دعا أساتذة في علم الآثار، والتاريخ، والاجتماع للنصر إلى ترميم العلاقة بين الآثار وأفراد المجتمع للحد من سلوكيات الاعتداء على هذه الشواهد الحضارية، واعتبروا أن المشكلة أصبحت تحتاج إلى تدخل صارم للقوانين الردعية حفاظا على ذاكرة الأمة الممثلة في بقايا الإنسان القديم، فضلا عن تجديد تناول هذه الأخيرة في المناهج الدراسية للرفع من قيمتها لدى الأجيال الصاعدة وتعريفهم بها.
إيناس كبير
تتعرض بعض المعالم الأثرية والمواقع إلى أعمال تخريبية تشوه جماليتها ومن السلوكيات التي رصدناها الكتابة على الصخور القديمة والجدران باستخدام بخاخات الطلاء، استخدام أدوات حديدية لتخريبها وتكسير أجزاء منها مثلما يتكرر الأمر مع تمثال عين الفوارة بولاية سطيف، أو إعادة تغيير لونها، فيما يتعدى الأمر أحيانا إلى سرقتها وتهريبها إلى دول أخرى، ما يمس بقيمتها الثقافية والحضارية والسياحية، خصوصا وأنها تعد عناصر جذب مهمة يتوافد إليها الزوار بحثا عن ماضي البلد ورغبة في التعرف على تاريخه القديم.
* محمد عرباوي أستاذ بمعهد الآثار
سلوكيات ناتجة عن غياب المواطنة الثقافية
أوضح الأستاذ بمعهد الآثار، بجامعة الجزائر 02، محمد عرباوي، أن العوامل التي تؤدي إلى تلف المواقع الأثرية سواء المعروضة في الهواء الطلق أو في أماكن ذات طابع عمراني تتعدد منها البيولوجية، الطبيعية، والبشرية المرتكبة من طرف الزوار أو عامة الناس، وهو سلوك وصفه بأنه ناتج عن غياب الوعي الثقافي والأثري، وجهل بقيمة التراث وأهمية حمايته، ناهيك عن غياب التربية على المواطنة الثقافية في المدارس والإعلام.
وتحدث عرباوي عن عملية تنظيف الممتلكات الثقافية من طرف المختصين التي تكون صعبة نوعا ما خصوصا إذا استخدمت بعض أنواع الطلاء غير القابلة للتنظيف سواء ميكانيكا، يدويا أو كيميائيا، مضيفا أن المواد الكيميائية قد تؤثر على المادة الأولية المصنوع منها المعلم لذلك من الصعب أن يعود إلى سابق عهده لأن التلف يمس 50 بالمائة من قيمته سواء الوطنية، الأثرية، التاريخية، والاقتصادية، وأردف الأستاذ أن المرممين وأصحاب مؤسسات الصيانة والترميم بدورهم يعانون من هذه السلوكيات خصوصا إذا كان الجزء المتلف يحتوي على نقوش أو زخارف يصعب استرجاعها مثل الموجودة على الأضرحة، فالدراسات الأثرية، كما يؤكد، تهدف إلى كتابة تاريخ الأمة من خلال البحث عن الإنسان أو مخلفاته مما تركه من معثورات أثرية أو عمارة.
وفي هذا السياق يرى أنه بات من الضروري التطبيق الصارم للتشريعات المتعلقة بحماية التراث على المستوى الوطني وتجديد العقوبات، فضلا عن التنسيق بين الجهات الأمنية والثقافية لإدماج المواقع الأثرية كمزارات سياحية، تنظيم خرجات لأفراد المجتمع من كل الشرائح العمرية، وكذا حملات تحسيسية للمواطنين ليتعرفوا على القيمية الأثرية والتاريخية والعلمية لهذا الموروث.
ومن الأمثلة التي تطرق إليها الأستاذ، الاعتداءات على تمثال عين الفوارة، بولاية سطيف، يقول إنه كان شاهدا على حجم الضرر الذي تعرض له فقد كان أستاذا في جامعة سطيف آنذاك، وقد صرح أحد المختصين الذين تدخلوا عليه خلال عملية الترميم والتنظيف قائلا «مهما كانت نوعية التدخل بغرض الصيانة والحماية فإن المعلم لن يعود إلى سابق عهده».
الطلاء يسبب تفجيرات داخل الحجارة الكلسية
يضيف محدثنا أن مجموعة من المهندسين أيضا شاركوا في العملية واعتمدوا على دراسات في أعمال الترميم وصور التُقطت له في وقت سابق من أجل الحصول على نتائج قريبة من الواقع، بالإضافة إلى تحليل المادة الأولية التي صُنع منها التمثال وهي نوع من أنواع الرخام حُضرت في أحد المخابر، وعقب الأستاذ أنه بالرغم من النتائج الحسنة التي توصلوا إليها على مستوى الصدر، الأنف والوجه إلا أن الفرق يبقى واضحا بين الأجزاء الأصلية والمرممة وهو ما يدخل حسبه ضمن عوامل التلف إذ أن عملية الاسترجاع تتراوح ما بين 70 و80 بالمائة فحسب.
أما عن طلاء الحجارة القديمة أوضح الأستاذ بمعهد الآثار، محمد عرباوي، أن الحجارة أيضا يجب أن تتنفس، فعند التدخل عليها بالطلاء بنية التنظيف يُؤثر بها سلبا بسبب استخدام مواد قد تكون محظورة في قانون حماية التراث خصوصا عند غلق مسامات الحجارة الكلسية فتحصل تفجيرات داخلها تسبب شقوق مجهرية ما يؤدي إلى تفتتها وانكسارها.
* شروق مسعودي، أستاذة مادة الاجتماعيات
الجهل والأساطير محرك أساسي لسلوك تخريب الآثار
ترى أستاذة مادة الاجتماعيات، شروق مسعودي، أن الخلط في المعلومات التاريخية يعد محركا أساسيا لفعل تخريب الآثار، فلو كان المقبل على مثل هذه الجرائم متشبعا بقاعدة تاريخية متينة وفق منهج صحيح لما أقدم على هذا الفعل المشين.
تضيف أن البعض يعتبر المناطق الأثرية شواهد على ماضي مشرف ويدعو للفخر بينما يراها آخرون ذكرى للمآسي، وهنا يتولد الحقد النابع من الجهل اتجاهها فيؤدي إلى فعل لا واع متمثل في التخريب، النهب والسرقة وغيرها، وعقبت مسعودي قائلة «فكما جاء في كتاب سيكولوجية الجماهير لغوستاف لوبون «إنّ خلق الأساطير التي تنتشر بمثل هذه السهولة في أوساط الجماهير ليست فقط ناتجة عن سرعة كاملة في التصديق وإنّما عن تشويه هائل أو تضخيم هائل للأحداث في مخيّلة الأفراد المحتشدين(أيّ الجمهور)»، وهكذا هو الحال بالنسبة للموروث التاريخي إهماله وتدميره ما هو إلا نتاج التشبّع بخرافات وأساطير لا أساس لها من الصحة، مبنية على الوهم والروايات المتداولة في الأوساط الجماهيرية.
وذكرت الأستاذة بعض المغالطات الشائعة من بينها أن هذه الشواهد التاريخية ترمز إلى الظلم والقهر، خاصة عندما يتعلق الأمر بما تركه المستعمر خلال فترة ما، ووصفت ذلك بالقصور المعرفي فكما يُقال «الأمم بتاريخها ونحن أعداء الوثيقة»، تضيف «لو كنّا مدركين لقيمتها سنعرف من خلالها تاريخنا، ونتشبع أكثر بوطنيتنا ونحوّلها من ذكرى سيئة إلى أداة تثبت ما مرّت به بلادنا من ويلات وانتصارها عليها.
ومن الأفكار المنتشرة أيضا حولها، وفقا لها، أن هذه الآثار يوجد أسفلها كنوز خصوصا في الأوساط البدائية التي مازالت تعيش على الأساطير الشعبية فيقبلون بجهالة على تدميرها ونهبها، وأعقبت أن هذه المشكلة منتشرة في كل بقاع العالم وعانت منها كل الحضارات، وتطرقت المتحدثة في هذا السياق إلى نبش القبور الفرعونية في مصر بحثا عن الكنوز، والمعالم البيزنطية والرومانية في بلاد الشام وبلدان شمال إفريقيا.
أما في الجزائر فمن المواقع التي لعبت بها يد العابثين بحثا عن الكنوز، ذكرت، ضريح قديم بمنطقة سيدي إسماعيل بلدية عماري بولاية تيسمسيلت، وقد تكرر الأمر مع أضرحة «الأجدار» بفرندة ولاية تيارت التي تعرضت للحفر والنبش والأمثلة كثيرة من الواقع، وقالت الأستاذة إن هذه المغالطات حولت الآثار التي تمثل ذاكرة الشعوب وهويتها من كنز معرفي إلى أشياء مادية عند الأمم المتجردة من تاريخها.
بينما في الأصل تحمل النقوش الصخرية على سبيل المثال، وفقا لها، تفاصيل مهمة عن الحياة اليومية في الماضي وكل حرف أو لون هو شيفرة تكشف عن حقائق قديمة، وأوضحت مسعودي، أن تخريب حرف واحد منها يغير المعنى بشكل كامل ما يرمي بعالم الآثار في متاهة بحث عن المجهول، مردفة، أن تدمير الحواف الأصلية لتلك الآثار سبب في الجهل بالآلة التي استخدمها القدماء في النحت، وهنا نكون خسرنا حقائق ربّما كانت ستغير مسار البشرية.
المخلفات المادية للحضارات بقايا ناطقة تروي قصص السابقين
وقالت المتحدثة إن المخلفات المادية للحضارات ليست مجرد شواهد حجرية صامتة بل أماكن وبقايا ناطقة وحيّة تروي قصص السابقين، تردف أنها تصور جوانب مختلفة من التاريخ سواء دينية، تنظيمات اجتماعية واقتصادية، ووصفتها بأنها صفحات صادقة تشكل الهوية الوطنية الممتدة عبر كل العصور من فترة ما قبل التاريخ إلى الفترة المعاصرة، فكل أثر يحكي عن فترة ما ببطولاتها، وتضحياتها وكذلك خسائرها ومعاناتها، كما أنها دليل على هوية متجذرة لم يستطع أيّ محتل طمسها والقضاء عليها.
من جهة أخرى أوضحت شروق مسعودي، أن الآثار هي شيء ملموس يتوصل من خلاله الباحثين والدارسين إلى حقائق خفيّة، أو ينفون من خلالها بعض الأحداث ويؤكدون أخرى، فضلا عن أهميتها الاقتصادية المتمثلة في جذب السياح لاكتشافها ومعرفة أسرارها، فهي كنز معرفي يحقق ثروة اقتصادية لو عرفنا كيف نروج له والتعريف به لدول العالم.
بناء قاعدة تاريخية متينة تبدأ من المناهج الدراسية
من جانب آخر تحدثت الأستاذة عن المناهج التربوية ودورها في تعزيز العلاقة بين الطالب والبقايا الأثرية التي تشكل الهوية، وترى أن ذلك يكون باتباع أساليب بيداغوجية وتغيير لاستراتيجيات التعلم، فبدل وضع تعريف الآثار وأهميتها في قالب نظري يحفظه الطالب من أجل إجراء الامتحان فقط، وجب إدراج رحلات مخصصة بشكل دوري نحو تلك الشواهد الأثرية، فهنا عندما يراها يتساءل، «من الذين كانوا هنا؟»، «كيف تمّ بناؤها؟» «هذه الأدوات فيما كانوا يستخدمونها؟»، «هل حقا عاش أجدادنا هكذا؟». وكلها تفسيرات معرفية لا تنبع إلاّ عندما يكون الأمر مجسدا أمام الطلبة في الواقع، حسبها، كما عرجت إلى نقطة اعتبرتها مهمة وهي الربط بين الجغرافيا والتاريخ، وأفادت أن المناهج تفتقد للانسجام في حين أنه لا يوجد تاريخ دون جغرافيا، فلكل حدث تاريخي شواهد على سطح الأرض، وتأسفت قائلة «بالرغم من التطور التكنولوجي في وسائل التعليم إلا أننا مازلنا نشهد على قطيعة من الأثر التاريخي والطلبة».
* توفيق عبيدي، أستاذ وباحث في علم الاجتماع
تعبير عن انهيار القيم المشتركة التي تربط المجتمع بتاريخه
قال الأستاذ والباحث في علم الاجتماع، توفيق عبيدي، إن العدد الكبير للآثار في الجزائر يقابله نوع من الإهمال خصوصا في الأماكن الحضرية، ما يعبر عن فقدان قيمتها أو كما يسميها «بيير بورديو» «خلل في الرأس المال الثقافي»، وأعقب أن المجتمع الجزائري لا يتعامل مع الآثار على أنها ثروة بل مجرد حجارة صامتة أو مباني تستغل أماكن يمكن الاستفادة منها، ما عبر عنه الأستاذ من منظور علم الاجتماع أنه انهيار للقيم المشتركة التي تربط المجتمع بتاريخه.ومن أمثلة التخريب التي تطال الشواهد التاريخية التي ذكرها التمدد العمراني في حديقة أثرية بولاية تبسة، ما وصفه أنه يعد تنافسا بين الماضي والحاضر إذ يُنظر للآثار على أنها عائق أمام التقدم وليست رصيد حضاري، لذلك تُعاد هندسة المدينة وفق منطق اقتصادي يقصي القديم.
وفسر عبيدي، هذا السلوك أنه نوع من التفكك في الروابط الاجتماعية التقليدية خصوصا في المناطق الكبرى وضعف في الشعور برمزية الآثار وبالتالي لا يتعامل معها المواطن على أنها جزء من هويته، من جانب آخر يرى أن المشكل الآخر هو غياب التشجيع على استغلال الآثار والمسؤولية اتجاهها خصوصا الأماكن البعيدة عن الأعين.
إشراك المواطن في تنظيف المواقع الأثرية من بين الحلول
أما فيما يخص الكتابة على الحجارة أو المعالم الأثرية المنتشرة خصوصا في المدن، حسبه، أوضح بأن علم الاجتماع يقول «إن المدينة فضاء منتج اجتماعيا وتتنازع عليها مختلف المكونات الموجودة فيها»، ومنه فإن الآثار تتقاسم الفضاء العام مع المواطن وبالرغم من تعبيرها عن الهوية والذاكرة إلا أنه أرجع أسباب التعدي عليها إلى علاقات معقدة تعبر عن أزمة في الهوية المجتمعية، وتحولات ثقافية في تفكير المجتمع، وعقب الأستاذ أن الأمر يحتاج إلى قراءة بنيوية عميقة للمجتمع.
ويرى الأستاذ والباحث في علم الاجتماع، توفيق عبيدي، أن المواطنة الثقافية تعد جزء من الحل ويمكن رد الاعتبار لهذه الآثار من خلال تفعيلها وإعادة بناء روابط بينها وبين السكان، وعلق أن الترميم الأساسي هو ترميم العلاقة بين الإنسان والآثار من خلال مبادرات تشرك السكان في قرارات الصيانة والتنظيف، ربط الآثار بسرديات تعبر عن الهوية المحلية، تحويل الفضاءات الثقافية إلى فضاءات للأنشطة المتنوعة بالتركيز على الأطفال الصغار، وتنظيم زيارات ميدانية حتى يدرك الجيل الصاعد أن الآثار جزء من الثقافة والهوية ويجب الحفاظ عليها. إ.ك