
اِشتهر بعض الكُتّاب بمنجز سردي تمثل في ثلاثيات روائية، وفي رباعيات وخماسيات وغيرها، لكن الشائع أكثر هو التثليث الروائي، وهذه الثلاثيات خلدت ورسّخت أسماء كُتّابها في تاريخ الأدب والكتابة، وفي ذاكرة القُرّاء. ما جعل الكثير من الكُتّاب ومنهم حتى كُتّاب الجيل الجديد ينهجون نهج الكتابة التي تشتغل على ثلاثيات سردية. فلماذا يا ترى هذا التثليث، لماذا الثلاثيّة، وما أبعادها؟ وهل تُظهرُ وعيًا أرسخ للروائي بمشروعه السردي؟ وهل الثلاثيات الروائية عادةً ما تحمل رمزيّة ما؟ وهل هذه الرمزيّة هي ما يجعلها في الغالب راسخة في ذهن القارئ وفي ريبرتوار الأدب؟ أيضا، هل يمكن اِعتبار الأمر هواية أم لعبة شغف سردية، أم هي بالأكثر مشروع أدبي متكامل يستدعيه التسلسل التّاريخي أو المجتمعي الّذي يفرض على الكاتب الاِتكاء عليه، (أي على هذا التسلسل) وبالتالي إنجاز العمل على مراحل وأجزاء؟ حول هذا الموضوع «الثلاثيات الروائية»، يتحدث بعض النُقاد والكُتّاب في ملف «كراس الثقافة» لهذا العدد.
أعدت الملف: نوّارة لحـرش

* الناقد والمترجم محمّد تحريشي
الثلاثية تكون ضرورة فنية أحيانًا
يقول الناقد والمُترجم الدكتور محمّد تحريشي في هذا الشأن: «تبدو الثلاثية الروائية للوهلة الأولى مجرّد تقسيم عددي بسيط للنص: ثلاث روايات مُتتابعة تشترك في عالم واحد أو في خيط سردي مُتصل. غيرَ أنّ هذا الشكل السردي يخفي في العُمق رهانًا أكثر تعقيدًا، يتعلقُ بِمَا يمكن تسميته (طول النَّفَس في الكتابة) فالثلاثية ليست اِختبارًا لوفرة الإنتاج فحسب، بل اِمتحان لقدرة الكاتب على بناء عالم روائي يتسع عبر الزمن دون أن يفقد تماسكه أو توهجه».
مُضيفًا في ذات السّياق: «لعل من أبرز الأمثلة التي رسّخت هذا الشكل في الأدب العربي ما أنجزه نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة: (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية). ففي هذه الأعمال الثلاثة لا نكون أمام روايات منفصلة بقدر ما نكون أمام عالم روائي واحد يتتبع تحوّلات عائلة مصرية عبر أجيال مختلفة. وقد مكّن هذا الاِمتداد السردي الكاتب من رسم صورة واسعة للمجتمع المصري في مرحلة تاريخية دقيقة، حيثُ تتقاطع التحوّلات الاِجتماعية والسياسية مع تحوّلات الفرد والأسرة. هنا تبدو الثلاثية اِختيارًا فنيًا يفرضه اِتساع العالم الروائي وحاجته إلى زمن أطول كي يتكشف».
ويظهر ها هُنا -حسبَ الدكتور تحريشي- (طول النفس السردي) بوصفه طاقة خلاّقة، إذ يسمح للكاتب بأن يفتح الرواية على الزمن الاِجتماعي، وأن يمنح شخصياته فرصة للنمو والتبدل عبر الأجيال.
ثم أَردفَ مُستطردًا: «وفي الأدب الجزائري نجد مثالًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ثلاثية محمّد ديب التي تضم روايات (الدار الكبيرة والحريق والنول). وقد شكّلت هذه الثلاثية واحدة من أبرز الشهادات الروائية عن المجتمع الجزائري في ظل الاِستعمار، إذ تتبع مسار طفولة ونشأة البطل في بيئة اِجتماعية قاسية، كاشفةً عن التحوّلات العميقة التي عرفها المجتمع الجزائري قبل اِندلاع الثورة. ومثلما هو الحال عند نجيب محفوظ، فإنّ الاِمتداد عبر ثلاثة أجزاء لم يكن ترفًا سرديًا، بل ضرورة فنية لإبراز تدرّج التجربة الإنسانية والاِجتماعية. لأنّ التجربة الإنسانية التي يُعالجها النص أكبر من أن تُختزل في رواية واحدة».
ومُستدركًا يقول: «غَيْرَ أنّ طول النفس، الّذي يمنح هذا النوع من الكتابة قوته، يمكن أن يتحوّل في الوقت نفسه إلى مأزق. فالثلاثية تضع الكاتب أمام تحدٍّ مزدوج: أن يُحافظ على تماسك العالم الروائي عَبَرَ الأجزاء المُختلفة، وأن يضمن في الوقت ذاته تطورًا حقيقيًا في السرد والشخصيات. فإذا نَجَحَ في ذلك، تحوّل الاِمتداد إلى قيمة جمالية، وصارت الأجزاء الثلاثة أشبه بمراحل لنمو العالم الروائي. أمّا إذا أَخْفَقَ، فإنّ طول النفس قد يتحوّل إلى (ترهل سردي) تتكرر فيه الأفكار والمواقف دون إضافة حقيقية. لهذا يمكنُ القول إنّ الثلاثية ليست مجرّد علامة على القدرة على الكتابة، بل هي في جوهرها اِختبار لقدرة الكاتب على إدارة الزمن الروائي».
مُؤكدًا في المضمار أنّ «بعض الكُتّاب يُخططون لهذا الاِمتداد منذ البداية، فيبنون ثلاثيتهم بوصفها مشروعًا سرديًا مُتكاملًا، بينما تتشكل ثلاثيات أخرى بالتدريج، حين يعود الكاتب إلى العالم نفسه عبر أعمال لاحقة حتى تكتمل الدائرة».
ومواصلاً في ذات الفكرة يقول: «غير أنّ السؤال الأهم يظل مُرتبطًا بدلالة هذا الاِمتداد السردي نفسه. فهل يفرض اِتساع العالم الروائي هذا الاِمتداد؟ أم أنّ الأمر قد يتحوّل أحيانًا إلى نوع من الاِستعراض الكتابي؟ فبعض العوالم الروائية تحتاج فعلًا إلى مساحة زمنية وسردية أوسع كي تتكشف طبقاتها وتتحرك شخصياتها في مسارات مُتعدّدة. وفي هذه الحالة تصبحُ الثلاثية خيارًا فنيًا مشروعًا يمنحُ النص فرصة للتنفس والتطوّر. لكن في حالات أخرى قد تتحول الثلاثية إلى مجرّد تكثير عددي للنصوص، حيثُ يغدو الاِمتداد هدفًا في ذاته، لا ضرورة فنية تفرضها بنية العمل. وها هنا يبرز خطر التكرار والترهل السردي، حين تتوزع فكرة بسيطة على أجزاء مُتعدّدة كان يمكن اِحتواؤها داخل رواية واحدة».
مُؤكدًا في هذا الاِتجاه، أنّ الاِمتداد حين يكون مجرّد تكثير عددي للنصوص، فإنّ الثُلاثية تفقد معناها، وتتحوّل إلى دليل على وفرة الكتابة أكثر مِمَّا هي دليلٌ على عُمق المشروع الروائي. وحين يكون الاِمتداد ضرورة فنية، كما في بعض الأعمال الكُبرى، تتحوّل الثلاثية إلى فضاء واسع يسمح للرواية بأن تلتقط حركة المُجتمع وتحوّلات الإنسان عبر الزمن.
مُشيرًا في المُقابل، إلى أنّه «لا يندر في تاريخ الرواية أن يختار بعض الكُتّاب صيغة (الثلاثية الروائية) إطارًا لتجاربهم السردية. غَيْرَ أنّ هذا الاِختيار، يخفي في العُمق أسئلة جمالية وزمنية تتعلقُ بطبيعة المشروع الروائي نفسه. فالثلاثية ليست مجرّد ثلاث روايات مُتجاورة، بل غالبًا ما تكون تعبيرًا عن علاقة خاصة بين الكاتب والزمن السردي، وبين الفكرة الروائية ومساحة تشكلها».
ثَمَ أَرْدَفَ مُوضحًا: «من ها هنا فإنّ قيمة الثلاثية لا تُقاس بعدد أجزائها، بل بقدرتها على بناء عالم روائي متماسك ومتنامٍ وتحويل طول النفس إلى طاقة سردية خلاّقة. فالكتابة المُمتدة ليست علامة قوة في حد ذاتها، كما أنّ الاِختزال ليس دائمًا علامة ضعف. المعيار الحقيقي يظل في قدرة الكاتب على تحويل الاِمتداد إلى معنى، والزمن السردي إلى تجربة جمالية مُتكاملة».
وفي الأخير خلص إلى القول: «يمكن التمييز بين نمطين من الثلاثيات. فهناك ثلاثيات مُخطَّطٌ لها سلفًا، يضع الكاتب تصورًا شاملًا لعالمه الروائي قبل الشروع في الكتابة، فتأتي الأجزاء الثلاثة كأنها فصول كُبرى من رواية واحدة. وفي المُقابل، هناك ثلاثيات تتشكلُ بالتراكم، حيثُ تبدأ التجربة برواية مُستقلة، ثم يعود الكاتب إلى العالم نفسه في نصوص لاحقة حتى تتكوّن الثلاثية تدريجيًا».

* الناقد محمّد الأمين لعلاونة
ظاهرة في تاريخ الرواية الحديثة واستراتيجية سردية واعية
يقول الناقد والأكاديمي الدكتور محمّد الأمين لعلاونة، من جانبه: «يبدو التثليث في السرد الروائي، حسب حدّ نظرنا، ظاهرة لافتة في تاريخ الكتابة الروائية الحديثة، إذ اِختار عددٌ كبير من الروائيين أن يبنوا مشاريعهم السردية على ثلاثة أجزاء مُتتابعة، بحيث لا يكون كلّ جزء عملاً منفصلاً تمامًا، ولا يكون في الوقت ذاته مجرّد اِمتداد تقني للجزء السابق؛ بل حلقة ضمن بناء سردي أوسع تتكامل فيه الأجزاء لتُشكّل في النهاية رؤية روائية مُتماسكة، ويمكن القول إنّ هذا الميل إلى الثلاثية ليس اِعتباطيًا أو خاضعًا لمحض المُصادفة، حيثُ يرتبطُ في كثير من الأحيان بطبيعة الرؤية السردية التي يحملها الكاتب لموضوعه وللعالم الّذي يكتبه، وبمدى اِتساع التجربة التي يسعى إلى تمثيلها داخل النص».
فالرقم ثلاثة -يُضيف لعلاونة- له حضورٌ قديم في البُنى الثّقافيّة والرمزيّة في مُختلف الحضارات، حيثُ يتجلى في عدد من الصيغ الفكرية والرمزية التي اِعتاد العقل الإنساني أن ينتظم من خلالها؛ بداية ووسط ونهاية، أو ماض وحاضر ومستقبل، وهذه البنية الثلاثية تمنحُ السرد نوعًا من التوازن البنيوي الّذي يسمحُ للكاتب بتوسيع الحكاية دون أن تفقد شكلها أو إيقاعها الداخلي.
وعليه -حسب رأيه دائمًا- فإنّ الثلاثية تمنح الروائي مساحة كافية لبناء عالم روائي مُتدرج، تتطوّر فيه الشخصيات والوقائع عبر زمن أطول، وتتعمّق فيه الأسئلة الفكرية والوجودية التي يطرحها النص.
وفي ذات السّياق أردفَ مُوضحًا: «فالشخصيات في الثلاثيات الروائية لا تظهر غالبًا في حالة ساكنة؛ بل تمرّ عبر تحوّلات نفسية واجتماعية وفكرية تتكشفُ على اِمتداد الأجزاء الثلاثة، وهو ما يمنح البناء السردي طابعًا مُتحركًا يُواكبُ حركة التاريخ، لكن التثليث الروائي ليس مُجرّد لعبة شكلية أو نزوة تقنية يلجأ إليها الكاتب لتكثير عدد الأجزاء أو توسيع الحكاية، ففي كثير من الحالات يعكس هذا الخيار وعيًا واضحًا لدى الروائي –المُكرس- بمشروعه السردي».
ذات المتحدّث أردفَ مُستطردًا: «فالكاتب الّذي يختار الثلاثية غالبًا ما يكون مدركًا أنّ الموضوع الّذي يتناوله أكبر من أن يُحتوى في رواية واحدة، وأنّ التجربة التّاريخيّة أو الاِجتماعية التي يُعالجها تحتاج إلى مسار سردي طويل نسبيًا يسمحُ بتعقب تحوّلاتها وتعقيداتها. ولذلك نجد أنّ الثلاثيات الروائية كثيرًا ما ترتبط بتمثيل تحوّلات كُبرى في حياة المجتمعات أو في مسار الشخصيات، حيثُ تصبح الرواية الأولى بمثابة تقديم للعالم السردي، فيما تعمل الرواية الثانية على تعميق الصراع وتوسيع الدلالات، بينما تأتي الرواية الثالثة لتقدّم نوعًا من الخلاصة أو إعادة ترتيب المعنى».
مُضيفًا في ذات السّياق: «ويبدو هذا الأمر واضحًا في التجربة الروائية الجزائرية، وبخاصة عند الروائي الجزائري محمّد ديب الّذي يُعد صاحب أوّل ثلاثية في الكتابة الروائية الجزائرية. فقد صَوَّرَ من خلال ثلاثيته الشهيرة واقع المجتمع الجزائري إبان الاِستعمار الفرنسي، فجاءت روايات (الدار الكبيرة والحريق والنول) أو المنسج تعبيرًا سرديًا عميقًا عن معاناة الإنسان الجزائري وتحوّلات حياته الاِجتماعية في ظل الهيمنة الاِستدمارية. وقد عُرِفت هذه الأعمال مجتمعة باِسم (ثلاثية الجزائر)، حيثُ اِستطاع ديب أن يبني من خلالها صورة واسعة للمجتمع الجزائري، تتداخل فيها الحياة اليومية بالتحوّلات التّاريخيّة الكُبرى التي كانت الثورة التحريرية المجيدة آخر محطاتها. ولم تتوقف تجربة التثليث عند هذه الثلاثية، إذ عاد محمّد ديب لاحقًا إلى هذا الشكل السردي فيما عُرف بــ(ثلاثية الشمال) التي ضمت روايات (شرفات أورسول، وإعفاء حواء، وثلوج المرمر)، وهي أعمال اِتجهَ فيها الكاتب إلى فضاءات إنسانية وفكرية أوسع كان للرمزية فيها النصيب الأكبر من الحظ في التناول».
ثم توالت بعد ذلك -حسب المُتحدّث- التجارب الثلاثية في السرد الجزائري، ومن أبرزها ثلاثية أحلام مستغانمي التي ضمت روايات (ذاكرة الجسد وفوضى الحواس وعابر سرير). وقد شكلت هذه الأعمال مسارًا سرديًا واحدًا يقوم على اِستعادة الذاكرة الوطنية وتأمل العلاقة المعقدة بين الحب والتاريخ والذاكرة، بحيث تتقاطع التجربة الفردية لخالد بن طوبال مع التجربة الجماعية الجزائرية في سياق سردي يتوزع على ثلاثة أجزاء مُتكاملة.
مُضيفًا في ذات المعطى: «وبالنظر إلى هذه التجارب وغيرها، يمكن القول إنّ التثليث في الرواية لا يقتصر على كونه بنية عددية، بل يُمثلُ في كثير من الأحيان شكلاً من أشكال التفكير السردي في الزمن والتاريخ. فالروائي المُكرس؛ عبر توزيع المادة الحكائية على ثلاثة أجزاء، يُتيحُ لنفسه إمكانية إعادة النظر في الأحداث والشخصيات من زوايا مُتعدّدة، كما يسمح للنص بأن ينمو تدريجيًا ويُعيد إنتاج معناه عبر الزمن السردي المُمتد».
واختتم قائلاً: «وعليه يمكننا القول إنّ الثلاثية الروائية ليست مجرد تقسيم عددي للنص؛ بل هي استراتيجية سردية واعية تُتيحُ للكاتب بناء عالم روائي واسع تتداخل فيه مستويات الحكاية، وتمنحُ العمل الروائي أُفقًا أرحب للمُعالجة والتأمل».

* الكاتب والناقد عبد الحفيظ بن جلولي
بين مقاصد الكاتب وتأويل القارئ قد تكون ضرورة أو إغراء
يقول الكاتب والناقد عبد الحفيظ بن جلولي إن: «تعتبر الرّواية فن إنتاج الخيال، ولهذا في اِعتقادي كلّ ما ينشأ من خلال ذلك من مظاهر تتعلق بالرواية سواء في الشكل أو المضمون هي مجرّد تأويلات تُثري الرواية وتفتح أسئلة حول تطوّر هذا الجنس الأدبي، ومن ذلك قضية الثلاثية».
مُضيفا في ذات السّياق: «الشكل الثلاثي للرّواية، أي توزيع النص عبر ثلاثة عناوين، ربّما يكون هواية، أي أنّ الكاتب وضعها إمّا إغراءً أو مسايرة لِمَا هو كائن، أو أنّ الضرورة الروائية اِقتضت التثليت اِنطلاقًا من مخطط إنتاجية الرواية في خيال الكاتب، أو يكون التثليت وضعًا اِقتضته ضرورة النشر كما حَدَثَ مع نجيب محفوظ الّذي كَتَبَ روايته اِبتداءً في جزء واحد ولمّا فاق الألف صفحة اِرتأى الناشر توزيعه على ثلاثة أجزاء».
ذات المتحدّث أردف قائلاً: «يقودنا سؤال لماذا الثلاثية إلى الروائي الّذي هو عليم بعمله الأدبي، لكنّنا قد نستطيع أن نستشف ذلك من خلال بعض العناوين التي تشترك في تيمة تُقدّم ربّما بعض التفسير، كما هو بالنسبة لثلاثية الطاهر وطار، فعنوان الجزء الأوّل (الشمعة والدهاليز)، يأتي الجزء الثاني (الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي)، اِسم الروائي (الطاهر)، فهل هذا متعلق بِمَا يُطلق عليه سيرج دوبروفسكي (التخييل الذاتي)؟. قد تكون الطهارة مُتعلقة بالمقام، فيصبح أشد رمزية للإحالة إلى ما هو صوفي، فالشمعة حينها ترميز لإضاءة الجواني والدهليز مقام للكشف يصّاعد أعماق النفس في مكابدات السلوك نحو (منازل السائرين)، يأتي عنوان الجزء الثالث ليؤكد المنحى الصوفي في عنصر الدعاء: (الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء). إذن هناك خيطٌ رابط ومنطق ينسجم وتأويل الإحالات عبر مستويات العنوان الثلاثي».
مُشيرًا في ذات الفكرة، إلى أنّ: «الأبعاد التي هدف إليها التثليت، لا يمكن الوقوف جزمًا عليها لأنّها تقع ضمن قصدية الكاتب الحقيقية، لكن يمكن كشفها عبر مسار العنونة ذاتها، فعناوين ثلاثية أحلام مستغانمي تقود إلى شيء من هذا، فــ(ذاكرة الجسد) يُحدّد عنصر الاِشتغال المُمحور حول الجسد، والذاكرة شيء من متعلقات ما يُحيل إليه (الجسد). عنوان الجزء الثاني: (فوضى الحواس)، والحواس من عناصر الجسد الأساسية، فهناك إحالة إلى عنصر الجزء الأوّل، ثم يأتي عنوان الجزء الثالث: (عابر سرير)، ليُؤكد (الجسد) و(الحواس) عبر الإيحاء القوي في السرير الّذي يحضن الجسد ويقوي الإحساس به».مُضيفًا في هذا المنحى: «وعي الروائي بمشروعه السردي لا يكون في اِعتقادي سوى بمنظومة الأفكار التي يحملها باِعتبارها الأساس الّذي يبني عليه متخيله في نسج الحدث وِفْقَ هدف، أو ما يصطلح عليه رسالة، لكن التفاصيل التأويلية تكون من القارئ/الناقد الّذي يكشف العلاقات المضمرة بين العناصر التي تشكل البناء الفني والجمالي للرواية، وينتبه إليها الروائي باِعتبارات اللاوعي».ومُستدركًا يقول: «كلّ عمل فني يرتبط برمزية ما، والعناوين باِعتبارها مُعلقة على سقف النص، تُضيء شيئًا من عوالمه، لكن رمزية العمل تأتي من القراءة التأويلية التي تنشأ من الحفر في النص وعوالمه الحدثية، فالثلاثية مثلاً في رأيي تتعلق رمزيًا بِمَا تُحيل إليه المُعالجة الرّوائية لِمَا عُرِف بالطابوهات الثلاث: الجنس، السياسة والدين، أو بِمَا ترسّخ في وعي التاريخ الروائي في إنتاج النص عبر المقدمة والعقدة والنتيجة. كلّ هذه الاِعتبارات لا تعطي تفسيرًا نهائيًا لاِستلهام الشكل الثلاثي للرواية ولكنّها قد تُحيل إلى تفسير يفتح أقواس البحث حوله».
ذات المتحدّث أضاف مؤكدًا: «يحفظ القارئ وبالتالي ريبيرتوار الأدب هذا الشكل كاِعتماد فني يتناوله القارئ اِبتداءً كشكل من أشكال الإغراء في الرواية، فالثلاثية في وعي القارئ الّذي يقف عند حدود الشكل تُمثل الاِنفتاح على عوالم مُتتالية ومتسلسلة تتطلب منه الاِنتظار التشويقي الفائق، وينعكس ذلك على ريبيرتوار الأدب فيحفظ الثلاثية كشكل مُتميّز له خواصه وله إغراءه».
وذهب في الأخير إلى تأكيد، أنّه: «لا يمكن الحسم في اِعتبار الثلاثيات هواية، أو لعبة شغف سردية أو مشروع. يُحدّد ذلك قصد الكاتب، وتأويل القارئ، لكن الأكيد أنّها تتمحور حول أحد تلك العناصر، فمثلاً عندما نعود إلى التجربة المُبكرة في تاريخ التثليت الروائي الجزائري لدى محمّد ديب: سنجد (الدار الكبيرة) التي هي الوطن، لكنه يعيش آنذاك ظروفًا اِستثنائية تتمثلُ في هيمنة الاِستدمار الغاشم، فتطلب ذلك مستوى آخر من النص يُعبّر عن هذه الحالة ولم يجد محمّد ديب أقوى من عنوان (الحريق)، لكن هل هذا الوضع مُستدام، بالطبع لا، لأنّ الحالة الثورية للمُستعمَر تأبى الاِنصياع للذل فكان من الطبيعي نسج حالة تمزج بين الحلم وتحقيقه وكان العنوان الثالث رمزًا قويًا على ذلك (النول)».

* الكاتب والناقد الأدبي لونيس بن علي
الثلاثية قد تكون مشروعًا روائيا وفي الغالب تكون تسويقا
يقول الكاتب والناقد الأدبي الدكتور لونيس بن علي: «في تصوُّري، أنّ ما يدفع روائيًا إلى كِتابة ثلاثية قد يكون أمرًا من الأمرين: الأوّل: أن تكون الرواية مشروعًا، بِمَا يقتضي طُولاً معينًا قد لا يستوعبه جزء واحِد، ونجد هذا أكثر في الروايات التي تدور أحداثها بين أجيال مُختلِفة، أو في الروايات التي تقوم على شبكة جد معقدة من الأحداث، وعلى عدد كبير من الشخصيات».
مُضيفًا في ذات التصوّر: «ويمكن هنا أن نفتح قوسًا للحديث عن الروايات النهرية، تلك التي تمتدُ على صفحات كثيرة جدًا، وأنا أتساءل هل نملك اليوم هذا القارئ القادر على قراءة مثل هذه الروايات التي تبدو صفحاتها لانهائية؟ خاصّةً وأنّ القراءة اليوم تتجهُ أكثر نحو البسيط والمختصر والمبستر».
أمّا الأمر الثاني، -حسب رأي بن علي-، فقد يعود إلى عامل تسويقي بالدرجة الأولى؛ نجاح الرواية تجاريًا قد يغري الكاتب بأن يُراهن على الحصان الفائز دائمًا.
وهذا ما أثبتتهُ -حسبَ رأيه دائمًا- بعض التجارب الروائية التي حقّقت نجاحات تجارية ضخمة، الأمر الّذي يعني أنّها وفقت في تلبية حاجة القارئ اليوم، وقد يصل بعض الروايات إلى تجاوز الثلاثية إلى الرباعية أو السباعية. فالأمر متعلق بقانون السوق، لأنّ أغلب الثلاثيات اليوم تنتمي إلى أدب الفانتازيا والخيال العلمي والرعب، لأنّها الأكثر اِستقطابًا للمستهلكين حتى لا نقول للقُرّاء.

* الناقد الأدبي والفني محمّد الأمين بحري
تأتي الثلاثيات غالبًا للنظر في الموضوع المطروق من أكثر من زاوية
يقول الناقد الأدبي والفني الدكتور محمّد الأمين بحري، من جهته: «من حيث الإطار النظري يرى النقد الفني أدب المسلسل بمنظورين مُتقابلين من حيث التأسيس، وإن شئنا الأخذ بمنظور أرسطو في كتابه (فن الشِّعر)، وتحديداً في كلامه عن الأنواع الدرامية التي تنطلق من حكاية مكتوبة قبل أن تُجسد في حكاية مُمثلة ومرئية، فإننا سنجدهُ قد قسمها إلى قسمين، القسم الأوّل: بسيط: ويقوم على الحكاية المكتفية بذاتها، في عمل واحد، إي إنّ المنظور الفني فيها يتجلى من زاوية واحدة، وفي اِتجاهٍ واحد، أينما وصلت المُغامرة فيه إلى مداها اِنتهت الحكاية، وأغلقت الدائرة، وعادة ما تكون نهايتها مغلقة، إي إنّ الكاتب نفسه يعمد إلى حل العقدة التي طرحها في البداية بنفسه دون ترك الباب مفتوحاً أو موارباً على حلول أخرى، وإن ترك النهاية مفتوحة فلغاية فنية تُشرك المُتلقي في النظر إلى تلك الحالة أو الموضوع أو العقدة، دون تغيير زاوية النظر أو اِتجاه المنظور».
أما القسم الثاني، -يُضيف المُتحدّث-: «هو المركب: ويقوم على قصة غير مكتفية بذاتها، لأنّ الموضوع بحاجة إلى أن يُنظر إليه من أكثر من زاوية، ومن أكثر من طرف أو شخصية عاملة في الحكاية، ثم إنّ الحدث يكون عادةً مهيمناً على الشخصيات مِمَا يضطر المُبدع إلى توجيه القارئ في النهاية إلى سؤال مفتوح من نوع: ماذا سيحدث للشخصية الفلانية بعد هذا؟ أو ماذا سيحدث في الجهة أو الجهات الأخرى من الصراع، والإجابة عن هذا التساؤل، لاِستكمال هذا الحدث وهذا المنظور، عناصر تفترض أن يُخَصِص لها المُؤلف جزءً أو أجزاء أخرى للإجابة عنها. كي يرى المُتلقي للموضوع وللشخصية وللحدث من أكثر من زاوية، حتى تتكامل الرؤية ويُجاب عن الأسئلة المركبة».
أمّا من الناحية التطبيقية، -فيؤكد بحري- أنّ فن السلاسل قديم قِدم التأليف، وقد كَتَبَ أوّل المسرحيين اليونانيين إسخيلوس ثلاثيته الشهيرة بروميثيوس (بروميثيوس مصفداً، بروميثيوس طليقاً، بروميثيوس حامل النار) وكَتَبَ الملحمي الإيطالي دانتي ثلاثية الكوميديا الإلهية (الجحيم، المطهر، النعيم).
مُضيفًا في ذات المعطى: «من جهة الرواية سنجد أعمالاً مكتفية وإشكالية وحيدة، عالجها الناص وفق منظور وحيد، ينتهي خطه الدرامي في مؤلف واحد. بينما إنّ تمدَّدَ الخط الدرامي، أو الخاصية المُشتركة، أو القضية التي تنمو وتتطوّر وتتلون وتتحوّل من عمل إلى آخر، فإنّ الناص سيضطر إلى أجزاء أخرى ثنائيات مثلما نجده في (السحرة لإبراهيم الكوني)، ثلاثيات مثل ما فعل نجيب محفوظ (بين القصرين، السكرية، قصر الشوق) أو رباعيات مثل ما نجده في (مقبرة الكُتب المنسية) لكارلوس زافون (ظل الريح، لعبة الملاك، سجين السّماء، متاهة الأرواح)، أو خماسيات، مثل ما نجده في (مُدن الملح) لعبد الرحمن منيف (التيه، الأخدود، تقاسيم الليل والنهار، المنبت، بادية الظلمات) أو سداسيات مثل سداسية (الأيّام الستة) لإميل حبيبي عن حرب (1967)، أو سباعيات كما نجده لدى مارسيل بروست في (ساعة البحث عن الزمن المفقود)، إلى غيرها من الأعمال السردية المُركبة».
ومستدركًا يضيف: «ولعل الاِمتزاج الكبير بين الأدب والكتابة للسينما والتلفزيون (عطفاً على اِنطلاق كلّ منهما من نص مكتوب)، أفضى إلى تقارب شديد بين الأنواع الفنية، وأقرب نموذج للرواية (واحدة أو مجزأة) في عالم القصص السمعية البصرية هو الفيلم كنموذج للحكاية البسيطة المكتفية بذاتها، والمسلسل الّذي يُعُدُ مثالاً مُمتازاً عن الحكاية المُرَكبة التي تتطوّر وتنمو وتمدُ خطها الدرامي في أكثر من حلقة وأكثر من جزء وأكثر من موسم».
ولا أدل -يُؤكد بحري في الأخير- على هذا الاِشتراك الفني الحميم بين النص والمرئي مِمَا باتَ يُسمى بالفيلم الروائي والمسلسل الروائي. وكلاهما تجسيد عن الأعمال البسيطة والمُركبة في نسج حبكات الحكي سواء تَوَحَدَ بناؤها أم تَعَدَّدَ وتسلسل لسبط فكرته ومحتواه للمُتلقي.