يدرك فعلاً ما يُحيط به، فيُقدم رؤية غير مُنسجمة».
ومثال ذلك -حسب قوله-: «ما وَرَدَ بسيرة ليون روش (Trente-deux ans à travers l›Islam)، وهو يتباهى بقدراته الرهيبة في خداع الأمير عبد القادر الجزائري، ولقد سَجَّلَ كيفَ رآه الأمير حين أداء الصلاة، وقال إنّ الأمير صدّق خشوعه.. غَيرَ أنّ القارئ الجزائري، يدركُ سريعًا أنّ الأمير لم يُصدق روش؛ لأنّ طقوس الصلاة –كما وصفها روش- خاطئة تمامًا، ويُلاحظ القارئ أنّ الأمير لم يرشد روش، ولم يُعلمه الصلاة، ما يعني أنّ الجاسوس الفرنسي تَحدّثَ عمّا يعتقد أنّه (الحقيقة)، دون أن يقترب من أي حقيقة.. ولنا أن نتصور قوّة الضحكة الساخرة وهي تنفجر من قلب قارئ يُذهله الإحكام الأدبي في نص روش، ثم يكتشف أنّ مدّعي الحقيقة كان يهرف بأي كلام وهو يتحدث -بلهجة الواثق- عن (صحيح البخاري) الّذي يُؤدي به الجزائريون صلواتهم!.».
وهنا يستدركُ قائلاً: «لا شكّ أنّ التخييل الذاتي ضرورة بنيوية يفرضها الخطاب السردي لتحويل (الواقع المعيش) إلى (سيرة مكتوبة) تمتلك منطقها الفني الخاص، ففي اللحظة التي يُقرر فيها الكاتب تحويل تجربته الخاصة إلى نص سردي، ينتقل من حيز الشهادة التّاريخيّة إلى حيز الإنشاء الجمالي، ويُصبح الصدق الفني أسمى وأبقى من الصدق التسجيلي الجاف، فالتخييل لا يُنقص من قيمة الوقائع، إنّما يمنحها القوّة للتخلص من رتابة (اليومي) كي تُحلق في رحابة (الإبداعي)، فالأحداث الشخصية تمر عبر مصفاة الخيال، وتكتسب بُعدًا إنسانيًا كُليّا يسمحُ بتماهي القارئ معها، ليتجاوز حدود خصوصية الكاتب، وينال حصة مُعتبرة من نكهة السرد التي تُحفزه على القراءة..».
مُضيفًا في ذات السّياق: «إنّ الخطاب السردي يتحركُ ضمن طيف واسع يبدأُ من (الميثاق السيرذاتي) الّذي يلتزم بالمرجعية الواقعية مثلما هي الحال في المذكرات التقليدية، وصولاً إلى (التخييل الذاتي) الّذي يكسر الحدود التقليدية عمدًا.. أمّا في السيرة الذاتية، فإنّ الخيال يظلُ محكومًا بوظيفة ملء الفجوات التي تُحدثها (الذاكرة)، وتنسيق السرد كي يكون منطقيًا مُنسجمًا.. وعلى هذا، يكون الخيال مُحركًا أساسيًا يُعيدُ تشكيل الهوية الشخصية داخل النص، ليُصبح الكاتب شخصية روائية تخضعُ لقوانين الدراما والتشكيل اللغوي».
وفي الأخير خلص إلى القول: «في كلّ حال، الكاتب موجود في النص الروائي، حتى وإن لم يكن من النصوص السير-ذاتية، والفارق بين الرواية، والرواية السير-ذاتية –في اِعتقادي– هو أنّ الرواية تخفي صوت المُؤلف، تمامًا مثلما قال ميخائيل باختين، حين وصف الروائي بأنه (يكاد يكون بلا لُغة مُباشرة خاصة به {...} ويسكن {الفراغات} الجمالية الكائنة بين لُغات شخصياته، فيُمارس حضوره من خلال إدارة حوار مُستمر معها).. أمّا الرواية السير-ذاتية، فالهيمنة المُطلقة فيها لـ(الأنا)، والمُتلقي يُدرك ذلك تمامًا، ويعلم أنّ الحياة تحتاج إلى لقطات جميلة قد لا يدركها البصر في وقتها»..

* الباحث والناقد عابد لزرق
التخييل يمنحُ النّصوص بعدًا فنيا
أمّا الباحث والناقد عابد لزرق، فيقول إن: «من أبرز سمات الأدب سعيه الدائم إلى تحقيق قدر من الحرية على مستوى الكتابة والأسلوب، وعلى مستوى اختيار الشكل الفني وطرح الأفكار. وفي سياق السؤال عن السيرة الذاتية في الخطاب السردي بين الواقع والتخييل يظلُ التطلّع إلى هذه الحرية قائمًا فيها على نحوٍ مُماثل، فالأديب باحث مُستمر عنها، وسؤال الحرية هذا يتأرجح بين ما تفرضه كتابة المذكرات والسيرة الذاتية من نزوع نحو الصدق وافتراض النقل الأمين للوقائع، وبين ما يُتيحه الأدب من إمكانات تخييلية تمنحُ النص بُعدًا فنّيًا، وتجعلُ هذا النمط من الكتابة يخرجُ من دائرة التأريخ الذاتي الصارم للأحداث إلى رحابة الإبداع الأدبي، وما توفّره هذه الرحابة للكاتب من إمكانية بلوغ حدود لا تصل إليها الكتابة التاريخية الصارمة، ولولا هذا العنصر الفني والبُعد التخييلي لصارت كتابة المذكرات والسير الشخصية أقرب إلى التوثيق والتقرير والتاريخ منها إلى الأدب».
ومُستدركًا يُضيف: «غَيْرَ أنّ هذا التخييل الّذي يمنحُ السيرة الذاتية طابعها الأدبي ليس مُطلقا أو ولا غير محدود، فهو يظل محكومًا بمرجع واقعي يُفترض أن يُشكّل أساس التجربة السردية، ويتم تطعيم هذا المرجع ببهارات فنية يُضيفها التخييل ويُعاد تشكيله عبر تقنيات سردية من اختيار الكاتب وإنشائه. فالسيرة الذاتية تقوم على ما يُشبه الميثاق الضمني الخفيّ بين النص والقارئ، إذ يقوم النصّ هنا بالإحالة إلى تجربة حقيقية معيشية من وحي سيرة صاحب النص وتاريخه الشخصي، وهو ما يضعها أمام أعين القارئ حتى وإن خضعت لإعادة بناء فنّي يقومُ على الزيادة والحذف والاِنتقاء».
وعليه -حسب رأي الدكتور عابد دائمًا- «يبرز عنصر التخييل داخل النص السردي لا بكونه اِختراعًا لواقع آخر بديل، بل بوصفه وسيلة لإعادة تشكيل الواقع الأوّل (سيرة الكاتب) وتكثيف دلالاته من خلال إضافات فنية لا تمسّ جوهر ذلك الواقع والتجربة، بل تضفي عليهما أبعادًا نفسية وإنسانية أعمق تزيد النص السيري جمالاً وأدبية. وهكذا يبقى التخييل في السيرة الذاتية محصورًا داخل تخوم المرجع الواقعي، فهو يعمل على صياغته وتكثيفه دلاليًا داخل إطار جمالي دون إلغائه أو اِستبداله، وعلى تحويله إلى تجربة جمالية شبه واقعية دون أن يفقد صلته بجذوره الحقيقية».
وأردف مُستطردًا: «في ضوء ما قد سبق؛ نتبيّن أنّ السيرة الذاتية في الخطاب السردي أو الرواية السيرية لا يمكن اِختزالها في كونها نقلاً أمينًا للواقع، كما لا يمكن اِعتبارها تخييلاً خالصًا مُنفصلاً عن المرجع، فهي كتابة هجينة تتقاطع فيها التجربة المَعيشة مع التشكيل الفني، في إطار سؤال دائم بين مطلب الصدق والأمانة والإلزام من جهة، وبين حرية الإبداع من جهة أخرى، ومن ثَمّ، فإنّ ما تُـنتجه السيرة الذاتية ليس حقيقة تاريخية بالمعنى الدقيق لا يمكن للكاتب أن يحيد عنها قيد أُنملة، ولا تخييلاً تامًّا مُنفلتًا عن المرجع الأساس، بل إنتاجًا أدبيًا سيريًا ممزوجًا نتيجة اِنصهار وتداخل بين الواقع والتخييل، ومُركّبًا تُشكّله العناصر الآتية: اللّغة، والخيال، والشكل الفنّي، والتجربة المرجعية، ورؤية الكاتب».

* الناقد الأدبي والفني محمّد الأمين بحري
التخييل الذاتي إحدى بوابات الحداثة البعدية في كلّ الفنون
يتساءل الناقد الأدبي والفني محمّد الأمين بحري: «بِمَا أنّ التخييل وليد القرن الواحد والعشرين،1977، (سيرج دوبروفسكي)، فلا بدّ للأسئلة التي يطرحها، أن تكون بدورها، أسئلة راهنة، من قبيل: هل تحتاج هوية الكاتب إلى إعادة تعريف في الفنون السردية المُعاصرة، وهل باتت ذات الكاتب مجهولاً من مجاهيل عصر الحداثة البعدية التي تتجاوزهُ كلّ مرّة وتُجبرهُ كلّ مرّة على تحيين التعريف بذاته وهويته. وهل هناك ميثاق أدبي صريح يُجنس هذا النوع من الكتابة التخييلية الذاتية، أم أنّه يخترق مُعظم الأنواع الأدبية إن استعمل الكاتب شذرة من حياته الخاصة داخل عمل تخييلي؟ وما موقع السيرة الذاتية وأدب المذكرات، الأدب الحميمي، اليوميات، والفنون التي يتداخل فيها الواقعي بالتخييلي؟ وما حدود الكذب في التخييل الذاتي؟».
مُضيفًا في ذات الفكرة: «من هذه المسافات الفنية، يختلف تناول الأدباء لهذا النوع الأدبي، كما يتقاطع مع مختلف أشكال الكتابة التي تحضر فيها الذات مُهيمنًا كلياً أو جزئياً عن عالم النص الّذي يَرد فيه. اِنطلاقاً من كونه يأخذ من فن الرواية طابعه التخييلي الصرف، بكلّ ما يُوفره للكاتب من بنيات وآليات وفضاءات سردية، كما يتخذ من السيرة الذاتية مشروعية اِقتباسه من الحياة الواقعية شذرات من المرجع المعيش واليومي سواء باِعتباره راهناً أو مسترجعاً».
وهذا -حسبَ رأيه- ما يجعل التخييل الذاتي نوعاً هجينا سواء من حيث تعدّد مداخله وتمظهراته الأنواعية والنصية، أو من حيثُ تعاريفه النقدية التي توزعتها تلك المداخل.
وهنا أضافَ مُوضحًا: «ولا أدل على ذلك من كوننا نجده حاضرًا سواء في النصوص السيرية الصرفة، لدى كلّ من أحلام مستغانمي (أصبحت أنت)، واسيني الأعرج (عشتها كما اشتهتني)، وعبد القادر فيدوح (ملاوة)، وغيرهم، أو في نصوص أبعد شكليًا عن السيرة الذاتية، مثل الخيال العلمي (نصوص فيصل الأحمر) والعرفانية (محمّد مفلاح) أو الاِرتحالية (الصدّيق حاج أحمد الزيواني) (سعيد خطيبي). على سبيل التمثيل لا الحصر».
ذات المُتحدّث اِستدرك قائلاً: «وفي اِعتقادي أنّ التنظير لهذا النوع الأدبي يكون وليد النصوص التي تجاذبت أطرافه، أكثر من الإسقاطات التنظيرية الوافدة أو الجاهزة أو المصوغة بالقياس عن نظريات وفلسفات مُجاورة، اِنطلاقًا من كون فلسفة النظرية الأدبية وليدة التجربة النصية التي لا تعترف إلاّ بالمُتغير الضمني لكلّ نص مرجعاً للمُتغير التنظيري للمفهوم النقدي الناتج عنه».و-حسب الدكتور بحري دائمًا-: «فهذا هو السر في البقية الأنواعية مُتغيرة النبرة والعُمق والشكل والمفهوم التي يحفل بها الحقل الأدبي ونظيره النقدي، مثل: التخييل الذاتي العجائبي الّذي يتكلم عن الحقيقة باِسم الخيال، وعن المرجع بالعلامة الرمزية، وبالمُفارقة عن المُباشر والمُعلن والسببي. والتخييل السيري الّذي تحكمه الذاتية ونزوعاتها المُمكنة أكثر من الصدق الواقعي القائم والمُثبت في الشهادات. والتخييل الذاتي المرآوي، القائم على اِنطباع صورة المُؤلف والكاتب في الكِتاب، اِنعكاس الظل للجسد، أو كما سماه الناقد فنسنت كولونا (التضمين الاِنعكاسي). وهو نوع قديم نسبيًا قدم نظرية الاِنعكاس ذاتها».ورابع وآخر الأنماط -يُضيف ذات المُتحدّث- هو ما سُميَ «التخييل التداخلي أو التدخلي، وهو المسرود بضمير الغائب، الّذي يسمح للمُؤلف التدخل في مقاطع معينة، وليس جميعها، لتلافي الاِنزلاق نحو المُباشرة والتصريح والوثائقية التي هي الهاجس والمحذار الّذي يحرص كلّ فنان على تلافي الوقوع فيه. خشية الخروج عن الفن ذاته».
مؤكدًا في الأخير، أنّ «هذا التصنيف والتنويع لأنماط الكتابة بالتخييل الذاتي ما يزال مُنفتحاً، على التجدّد والتنوع والاِستيلاد مع كلّ تجربة سردية جديدة يمكن أن تمنح العالم وجهاً مُختلفاً من وجوه التخييل الذاتي باِعتباره إحدى بوابات الحداثة البعدية في فنون التأليف الأدبي جمعاء وليس السردي فحسب».

* الناقد والباحث عبد الحميد ختالة
يشتغل التخييل في الرواية على ملء فجوات الواقع
يقول الناقد والأكاديمي عبد الحميد ختالة: «في الحقيقة تُعد الرواية السير ذاتية من أعقد أنواع الكتابات السردية ومن أشدّها تطلّبًا لمُختلف تقنيات الحكي وأدوات التخييل، إذ أمست الرواية السير ذاتية تقف على حدّ الحافة بين حقيقة التجربة وواقعيتها وبين اِنفلاتات الخيال وجموحه، وقد بات على الروائي السير ذاتي أن يرتقي في معراج اللّغة الجامحة والجامعة بين بلاغة التخييل المحض وفصاحة التعبير عن الواقعي من أجل أن يُقدم مادته الحكائية في مستوى الميثاق السير الذاتي».
مُضيفًا: «إذ على رأي فيليب لوجون فإنّ هناك تطابق يحدث في الرواية السير ذاتية بين شخصيات السارد، المؤلف والبطل، وتعمل جملة القرائن النصية على تفعيل هذا الاِنطباع لدى المُتلقي، حيثُ يتفق أنا الكاتب مع أنا السارد مع أنا الفاعل/البطل، ولعلّ هذا بالذات الّذي ينقل العمل الروائي من التخييل المحض إلى التخييل الذاتي».
مُشيرًا إلى أنّه «من الطبيعي أن تنتقل طبيعة الحكي في الرواية السير ذاتية من السير الخطي أو التسلسلي للحدث السردي إلى التسلسل الذاتي، حيثُ تشتغل الذاكرة الفردية للروائي في اِنتقاء تراتبية خاصة بها تُؤثر في سيرورة الحدثّ، تعتمدُ هذه التراتبية على علائق خاصة بين الحدث السردي والذاكرة في تحوّلات عاطفية وعقلية متنوعة ومختلفة».
مُوضحًا في المقابل، أنّ «الرواية السير ذاتية تنقلُ الحدث من عوالم التخييل المحض إلى عوالم خاصة تعكسُ نقطة تماس الروائي بالوقائع، وهذا أمر طبيعي إذ لا يمكن أن نفصل بين السارد ومسروده فالإبداع حالة كيمياء خاصة تمتزج فيها الوقائع بالخيال واللّغة بالجمال».
ومُستدركًا يقول: «أحسب أنّه على الدرس النقدي أن ينصرف قليلاً عن صرامة النظرية ليلتفت إلى تجليات النفس البشرية فيما تُنتجهُ من إبداع بمختلف أنواعه، فرغم واقعية الحدث إلاّ أنّه يحتاج إلى الوعي الذاتي للشخصية من أجل صوغ التجربة السردية، وهنا تكون العلاقة بين الواقع والتخييل علاقة تكامل لا نديّة فيها».
مُضيفًا في ذات الفكرة: «يشتغلُ التخييل في الرواية على ملء الفجوات التي يتميز بها الواقع، تلك الفجوات التي هي أصل من أصول الواقع، أو أنها فجوات أنتجها فشل الذاكرة في اِسترجاع الحدث كما هو، وقد اِستنكر الدرس النقدي من جهة أخرى إفراط بعض الأجناس الأدبية في الواقعية حتى خلت من الإبداع ففقدت أدبيتها التي هي عمودها».
وواصل مُوضحًا: «يهدفُ التخييل إلى خلق المسافة الجمالية عندما يُحافظ المُؤلف على مسافة بينه وبين ذاكرته، تسمحُ له تلك المسافة بنقد تلك الحالة السردية وتقديم قراءته الخاصة لها وكأنّه يكتب عن ذات أخرى غير ذاته الخاصة، وقد قرأنا ذلك في رواية (عشتها كما أشتهي) التي مارست تخييل الواقعي حتى صار على مسافة مع راويه».الدكتور ختالة في الأخير اِختتم رأيه قائلاً: «فصل القول هو أني لا أنتظر من الرواية السير-ذاتية أن تُعيد إنتاج الحياة كما حدثت في الواقع، بل أنتظر إبداعًا يتجاوز الواقعي من أجل أن يكشف الجوهر الإنساني بواسطة جملة من الأدوات أبرزها اللّغة ومُختلف مُؤثثات السرد».

* الكاتب أحمد عبد الكريم
سردية المُمكن و المُستحيل
يقول الكاتب أحمد عبد الكريم، في ذات الشأن: «أثبتت البحوث الأخيرة أنّ التخييل آلية عقلية مُهمة جدًا، تتفوقُ على الذكاء، ويكاد يتحول إلى غريزة ترتبطُ بالفرد منذ نشأته الأولى. وتُرافقه طوال حياته».
مضيفًا في المقابل: «لقد كان الأدب اليوناني القديم يرى أنّ الأدب عربة يجرها حصانان هُما الشعور والخيال، وخوذيها القائد هو العقل. ومن ذلك الفهم اِرتبطَ الخيال بالأدب وصار صفة لازمة له، لا وجود له بدونها. وقد كان حضور الخيال أبرز وأطغى في فن الشِّعر، الّذي كان عماده التصوير والأخيلة المُلتقطة من الحياة والطبيعة، وكلّ ما يقع تحت إدراك الحواس، أو ما يدور في العقل من مجردات. لقد تناول الناقد العربي القديم عبد القاهر الجرجاني مثلاً، دور الخيال في التصوير الشِّعري، وخصَّصَ مبحثًا مُهمًا لتحليل التشبيهات والاِستعارات، وكان يرى أنّ الشاعر الخلاّق يخلق علاقات مُدهشة بين المُشبه والمُشبه به، وكلما كانت العلاقات بينها أغرب وأبعد كان ذلك أدعى لتثمينها والإعجاب بها».صاحب «رسول الفضة»، ذهب إلى تأكيد أنّ المخيلة هي رهان الأدب، إذ يقول في هذا الفحوى: «لقد كانت المُخيلة، بِمَا تكتنز من غنى وثراء، هي رهان الشِّعر العالمي والعربي الحديث، ومناط أهميته، ومدار حداثته، وإذا تأملنا أُسس الحركة السريالية ومنجزها في الشِّعر والفن، فإنّنا سندرك أنها حرّرت المخيلة ودفعت بها إلى حدودها القصوى، بِمَا لم يكن أحد يُفكر فيه أو يتوقعه. وما كان مُتعاليًا على الواقع القائم. ذلك لا يعني أنّ التخييل كان حكرًا على الشِّعر، كالإلياذة والإنيادة والشهنامة، والمأساة والملهاة، بل تجلى بقوّة في نص سردي عظيم هو (ألف ليلة وليلة)، فقد كان نصًا مليئًا بالعجيب والغرائبي والسحري والمُثير، مِمَّا لم يكن للأُمم عهدٌ به حين ذاك».
مشيرًا في ذات المعطى، إلى أنّه «رغم أهمية التخييل في الكتابة الأدبية، بكلّ أنواعها وأجناسها، إلاّ أنه يظل مُرتبطا بالحياة والعالم، بكلّ ما فيه من محسوس وملموس، لا يستطيع تجاوزه، إلاّ بالقدر الّذي تسمح به اللّغة وإمكاناتها التعبيرية».
ثم استطرد قائلاً: «الكتابة هي إعادة إنتاج للحياة بشكلٍ ما، بعد أن تمر عبر مصفاة الروح، وهي إعادة تدوير للواقع عبر اللّغة والرؤيا، وبمجرّد أن يُفكر الكاتب في الكتابة، يكون قد حَجَبَ نفسه عن الواقع، وانتقل به إلى حيز ما هو مُتخيل، لأنّ الكتابة حجاب، واللّغة تخلق مسافة بين النص والمعيش. وبين ما هو حقيقي وما هو مُتخيل. ولأنّ الرواية نشأت في المدينة وارتبطت بالحياة وتعقيداتها، تظل أكثر قربًا من الواقع، تُعيد بناء أحداثه وتحريك شخوصه، بطريقتها الخاصة، بالاِعتماد على التخييل. لكن من يصدق أنّ باريس التي كتبها بلزاك ليست هي الحقيقة، وأنّ القاهرة التي كتبها نجيب محفوظ في ثلاثيته، بحواريها وصخبها ليست هي الأصل».ذات المتحدّث أردفَ مُوضحًا: «على الرغم من التحذيرات المُستهلكة للروائيين لقُرائهم، (بأنّ أي تشابه بين أحداث الرواية وشخصياتها بأحداث وشخصيات حقيقية هو محض تخييل ومصادفة) يظل القارئ صاحب السلطة في التأويل والفهم. وله مُطلق الحرية في إحالة الرواية على مرجعها الأوّل. فمن يقنع القُرّاء بأنّ رواية (الغريب) مجرّد أحداث مُتخيلة، وبأنّ بطلها (مورسولت) لا يستحق كلّ هذا السخط والحقد، لأنّه ليس حقيقيًا. بل مجرّد كائن على الورق».
مُؤكدًا في هذا السّياق، أنّ: «مستويات التخييل تتفاوت بين ما هو سردي محض يقوم على التخييل بدرجة كبيرة، يكتب اللحظة ويغوصُ في صراعات المجتمع وتناقضاته، وبين ما هو سرد فنتازي، يكتب السحري والعجائبي والخارق، وبين ما هو سرد تاريخي، يستعيدُ أحداثًا وشخصيات من التاريخ، أو يُعيد ملء بياضات الماضي وفراغاته، بِمَا يُوافق رؤية الكاتب أو يُعبر عن وجهة نظره، التي عادةً ما تكون نقطة خِلاف ومصدر تجاذبات لا اِتفاق حولها. من منطلق أنّ التاريخ ملكية جماعية، لا يجب التلاعب بها. وبين ما هو سرد ينتمي إلى السيرة الذاتية، يكون كاتبها السارد والبطل، والصوت المُفرد الّذي يستعرض نرجسيته، ويُمارس سلطته على قارئه».مُشيرًا في ذات الاِتجاه، إلى أنّ «بين سردية الحياة وسردية التخييل، وبين الحقيقة ومجازاتها، شعرة رفيعة لا تنقطع. كاتبٌ يُصر على أنّه مُتخيّل، وقارئٌ يُصر على أنّها (مقصودة) أي أنّ الكاتب يُلمح ويُصرح بِمَا هو معيش».
ثم اِختتمَ بقوله: «السرد الجديد في عالم اليوم، يتقاسمه تياران جارفان، يحظيان بقبول غالبية القُرّاء. الأوّل سرد يقوم على الميتا/خيال meta/fiction. يكتب عن الغموض وعوالم السحر والخوارق والفنتازيا، والثاني سرد اللا/خيال no/fiction الّذي يكتب العادي والراهن والمُبتذل، وبينهما تيارٌ ثالث يجمع بين هذا وذاك. ولكنّه لا يُشكل ذائقة مُفضلة للأجيال الجديدة».

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com